Skip navigation

Category Archives: Uncategorized

المليباري الهندي ج 2


[ 3 ]

فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين لزين الدين بن عبد العزيز المليباري الفناني الجزء الثاني دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع


[ 4 ]

جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الاولى 1418 ه‍ / 1997 م حارة حربك – شارع عبدالنور – برقيا: فكسي – صحب 7061 / 11 تلفون: 838305 / 838202 / 838136 فاكس 009611837898 دولي: 009611860962


[ 5 ]

” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ” ” حديث شريف ” بسم الله الرحمن الرحيم فصل في صلاة بالجماعة (1)


[ 6 ]

وشرعت بالمدينة. وأقلها إمام ومأموم، وهي في الجمعة، ثم في صبحها، ثم الصبح، ثم العشاء، ثم العصر، ثم الظهر، ثم المغرب أفضل. (صلاة الجماعة في أداء مكتوبة) لا جمعة (سنة مؤكدة) للخبر المتفق عليه: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. والافضلية تقتضي الندبية فقط، وحكمة


[ 7 ]

السبع والعشرين: أن فيها فوائد تزيد على صلاة الفذ بنحو ذلك. وخرج بالاداء القضاء. نعم، إن اتفقت مقضية الامام والمأموم سنت الجماعة، وإلا فخلاف الاولى، كأداء خلف قضاء، وعكسه، وفرض خلف نفل، وعكسه، وتراويح خلف وتر، وعكسه. وبالمكتوبة: المنذورة، والنافلة، فلا تسن فيهما الجماعة، ولا تكره. قال النووي: والاصح أنها فرض كفاية للرجال البالغين الاحرار المقيمين في المؤاداة فقط، بحيث يظهر شعارها


[ 8 ]

بمحل إقامتها، وقيل إنها فرض عين – وهو مذهب أحمد – وقيل شرط لصحة الصلاة، ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال، فلذلك يكره تركها لهم، لا لهن. والجماعة في مكتوبة – لذكر – بمسجد أفضل، نعم، إن وجدت في بيته فقط فهو أفضل، وكذا لو كانت فيه أكثر منها في المسجد – على ما اعتمده الاذرعي وغيره -. قال شيخنا: والاوجه خلافه، ولو تعارضت فضيلة الصلاة في المسجد والحضور خارجه: قدم – فيما يظهر – لان الفضيلة


[ 9 ]

المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها أو زمانها، والمتعلقة بزمانها أولى من المتعلقة بمكانها. وتسن إعادة المكتوبة بشرط أن تكون في الوقت، وأن لا تزاد في إعادتها على مرة – خلافا لشيخ شيوخنا أبي


[ 10 ]

الحسن البكري رحمه الله تعالى – ولو صليت الاولى جماعة مع آخر ولو واحدا، إماما كان أو مأموما، في الاولى أو الثانية، بنية فرض. وإن وقعت نفلا فينوي إعادة الصلاة المفروضة. واختار الامام أن ينوي الظهر أو العصر


[ 11 ]

مثلا ولا يتعرض للفرض، ورجحه في الروضة، لكن الاول مرجح الاكثرين، والفرض الاولى، ولو بان فساد الاولى لم تجزئه الثانية – على ما اعتمده النووي وشيخنا، خلافا لما قاله شيخه زكريا، تبعا للغزالي وابن العماد – أي إذا نوي بالثانية الفرض (وهي بجمع كثير أفضل) منها في جمع قليل، للخبر الصحيح: وما كان أكثر، فهو أحب إلى الله تعالى (إلا لنحو بدعة إمامه) أي الكثير: كرافضي، وفاسق، ولو بمجرد التهمة. فالاقل جماعة


[ 12 ]

– بل الانفراد – أفضل، كذا قاله شيخنا تبعا لشيخه زكريا – رحمهما الله تعالى -. وكذا لو كان لا يعتقد وجوب بعض الاركان أو الشروط، وإن أتى بها، لانه يقصد بها النفلية، وهو مبطل عندنا. (أو) كون القليل بمسجد متيقن حل أرضه، أو مال بانيه، أو (تعطل مسجد) قريب أو بعيد (منها) – أي الجماعة – بغيبته عنه لكونه إمامه، أو يحضر الناس بحضوره، فقليل الجمع في ذلك أفضل من كثيره في غيره. بل بحث بعضهم أن الانفراد بالمتعطل عن الصلاة فيه بغيبته أفضل، والاوجه خلافه. ولو كان إمام القليل أولى بالامامة – لنحو علم – كان


[ 13 ]

الحضور عنده أولى. ولو تعارض الخشوع والجماعة فهي أولى. كما أطبقوا عليه حيث قالوا: إن فرض الكفاية أفضل من السنة. وأفتى الغزالي، وتبعه أبو الحسن البكري في شرحه الكبير على المنهاج بأولوية الانفراد لمن لا يخشع مع الجماعة في أكثر صلاته. قال شيخنا: وهو كذلك، إن فات في جميعها. وإفتاء ابن عبد السلام بأن الخشوع أولى مطلقا إنما يأتي على قول أن الجماعة سنة. ولو تعارض فضيلة سماع القرآن من الامام مع قلة الجماعة وعدم سماعه مع كثرتها، كان الاول أفضل. ويجوز لمنفرد أن ينوي اقتداء بإمام أثناء صلاته، وإن اختلفت ركعتهما لكن يكره ذلك له، دون مأموم خرج من الجماعة لنحو حدث إمامه فلا يكره له الدخول في


[ 14 ]

جماعة أخرى. فإذا اقتدى في الاثناء لزمه موافقة الامام. ثم إن فرغ أولا كمسبوق، وإلا فانتظاره أفضل. وتجوز المفارقة بلا عذر، مع الكراهة، فتفوت فضيلة الجماعة. والمفارقة بعذر: كمرخص ترك جماعة، وتركه سنة مقصودة كتشهد أول، وقنوت، وسورة، وتطويله وبالمأموم ضعف أو شغل لا تفوت فضيلتها. وقد تجب المفارقة، كأن عرض مبطل لصلاة إمامه وقد علمه فيلزمه نيتها فورا وإلا بطلت، وإن لم يتابعه اتفاقا، كما في المجموع. (وتدرك جماعة) في غير جمعة، أي فضيلتها، للمصلي (ما لم يسلم إمام) أي لم ينطق بميم عليكم


[ 15 ]

في التسليمة الاولى، وإن لم يقعد معه بأن سلم عقب تحرمه لادراكه ركنا معه، فيحصل له جميع ثوابها وفضلها، لكنه دون فضل من أدركها كلها. ومن أدرك جزءا من أولها، ثم فارق بعذر أو خرج الامام بنحو حدث، حصل له فضل الجماعة. أما الجمعة، فلا تدرك إلا بركعة – كما يأتي – ويسن لجمع حضروا والامام قد فرغ من الركوع الاخير أن يصبروا إلى أن يسلم ثم يحرموا – ما لم يضق الوقت -. وكذا لمن سبق ببعض الصلاة ورجا جماعة


[ 16 ]

يدرك معهم الكل. لكن قال شيخنا إن محله ما لم يفت بانتظارهم فضيلة أول الوقت، أو وقت الاختيار، سواء في ذلك الرجاء واليقين. وأفتى بعضهم بأنه لو قصدها فلم يدركها كتب له أجرها، لحديث فيه. (و) تدرك فضيلة (تحرم) مع إمام (بحضوره) – أي المأموم – التحرم (واشتغال به عقب تحرم إمامه) من غير تراخ، فإن لم يحضره أو تراخى فاتته فضيلته. نعم، يغتفر له وسوسة خفيفة وإدراك تحرم الامام فضيلة مستقلة مأمور بها لكونه صفوة الصلاة، ولان ملازمه أربعين يوما يكتب له براءة من النار وبراءة من النفاق – كما في الحديث – وقيل: يحصل فضيلة التحرم بإدراك بعض القيام. ويندب ترك الاسراع وإن خاف فوت التحرم، وكذا الجماعة


[ 17 ]

– على الاصح – إلا في الجمعة، فيجب طاقته إن رجا إدراك التحرم قبل سلام الامام. ويسن لامام ومنفرد انتظار داخل محل الصلاة مريدا الاقتداء به في الركوع والتشهد الاخير لله تعالى – بلا تطويل -، وتمييز بين الداخلين،


[ 18 ]

ولو لنحو علم. وكذا في السجدة الثانية ليلحق موافق تخلف لاتمام فاتحة، لا خارج عن محلها، وأن صغر المسجد، ولاداخل يعتاد البطء. وتأخير الاحرام إلى الركوع، بل يسن عدمه زجرا له. قال الفوراني: يحرم الانتظار للتودد، ويسن للامام تخفيف الصلاة مع أبعاض وهيئات بحيث لا يقتصر على الاقل، ولا يستوفي الاكمل، إلا أن رضي بتطويله محصورون. وكره له تطويل، وإن قصد لحوق آخرين. ولو رأى مصل نحو


[ 19 ]

حريق خفف، وهل يلزم أم لا ؟ وجهان، والذي يتجه أنه يلزمه لانقاذ حيوان محترم، ويجوز له لانقاذ نحو مال كذلك، ومن رأى حيوانا محترما يقصده ظالم أو يغرق لزمه تخليصه وتأخير صلاة، أو إبطالها إن كان فيها، أو مالا جاز له ذلك. وكره له تركه. وكره ابتداء نفل بعد شروع المقيم في الاقامة، ولو بغير إذن الامام، فإن كان فيه


[ 20 ]

أتمه، إن لم يخش بإتمامه فوت جماعة، وإلا قطعه ندبا ودخل فيها، ما لم يرج جماعة أخرى. (و) تدرك (ركعة) لمسبوق أدرك الامام راكعا بأمرين: (بتكبيرة) الاحرام، ثم أخرى لهوي، فإن اقتصر على تكبيرة اشترط أن يأتي بها (لاحرام) فقط، وأن يتمها قبل أن يصير إلى أقل الركوع، وإلا لم تنعقد إلا لجاهل فتنعقد له نفلا، بخلاف ما لو نوى الركوع وحده، لخلوها عن التحرم، أو مع التحرم للتشريك، أو أطلق لتعارض قرينتي الافتتاح


[ 21 ]

والهوي، فوجبت نية التحرم لتمتاز عما عارضها من تكبيرة الهوي. (و) بإدراك (ركوع محسوب) للامام وإن قصر المأموم فلم يحرم إلا وهو راكع. وخرج بالركوع غيره، كالاعتدال وبالمحسوب غيره كركوع محدث، ومن في ركعة زائدة. ووقع للزركشي في قواعده، ونقله العلامة أبو المسعود وابن ظهيرة في حاشية المنهاج: أنه يشترط أيضا أن يكون الامام أهلا للتحمل، فلو كان الامام صبيا لم يكن مدركا للركعة، لانه ليس أهلا للتحمل. (تام) بأن يطمئن قبل ارتفاع الامام عن أقل الركوع، وهو بلوغ راحتيه ركبتيه (يقينا)، فلو لم يطمئن فيه قبل


[ 22 ]

ارتفاع الامام منه، أو شك في حصول الطمأنينة، فلا يدرك الركعة، ويسجد الشاك للسهو – كما في المجموع – لانه شاك بعد سلام الامام في عدد ركعاته، فلا يتحمل عنه. وبحث الاسنوي وجوب ركوع أدرك به ركعة في الوقت. (ويكبر) ندبا (مسبوق انتقل معه) لانتقاله، فلو أدركه معتدلا كبر للهوي وما بعده، أو ساجدا مثلا – غير سجدة تلاوة – لم يكبر للهوي إليه، ويوافقه – ندبا – في ذكر ما أدركه فيه من تحميد، وتسبيح، وتشهد، ودعاء، وكذا صلاة على الآل، ولو في تشهد المأموم الاول. قاله شيخنا. (و) يكبر مسبوق للقيام (بعد سلاميه إن كان)


[ 23 ]

المحل الذي جلس معه فيه (موضع جلوسه) لو انفرد، كأن أدركه في ثالثة رباعية، أو ثانية مغرب، وإلا لم يكبر للقيام، ويرفع يديه تبعا لامامه القائم من تشهده الاول، وإن لم يكن محل تشهده، ولا يتورك في غير تشهده الاخير. ويسن له أن لا يقوم إلا بعد تسليمتي الامام. وحرم مكث بعد تسليمتيه – إن لم يكن محل جلوسه – فتبطل صلاته به إن تعمد وعلم تحريمه. ولا يقوم قبل سلام الامام، فإن تعمده بلا نية مفارقة بطلت. والمراد مفارقة حد القعود، فإن سها أو جهل لم يعتد بجميع ما أتى به حتى يجلس، ثم يقوم بعد سلام الامام. ومتى


[ 24 ]

علم ولم يجلس بطلت صلاته. وبه فارق من قام عن إمامه في التشهد الاول عامدا، فإنه يعتد بقراءته قبل قيام الامام لانه لا يلزمه العود إليه، (وشرط لقدوة) شروط منها: (نية اقتداء، أو جماعة)، أو ائتمام بالامام الحاضر،


[ 25 ]

أو الصلاة معه، أو كونه مأموما (مع تحرم) أي يجب أن تكون هذه النية مقترنة مع التحرم. وإذا لم تقترن نية نحو الاقتداء بالتحرم لم تنعقد الجمعة، لاشتراط الجماعة فيها، وتنعقد غيرها فرادى. فلو ترك هذه النية، أو شك فيها، وتابع مصليا في فعل، كأن هوى للركوع متابعا له، أو في سلام بأن قصد ذلك من غير اقتداء به وطال عرفا انتظاره له، بطلت صلاته. (ونية إمامة) أو جماعة (سنة لامام في غير جمعة) لينال فضل الجماعة،


[ 26 ]

وللخروج من خلاف من أوجبها. وتصح نيتها مع تحرمه وإن لم يكن خلفه أحد، إن وثق بالجماعة على الاوجه، لانه سيصير إماما، فإن لم ينو، ولو لعدم علمه بالمقتدين، حصل لهم الفضل دونه، وإن نواه في الاثناء، حصل له الفضل من حينئذ، أما في الجمعة فتلزمه مع التحرم. (و) منها: (عدم تقدم) في المكان يقينا


[ 27 ]

(على إمام – بعقب) وإن تقدمت أصابعه. أما الشك في التقدم فلا يؤثر ولا يضر مساواته، لكنها مكروهة. (وندب وقوف ذكر) ولو صبيا لم يحضر غيره، (عن يمين الامام) وإلا سن له تحويله – للاتباع – (متأخر) عنه (قليلا)، بأن تتأخر أصابعه عن عقب إمامه. وخرج بالذكر الانثى، فتقف خلفه، مع مزيد تأخر. (فإن جاء) ذكر


[ 28 ]

(آخر، أحرم عن يساره)، ويتأخر قليلا، (ثم) بعد إحرامه (تأخرا) عنه ندبا، في قيام أو ركوع، حتى يصيرا صفا وراءه. (و) وقوف (رجلين) جاءا معا (أو رجال) قصدوا الاقتداء بمصل (خلفه) صفا، (و) ندب وقوف (في صف أول) وهو ما يلي الامام، وإن تخلله منبر أو عمود، (ثم ما يليه) وهكذا. وأفضل كل صف يمينه. ولو ترادف


[ 30 ]

يمين الامام والصف الاول قدم – فيما يظهر – ويمينه أولى من القرب إليه في يساره، وإدراك الصف الاول أولى من إدراك ركوع غير الركعة الاخيرة. أما هي: فإن فوتها قصد الصف الاول فإدراكها أولى من الصف الاول. (وكره) لمأموم (انفراد) عن الصف الذي من جنسه إن وجد فيه سعة، بل يدخله. (وشروع في صف قبل إتمام


[ 31 ]

ما قبله) من الصف، ووقوف الذكر الفرد عن يساره، ووراءه، ومحاذيا له، ومتأخرا كثيرا. وكل هذه تفوت فضيلة الجماعة – كما صرحوا به -. ويسن أن لا يزيد ما بين كل صفين والاول والامام على ثلاثة أذرع. ويقف خلف


[ 32 ]

الامام الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء. ولا يؤخر الصبيان للبالغين، لاتحاد جنسهم، (و) منها: (علم بانتقال إمام) برؤية له، أو لبعض صف، أو سماع لصوته، أو صوت مبلغ ثقة، (و) منها (اجتماعهما) أي الامام


[ 33 ]

والمأموم (بمكان) كما عهد عليه الجماعات في العصر الخالية، (فإن كانا بمسجد) ومنه جداره ورحبته، وهي ما خرج عنه، لكن حجر لاجله، سواء أعلم وقفيتها مسجد أو جهل أمرها، عملا بالظاهر، وهو التحويط، لكن ما لم


[ 34 ]

يتيقن حدوثها بعده، وأنها غير مسجد لا حريمه، وهو موضع اتصل به وهيئ لمصلحته، كانصباب ماء، ووضع نعال – (صح الاقتداء) وإن زادت المسافة بينهما على ثلثمائة ذراع، أو اختلفت الابنية، بخلاف من ببناء فيه لا ينفذ بابه إليه: سمر، أو كان سطحا لا مرقى له منه، فلا تصح القدوة، إذ لا اجتماع حينئذ – كما لو وقف من وراء شباك بجدار المسجد ولا يصل إليه إلا بازورار أو انعطاف بأن ينحرف عن جهة القبلة لو أراد الدخول إلى


[ 35 ]

الامام. (ولو كان أحدهما فيه) أي المسجد (والآخر خارجه شرط) مع قرب المسافة بأن لا يزيد ما بينهما على ثلثمائة ذراع تقريبا (عدم حائل) بينهما يمنع مرورا أو رؤية، (أو وقوف واحد) من المأمومين (حذاء منفذ) في الحائل إن كان، كما إذا كانا ببناءين، كصحن وصفة من دار، أو كان أحدهما ببناء والآخر بفضاء، فيشترط أيضا هنا ما مر. فإن حال ما يمنع مرورا كشباك، أو رؤية كباب مردود وإن لم تغلق ضبته، لمنعه المشاهدة، وإن لم يمنع الاستطراق. ومثله الستر المرخى. أو لم يقف أحد حذاء منفذ، لم يصح الاقتداء فيهما. وإذا وقف واحد


[ 36 ]

من المأمومين حذاء المنفذ حتى يرى الامام أو بعض من معه في بنائه، فحينئذ تصح صلاة من بالمكان الآخر، تبعا لهذا المشاهد، فهو في حقهم كالامام، حتى لا يجوز عليه في الموقف والاحرام، ولا بأس بالتقدم عليه في الافعال، ولا يضرهم بطلان صلاته بعد إحرامهم على الاوجه، كرد الريح الباب أثناءها، لانه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. (فرع) لو وقف أحدهما في علو والآخر في سفل، اشترط عدم الحيلولة، لا محاذاة قدم الاعلى رأس


[ 37 ]

الاسفل، وإن كانا في غير مسجد. على ما دل عليه كلام الروضة وأصلها والمجموع – خلافا لجمع متأخيرين. ويكره ارتفاع أحدهما على الآخر بلا حاجة، ولو في المسجد. (و) منها (موافقة في سنن تفحش مخالفة فيها) فعلا أو تركا، فتبطل صلاة من وقعت بينه وبين الامام مخالفة في سنة، كسجدة تلاوة فعلها الامام وتركها المأموم عامدا عالما بالتحريم، وتشهد أول فعله الامام وتركه المأموم، أو تركه الامام، وفعله المأموم عامدا عالما، وإن لحقه على القرب، حيث لم يجلس الامام للاستراحة لعدوله عن فرض المتابعة إلى سنة. أما إذا لم تفحش المخالفة فيها فلا يضر الاتيان بالسنة، كقنوت أدرك – مع


[ 38 ]

الاتيان به – الامام في سجدته الاولى. وفارق التشهد الاول بأنه فيه أحدث قعودا لم يفعله الامام، وهذا إنما طول ما كان فيه الامام، فلا فحش، وكذا لا يضر الاتيان بالتشهد الاول إن جلس إمامه للاستراحة، لان الضار إنما هو إحداث جلوس لم يفعله الامام، وإلا لم يجز، وأبطل صلاة العالم العامد، ما لم ينو مفارقته، وهو فراق بعذر، فيكون أولى. وإذا لم يفرغ المأموم منه مع فراغ الامام جاز له التخلف لاتمامه، بل ندب إن علم أنه يدرك الفاتحة بكمالها قبل ركوع الامام، لا التخلف لاتمام سورة، بل يكره، إذا لم يلحق الامام في الركوع. (و) منها (عدم تخلف عن إمام بركنين فعليين) متواليين تامين (بلا عذر مع تعمد وعلم) بالتحريم، وإن لم يكونا طويلين. فإن تخلف بهما بطلت صلاته لفحش المخالفة، كأن ركع الامام، واعتدل وهوي للسجود – أي


[ 39 ]

زال من حد القيام – والمأموم قائم. وخرج بالفعليين القوليان، والقولي والفعلي (و) عدم تخلف عنه معهما (بأكثر من ثلاثة أركان طويلة)، فلا يحسب منها الاعتدال والجلوس بين السجدتين (بعذر أوجبه) أي اقتضى


[ 40 ]

وجوب ذلك التخلف، (كإسراع إمام قراءة) والمأموم بطئ القراءة لعجز خلقي، لا لوسوسة أو الحركات. (وانتظام مأموم سكتته) أي سكتة الامام ليقرأ فيها الفاتحة، فركع عقبها، وسهوه عنها حتى ركع الامام. وشكه فيها قبل ركوعه. أما التخلف لوسوسة، بأن كان يردد الكلمات من غير موجب فليس بعذر. قال شيخنا: ينبغي في ذي وسوسة صارت كالخلقية – بحيث يقطع كل من رآه أنه لا يمكنه تركها – أن يأتي فيه ما في بطئ الحركة،


[ 41 ]

فيلزم المأموم في الصور المذكورة إتمام الفاتحة، ما لم يتخلف بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، وإن تخلف مع عذر بأكثر من الثلاثة بأن لا يفرغ من الفاتحة إلا والامام قائم عن السجود أو جالس للتشهد (فليوافق) إمامه، وجوبا (في) الركن (الرابع) وهو القيام، أو الجلوس للتشهد، ويترك ترتيب نفسه، (ثم يتدارك) بعد سلام الامام ما بقي عليه، فإن لم يوافقه في الرابع، مع علمه بوجوب المتابعة ولم ينو المفارقة بطلت صلاته، إن علم وتعمد. وإن


[ 42 ]

ركع المأموم مع الامام فشك هل قرأ الفاتحة، أو تذكر أنه لم يقرأها ؟ لم يجز له العود إلى القيام، وتدارك بعد سلام الامام ركعة. فإن عاد عالما عامدا بطلت صلاته، وإلا فلا. فلو تيقن القراءة وشك في إكمالها فإنه لا يؤثر. (ولو اشتغل مسبوق) وهو من لم يدرك من قيام الامام، قدرا يسع الفاتحة بالنسبة إلى القراءة المعتدلة وهو ضد الموافق. ولو شك هل أدرك زمنا يسعها ؟ تخلف لا تمامها، ولا يدرك الركعة ما لم يدركه في الركوع (بسنة) كتعوذ، وافتتاح، أو لم يشتغل بشئ، بأن سكت زمنا بعد تحرمه وقبل قراءته، وهو عالم بأن واجبه الفاتحة. أو


[ 43 ]

استمع قراءة الامام (قرأ) – وجوبا – من الفاتحة بعد ركوع الامام، سواء أعلم أنه يدرك الامام قبل رفعه من سجوده أم لا – على الاوجه. (قدرها) حروفا في ظنه، أو قدر زمن من سكوته لتقصيره بعدوله عن فرض إلى غيره. (وعذر) من تخلف لسنة، كبطء القراءة – على ما قاله الشيخان، كالبغوي – لوجوب التخلف، فيتخلف ويدرك الركعة، ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان، خلافا لما اعتمده جمع محققون من كونه غير معذور لتقصيره


[ 44 ]

بالعدول المذكور. وجزم به شيخنا في شرح المنهاج وفتاويه، ثم قال: من عبر بعذره فعبارته مؤولة. وعليه: إن لم يدرك الامام في الركوع فاتته الركعة، ولا يركع، لانه لا يحسب له، بل يتابعه في هويه للسجود، إلا بطلت صلاته، إن علم وتعمد. ثم قال: والذي يتجه أنه يتخلف لقراءة ما لزمه حتى يريد الامام الهوي للسجود، فإن


[ 45 ]

كمل وافقه فيه، ولا يركع، وإلا بطلت صلاته إن علم وتعمد، وإلا فارقه بالنية. قال شيخنا في شرح الارشاد: والاقرب للمنقول الاول، وعليه أكثر المتأخرين. أما إذا ركع بدون قراءة قدرها فتبطل صلاته. وفي شرح المنهاج – له – عن معظم الاصحاب: أنه يركع ويسقط عنه بقية الفاتحة. واختير، بل رجحه جمع متأخرون، وأطالوا في الاستدلال له، وأن كلام الشيخين يقتضيه. أما إذا جهل أن واجبه ذلك فهو تخلفه لما لزمه متخلف بعذر. قاله القاضي. وخرج بالمسبوق الموافق، فإنه إذا لم يتم الفاتحة لاشتغاله بسنة، كدعاء افتتاح، وإن لم يظن إدراك الفاتحة معه، يكون كبطئ القراءة فيما مر، بلا نزاع. (وسبقه) أي المأموم، (على إمام) عامدا عالما


[ 46 ]

(ب‍) – تمام (ركنين فعليين) وإن لم يكونا طويلين (مبطل) للصلاة، لفحش المخالفة. وصورة التقدم بهما: أن يركع ويعتدل ثم يهوي للسجود مثلا والامام قائم، أو كأن يركع قبل الامام، فلما أراد الامام أن يركع رفع، فلما أراد الامام أن يركع سجد، فلم يجتمع معه في الركوع ولا في الاعتدال. ولو سبق بهما سهوا أو جهلا لم يضر، لكن لا يعتد له بهما. فإذا لم يعد للاتيان بهما مع الامام سهوا أو جهلا أتى بعد سلام إمامه بركعة، وإلا أعاد


[ 47 ]

الصلاة. (و) سبقه عليه عامدا عالما (ب‍) – تمام (ركن فعلي) كأن ركع ورفع والامام قائم (حرام) بخلاف التخلف به فإنه مكروه كما يأتي، ومن تقدم بركن سن له العود ليوافقه إن تعمد، وإلا تخير بين العود والدوام. (ومقارنته) أي مقارنة المأموم الامام (في أفعال)، وكذا أقوال غير تحرم (مكروهة: كتخلف عنه) أي الامام (إلى فراغ ركن) وتقدم عليه بابتدائه، وعند تعمد أحد هذه الثلاثة تفوته فضيلة الجماعة. فهي جماعة صحيحة، لكن لا ثواب


[ 48 ]

عليها، فيسقط إثم تركها أو كراهته. فقول جمع انتفاء الفضيلة، يلزمه الخروج عن المتابعة حتى يصير كالمنفرد ولا تصح له الجمعة، وهم، كما بينه الزركشي وغيره. ويجري ذلك في كل مكروه من حيث الجماعة بأن لم يتصور وجوده في غيرها. فالسنة للمأموم أن يتأخر ابتداء فعله عن ابتداء فعل الامام، ويتقدم على فراغه منه، والاكمل من هذا أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن جميع حركة الامام، ولا يشرع حتى يصل الامام لحقيقة المنتقل إليه، فلا يهوي للركوع والسجود حتى يستوي الامام راكعا، أو تصل جبهته إلى المسجد. ولو قارنه بالتحرم أو تبين تأخر تحرم الامام لم تنعقد صلاته ولا بأس بإعادته التكبير سرا بنية ثانية إن لم يشعروا، ولا بالمقارنة في السلام، وإن سبقه بالفاتحة أو التشهد، بأن فرغ من أحدهما قبل شروع الامام فيه لم يضر. وقيل:


[ 49 ]

تجب الاعادة مع فعل الامام أو بعده، وهو أولى. فعليه إن لم يعده بطلت. ويسن مراعاة هذا الخلاف كما يسن تأخير جميع فاتحته عن فاتحة الامام، ولو في أوليي السرية إن ظن أنه يقرأ السورة. ولو علم أن إمامه يقتصر على الفاتحة لزمه أن يقرأها مع قراءة الامام. (ولا يصح قدوة بمن اعتقد بطلان صلاته) بإن ارتكب مبطلا في اعتقاد المأموم، كشافعي اقتدى بحنفي مس فرجه، دون ما إذا افتصد نظرا لاعتقاد المقتدي، لان الامام محدث


[ 50 ]

عنده بالمس دون الفصد، فيتعذر ربط صلاته بصلاة الامام، لانه عنده ليس في صلاة. ولو شك شافعي في إتيان المخالف بالواجبات عند المأموم لم يؤثر في صحة الاقتداء به، تحسينا للظن به في توقي الخلاف، فلا يضر عدم اعتقاده الوجوب. (فرع) لو قام إمامه لزيادة، كخامسة، ولو سهوا، لم يجز له متابعته، ولو مسبوقا أو شاكا في ركعة، بل يفارقه، ويسلم، أو ينتظره – على المعتمد -. (ولا) قدوة (بمقتد) ولو احتمالا، وإن بان إماما. وخرج بمقتد من


[ 51 ]

انقطعت قدوته، كأن سلم الامام فقام مسبوق فاقتدى به آخر صحت، أو قام مسبوقون فاقتدى بعضهم ببعض صحت أيضا – على المعتمد – لكن مع الكراهة. (ولا) قدوة (قارئ بأمي) وهو من يخل بالفاتحة أو بعضها، ولو بحرف منها، بأن يعجز عنه بالكلية، أو عن إخراجه عن مخرجه، أو عن أصل تشديدة، وإن لم يمكنه التعلم ولا


[ 52 ]

علم بحاله، لانه لا يصلح لتحمل القراءة عنه لو أدركه راكعا. ويصح الاقتداء بمن يجوز كونه أميا إلا إذا لم يجهر في جهرية فيلزمه مفارقته، فإن استمر جاهلا حتى سلم لزمته الاعادة، ما لم يتبين أنه قارئ. ومحل عدم صحة الاقتداء بالامي: إن لم يستو الامام والمأموم في الحرف المعجوز عنه، بأن أحسنه المأموم فقط، أو أحسن كل منهما غير ما أحسنه الآخر. ومنه أرت يدغم في غير محله بإبدال، وألثغ يبدل حرفا بآخر. فإن أمكنه التعلم


[ 53 ]

ولم يتعلم لم تصح صلاته، وإلا صحت كاقتدائه بمثله، وكره اقتداء بنحو تأتاء، وفأفاء، ولاحن بما لا يغير معنى، كضم هاء لله وفتح دال نعبد، فإن لحن لحنا يغير المعنى في الفاتحة ك‍ أنعمت بكسر أو ضم، أبطل صلاة من أمكنه التعلم ولم يتعلم، لانه ليس بقرآن. نعم، إن ضاق الوقت صلى لحرمته، وأعاد لتقصيره. قال شيخنا: ويظهر أنه لا يأتي بتلك الكلمة، لانه غير قرآن قطعا، فلم تتوقف صحة الصلاة حينئذ عليها، بل تعمدها – ولو من مثل هذا – مبطل. انتهى. أو في غيرها: صحت صلاته، والقدوة به، إلا إذا قدر وعلم وتعمد، لانه حينئذ كلام أجنبي. وحيث


[ 54 ]

بطلت صلاته هنا يبطل الاقتداء به. لكن للعالم بحاله – كما قاله الماوردي – واختار السبكي ما اقتضاه قول الامام ليس لهذا قراءة غير الفاتحة، لانه يتكلم بما ليس بقرآن، بلا ضرورة من البطلان مطلقا. (ولو اقتدى بمن ظنه أهلا) للامامة (فبان خلافه) كأن ظنه قارئا، أو غير مأموم، أو رجلا، أو عاقلا فبان أميا، أو مأموما، أو امرأة، أو مجنونا، أعاد الصلاة وجوبا لتقصيره بترك البحث في ذلك (لا) إن اقتدى بمن ظنه متطهرا فبان (ذا حدث) ولو


[ 55 ]

حدثا أكبر، (أو) ذا (خبث) خفي، ولو في جمعة إن زاد على الاربعين: فلا تجب الاعادة، وإن كان الامام عالما لانتفاء تقصير المأموم، إذ لا أمارة عليهما، ومن ثم حصل له فضل الجماعة. أما إذا بان ذا خبث ظاهر فيلزمه الاعادة على غير الاعمى لتقصيره، وهو ما بظاهر الثوب، وإن حال بين الامام والمأموم حائل. والاوجه في ضبطه أن يكون بحيث لو تأمله المأموم رآه، والخفي بخلافه. وصحح النووي في التحقيق عدم وجوب الاعادة مطلقا. (وصح اقتداء سليم بسلس) للبول أو المذي أو الضراط، وقائم بقاعد، ومتوضئ بمتيمم لا تلزمه


[ 56 ]

إعادة. (وكره) اقتداء (بفاسق ومبتدع) كرافضي، وإن لم يوجد أحد سواهما – ما لم يخش فتنة – وقيل: لا يصح الاقتداء بهما. وكره أيضا اقتداء بموسوس وأقلف، لا بولد الزنا، لكنه خلاف الاولى. واختار السبكي ومن تبعه


[ 57 ]

انتقاء الكراهة إذا تعذرت الجماعة إلا خلف من تكره خلفه، بل هي أفضل من الانفراد. وجزم شيخنا بأنها لا تزول حينئذ، بل الانفراد أفضل منها. وقال بعض أصحابنا: والاوجه عندي ما قاله السبكي – رحمه الله تعالى -. (تتمة) وعذر الجماعة كالجمعة، مطر يبل ثوبه للخبر الصحيح: أنه (ص) أمر بالصلاة في الرحال يوم مطر يبل أسفل النعال بخلاف ما لا يبله. نعم، قطر الماء من سقوف الطريق عذر، وإن لم يبله، لغلبة نجاسته أو استقذاره. ووحل لم يأمن معه التلوث بالمشي فيه أو الزلق، وحر شديد، وإن وجد ظلا يمشي فيه، وبرد شديد،


[ 58 ]

وظلمة شديدة بالليل، ومشقة مرض وإن لم تبح الجلوس في الفرض، لا صداع يسير ومدافعة حدث من بول أو غائط أو ريح، فتكره الصلاة معها. وإن خاف فوت الجماعة لو فرغ نفسه – كما صرح به جمع – وحدوثها في الفرض لا يجوز قطعه، ومحل ما ذكر في هذه: إن اتسع الوقت، بحيث لو فرغ نفسه أدرك الصلاة كاملة، وإلا


[ 59 ]

حرم التأخير لذلك. وفقد لباس لائق به وإن وجد ساتر العورة، وسير رفقة، لمريد سفر مباح وإن أمن، لمشقة استيحاشه وخوف ظالم على معصوم من عرض أو نفس أو مال، وخوف من حبس غريم معسر، وحضور مريض وإن لم يكن نحو قريب بلا متعهد له، أو كان نحو قريب محتضرا، أو لم يكن محتضرا، لكن يأنس به،


[ 60 ]

وغلبة نعاس عند انتظاره للجماعة، وشدة جوع، وعطش، وعمى حيث لم يجد قائدا بأجرة المثل. وإن أحسن المشي بالعصا.


[ 61 ]

(تنبيه) إن هذه الاعذار تمنع كراهة تركها حيث سنت، وإثمه حيث وجبت، ولا تحصل فضيلة الجماعة – كما قال النووي في المجموع، واختار غيره ما عليه جمع متقدمون – من حصولها إن قصدها لولا العذر قال في المجموع: يستحب – لمن ترك الجمعة بلا عذر – أن يتصدق بدينار، أو نصفه، لخبر أبي داود وغيره.


[ 62 ]

فصل (في صلاة الجمعة) هي فرض عين عند اجتماع شرائطها. وفرضت بمكة، ولم تقم بها لفقد العدد، أو لان شعارها الاظهار، وكان (ص) مستخفيا فيها. وأول من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة، بقرية على ميل من المدينة.


[ 63 ]

وصلاتها أفضل الصلوات. وسميت بذلك: لاجتماع الناس لها، أو لان آدم اجتمع فيها مع حواء من مزدلفة، فلذلك سميت جمعا. (تجب جمعة على) كل (مكلف) أي بالغ عاقل، (ذكر، حر)، فلا تلزم على أنثى، وخنثى، ومن به رق – إن كوتب – لنقصه، (متوطن) بمحل الجمعة لا يسافر من محل إقامتها – صيفا ولا شتاء –


[ 64 ]

إلا لحاجة، كتجارة، وزيارة، (غير معذور) بنحو مرض، من الاعذار التي مرت في الجماعة، فلا تلزم على مريض إن لم يحضر بعد الزوال محل إقامتها، وتنعقد بمعذور، (و) تجب (على مقيم) بمحل إقامتها غير متوطن، كمن أقام بمحل جمعة أربعة أيام فأكثر، وهو على عزم العود إلى وطنه، ولو بعد مدة طويلة. وعلى مقيم متوطن بمحل يسمع منه النداء ولا يبلغ أهله أربعين، فتلزمهما الجمعة (و) لكن (لا تنعقد) الجمعة (به)


[ 65 ]

أي بمقيم غير متوطن، ولا بمتوطن خارج بلد إقامتها، وإن وجبت عليه بسماعه النداء منها. (ولا بمن به رق وصبا)، بل تصح منهم، لكن ينبغي تأخر إحرامهم عن إحرام أربعين ممن تنعقد به الجمعة – على ما اشترطه جمع محققون، وإن خالف فيه كثيرون. (وشرط) لصحة الجمعة – مع شروط غيرها – ستة: احدها: (وقوعها جماعة) بنية إمامة واقتداء، مقترنة


[ 66 ]

بتحرم (في الركعة الاولى)، فلا تصح الجمعة بالعدد فرادى، ولا تشترط الجماعة في الركعة الثانية. فلو صلى الامام بالاربعين ركعة ثم أحدث فأتم كل منهم ركعة واحدة، أو لم يحدث بل فارقوه في الثانية، وأتموا منفردين، أجزأتهم الجمعة. نعم، يشترط بقاء العدد إلى سلام الجميع، حتى لو أحدث واحد من الاربعين قبل سلامه، ولو بعد سلام من عداه منهم، بطلت جمعة الكل. ولو أدرك المسبوق ركوع الثانية واستمر معه إلى أن سلم، أتى بركعة بعد سلامه جهرا وتمت جمعته إن صحت جمعة الامام وكذا من اقتدى به وأدرك ركعة معه – كما قاله


[ 67 ]

شيخنا -. وتجب على من جاء بعد ركوع. الثانية: نية الجمعة – على الاصح – وإن كانت الظهر هي اللازمة له -. وقيل: تجوز نية الظهر. وأفتى به البلقيني وأطال الكلام فيه. (و) ثانيها: وقوعها (بأربعين) ممن تنعقد بهم الجمعة، ولو مرضى، ومنهم الامام. ولو كانوا أربعين فقط


[ 68 ]

وفيهم أمي واحد أو أكثر قصر في التعلم، لم تصح جمعتهم، لبطلان صلاته فينقصون. أما إذا لم يقصر الامي في التعلم فتصح الجمعة به – كما جزم به شيخنا في شرحي العباب والارشاد، تبعا لما جزم به شيخه في شرح الروض – ثم قال في شرح المنهاج: لا فرق هنا بين أن يقصر الامي في التعلم، وأن لا يقصر. والفرق بينهما غير قوي. انتهى. ولو نقصوا فيها بطلت، أو في خطبة لم يحسب ركن فعل حال نقصهم، لعدم سماعهم له. فإن


[ 69 ]

عادوا قريبا عرفا جاز البناء على ما مضى، وإلا وجب الاستئناف، كنقصهم بين الخطبة والصلاة، لانتفاء الموالاة فيهما. (فرع) من له مسكنان ببلدين، فالعبر بما كثرت فيه إقامته، فيما فيه أهله وماله. وإن كان بواحد أهل وبآخر مال، فبما فيه أهله، فإن استويا في الكل، فبالمحل الذي هو فيه حالة إقامة الجمعة. ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين، خلافا لابي حنيفة – رحمه الله تعالى – فتنعقد عنده بأربعة، ولو عبيدا أو مسافرين. ولا يشترط عندنا إذن السلطان لاقامتها ولا كون محلها مصرا، خلافا له فيهما. وسئل البلقيني عن أهل قرية لا يبلغ عددهم


[ 70 ]

أربعين، هل يصلون الجمعة أو الظهر ؟ فأجاب – رحمه الله -: يصلون الظهر على مذهب الشافعي. وقد أجاز جمع من العلماء أن يصلوا الجمعة، وهو قوي، فإذا قلدوا – أي جميعهم – من قال هذه المقالة، فإنهم يصلون الجمعة. وإن احتاطوا فصلوا الجمعة ثم الظهر كان حسنا. (و) ثالثها: وقوعها (بمحل معدود من البلد) ولو بفضاء الظهر كان حسنا معدود منها، بأن كان في محل لا تقصر فيه


[ 71 ]

الصلاة، وإن لم يتصل بالابنية، بخلاف محل غير معدود منها، وهو ما يجوز السفر القصر منه. (فرع) لو كان في قرية أربعون كاملون لزمتهم الجمعة، بل يحرم عليهم – على المعتمد – تعطيل محلهم من إقامتها، والذهاب إليها في بلد أخرى، وإن سمعوا النداء. قال ابن الرفعة وغيره: إنهم إذا سمعوا النداء من مصر، فهم مخيرون بين أن يحضروا البلد للجمعة، وبين أن يقيموها في قريتهم، وإذا حضروا البلد لا يكمل بهم العدد لانهم في حكم المسافرين، وإذا لم يكن في القرية جمع تنعقد بهم الجمعة – ولو بامتناع بعضهم


[ 72 ]

منها – يلزمهم السعي إلى بلد يسمعون من جانبه النداء. قال ابن عجيل: ولو تعددت مواضع متقاربة وتميز كل باسم، فلكل حكمه. قال شيخنا: إنما يتجه ذلك إن عد كل مع ذلك قرية مستقلة عرفا. (فرع) لو أكره السلطان أهل قرية إن ينتقلوا منها ويبنوا في موضع آخر، فسكنوا فيه وقصدهم العود إلى البلد الاول إذا فرج الله عنهم، لا تلزمهم الجمعة، بل لا تصح منهم، لعدم الاستيطان.


[ 73 ]

(و) رابعها: وقوعها (في وقت ظهر) فلو ضاق الوقت عنها وعن خطبتيها، أو شك في ذلك، صلوا ظهرا، ولو خرج الوقت يقينا، أو ظنا، وهم فيها، ولو قبيل السلام، وإن كان ذلك بإخبار عدل، على الاوجه، وجب الظهر، بناء على ما مضى، وفاتت الجمعة، بخلاف ما لو شك في خروجه، لان الاصل بقاؤء. ومن شروطهما أن لا يسبقها بتحرم، ولا يقارنها فيه جمعة بمحلها، إلا أن كثر أهله، وعسر اجتماعهم بمكان واحد منه – ولو غير


[ 74 ]

مسجد – من غير لحوق مؤذ فيه، كحر وبرد شديدين، فيجوز حينئذ تعددها للحاجة بحسبها.


[ 75 ]

(فرع) لا يصح ظهر من لا عذر له قبل سلام الامام، فإن صلاها جاهلا انعقدت نفلا، ولو تركها أهل بلد فصلوا الظهر لم يصح، ما لم يضق الوقت عن أقل واجب الخطبتين والصلاة، وإن علم من عادتهم أنهم لا يقيمون الجمعة. (و) خامسها: (وقوعها) أي الجمعة، (بعد خطبتين) بعد زوال، لما في الصحيحين: أنه (ص) لم يصل


[ 76 ]

الجمعة إلا بخطبتين (بأركانهما) أي يشترط وقوع صلاة الجمعة بعد خطبتين مع إتيان أركانهما الآتية، (وهي) خمسة. أحدها: (حمد الله تعالى).


[ 77 ]

(و) ثانيها: (صلاة على النبي) (ص) (بلفظهما): أي حمد الله والصلاة على رسول الله (ص)، كالحمد لله، أو أحمد الله، فلا يكفي: الشكر لله، أو الثناء لله، ولا: الحمد للرحمن، أو للرحيم، وكاللهم صل، أو صلى الله، أو أصلي على محمد، أو أحمد، أو الرسول، أو النبي أو الحاشر أو نحوه فلا يكفي: اللهم سلم على محمد وارحم محمدا، ولا صلى الله عليه، بالضمير. وإن تقدم له ذكر يرجع إليه الضمير، كما صرح به جمع محققون. وقال الكمال الدميري: وكثيرا ما يسهو الخطباء في ذلك. انتهى. فلا تغتر بما تجده مسطورا في بعض الخطب النباتية على خلاف ما عليه محققو المتأخرين. (و) ثالثها: (وصية بتقوى الله) ولا يتعين لفظها ولا تطويلها، بل يكفي نحو أطيعوا الله – مما فيه حث على


[ 78 ]

طاعة الله، أو زجر عن معصية، لانها المقصود من الخطبة، فلا يكفي مجرد التحذير من غرور الدنيا، وذكر الموت وما فيه من الفظاعة والالم. قال ابن الرفعة: يكفي فيها ما اشتملت على الامر بالاستعداد للموت. ويشترط أن يأتي بكل من الاركان الثلاثة (فيهما)، أي في كل واحدة من الخطبتين. ويندب أن يرتب الخطيب الاركان الثلاثة، وما بعدها، بأن يأتي أولا بالحمد، فالصلاة، فالوصية، فبالقراءة، فبالدعاء. (و) رابعها: (قراءة آية) مفهمة (في إحداهما)، وفي الاولى أولى. وتسن – بعد فراغها – قراءة ق أو بعضها في كل جمعة، للاتباع.


[ 79 ]

(و) خامسها: (دعاء) أخروي للمؤمنين إن لم يتعرض للمؤمنات، خلافا للاذرعي، (ولو) بقوله: (رحمكم الله)، وكذا بنحو: اللهم أجرنا من النار – إن قصد تخصيص الحاضرين (في) خطبة (ثانة) لاتباع السلف والخلف. والدعاء للسلطان بخصوصه لا يسن اتفاقا، إلا مع خشية فتنة، فيجب، ومع عدمها لا بأس


[ 80 ]

به، حيث لا مجازفة في وصفه، ولا يجوز وصفه بصفة كاذبة إلا لضرورة. ويسن الدعاء لولاة الصحابة قطعا، وكذا لولاة المسلمين وجيوشهم، بالصلاح، والنصر، والقيام بالعدل. وذكر المناقب لا يقطع الولاة، ما لم يعد به معرضا عن الخطبة. وفي التوسط يشترط أن لا يطيله إطالة تقطع الموالاة، كما يفعله كثير من الخطباء الجهال. قال شيخنا: ولو شك في ترك فرض من الخطبة بعد فراغها لم يؤثر كما لا يؤثر الشك في ترك فرض


[ 81 ]

بعد الصلاة، أو الوضوء. (وشرط فيهما)، الخطبتين، (إسماع أربعين) أي تسعة وثلاثين سواه، ممن تنعقد بهم الجمعة (الاركان) لا جميع الخطبة. قال شيخنا: لا تجب الجمعة على أربعين بعضهم أصم، ولا تصح مع وجود لغط يمنع سماع ركن الخطبة على المعتمد فيهما، وإن خالف فيه جمع كثيرون، فلم يشترطوا إلا الحضور فقط. وعليه يدل كلام الشيخين في بعض المواضع، ولا يشترط كونهم بمحل الصلاة، ولا فهمهم لما


[ 82 ]

يسمعونه. (و) شرط فيهما (عربية) لاتباع السلف والخلف. وفائدتها بالعربية – مع عدم معرفتهم لها – العلم بالوعظ في الجملة. قاله القاضي. وإن لم يمكن تعلمها بالعربية قبل ضيق الوقت خطب منهم واحد بلسانهم، وإن أمكن تعلمها وجب كل على الكفاية، (وقيام قادر عليه، وطهر) من حدث أكبر وأصغر، وعن نجس غير معفو عنه، في ثوبه، وبدنه، ومكانه. (وستر) للعورة. (و) شرط (جلوس بينهما) بطمأنينة فيه، وسن أن يكون


[ 83 ]

بقدر سورة الاخلاص، وأن يقرأها فيه. ومن خطب قاعدا لعذر فصل بينهما بسكتة وجوبا. وفي الجواهر: لو لم يجلس حسبتا واحدة، فيجلس ويأتي بثالثة. (وولاء) بينهما وبين أركانهما، وبينهما وبين الصلاة، بأن لا يفصل طويلا عرفا. وسيأتي أن اختلال الموالاة بين المجموعتين بفعل ركعتين، بل بأقل مجزئ، فلا يبعد الضبط


[ 84 ]

بهذا هنا، ويكون بيانا للعرف. (وسن لمريدها) أي الجمعة، وإن لم تلزمه، (غسل) بتعميم البدن والرأس بالماء، فإن عجز، سن تيمم بنية الغسل، (بعد) طلوع (فجر). وينبغي لصائم خشي منه مفطرا تركه، وكذا


[ 85 ]

سائر الاغسال المسنونة، وقربه من ذهابه إليها أفضل. ولو تعارض الغسل والتبكير، فمراعاة الغسل أولى، للخلاف في وجوبه، ومن ثم كره تركه. ومن الاغسال المسنونة: غسل العيدين، والكسوفين، والاستسقاء، وأغسال الحج، وغسل غاسل الميت، والغسل للاعتكاف، ولكل ليلة من رمضان، ولحجامة، ولتغير الجسد،


[ 86 ]

وغسل الكافر إذا أسلم – للامر به – ولم يجب، لان كثيرين أسلموا ولم يؤمروا به. وهذا إذا لم يعرض له في الكفر ما يوجب الغسل – من جنابة أو نحوها – وإلا وجب الغسل. وإن اغتسل في الكفر، لبطلان نيته. وآكدها غسل الجمعة ثم من غسل الميت. (تنبيه) قال شيخنا: يسن قضاء غسل الجمعة – كسائر الاغسال المسنونة – وإنما طلب قضاؤه لانه إذا علم


[ 87 ]

أنه يقضى داوم على أدائه، واجتنب تفويته. (وبكور) – لغير خطيب – إلى المصلى من طلوع الفجر، لما في الخبر الصحيح: إن للجائي بعد اغتساله غسل الجنابة – أي كغسلها، وقيل حقيقة بأن يكون جامع، لانه يسن


[ 88 ]

ليلة الجمعة أو يومها – في الساعة الاولى بدنة، وفي الثانية: بقرة، وفي الثالثة: كبشا أقرن، والرابعة: دجاجة، والخامسة: عصفورا، والسادسة: بيضة. والمراد أن ما بين الفجر وخروج الخطيب ينقسم ستة أجزاء متساوية، سواء أطال اليوم، أم قصر. أما الامام فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة، للاتباع. ويسن الذهاب إلى


[ 89 ]

المصلى في طريق طويل، ماشيا بسكينة، والرجوع في طريق آخر قصير، وكذا في كل عبادة. ويكره عدو إليها، كسائر العبادات، إلا لضيق وقت، فيجب، إذا لم يدركها إلا به. (وتزين بأحسن ثيابه) وأفضلها الابيض، ويلي


[ 90 ]

الابيض ما صبغ قبل نسجه. قال شيخنا: ويكره ما صبغ بعده، ولو بغير الحمرة. اه‍. ويحرم التزين بالحرير،


[ 91 ]

ولو قزا، وهو نوع منه كمد اللون، وما أكثره وزنا – من الحرير، لا ما أقله منه، ولا ما استوى فيه الامران. ولو شك في الاكثر، فالاصل الحل، على الاوجه. (فرع) يحل الحرير لقتال، إن لم يجد غيره، أو لم يقم مقامه في دفع السلاح. وصحح في الكفاية قول جمع: يجوز القباء وغيره مما يصلح للقتال وإن وجد غيره، إرهابا للكفار، كتحلية السيف بفضة. ولحاجة كجرب إن آذاه غيره، أو كان فيه نفع لا يوجد في غيره، وقمل لم يندفع بغيره، ولامرأة ولو بافتراش، لا له، بلا


[ 92 ]

حائل. ويحل منه – حتى للرجل – خيط السبحة، وزر الجيب، وكيس المصحف والدراهم، وغطاء العمامة، وعلم الرمح، لا الشرابة التي برأس السبحة. ويجب لرجل لبسه حيث لم يجد ساتر العورة غيره، حتى في


[ 93 ]

الخلوة. ويجوز لبس الثوب المصبوغ بأي لون كان، إلا المزعفر. ولبس الثوب المتنجس في غير نحو الصلاة، حيث لا رطوبة، لا جلد ميتة، بلا ضرورة، كافتراش جلد سبع كأسد، وله إطعام ميتة لنحو طير، لا كافر،


[ 94 ]

ومتنجس لدابة، ويحل مع الكراهة، استعمال العاج في الرأس واللحية حيث لا رطوبة، وإسراج بمتنجس بغير مغلظ إلا في مسجد، وإن قل دخانه – خلافا لجمع -. وتسميد أرض بنجس، لا اقتناء كلب – إلا لصيد أو حفظ


[ 95 ]

مال – ويكره – ولو لامرأة – تزيين غير الكعبة، كمشهد صالح بغير حرير، ويحرم به. (وتعمم) لخبر: إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة، ويسن لسائر الصلوات. وورد في حديث ضعيف ما يدل على أفضلية كبرها. وينبغي ضبط طولها وعرضها بما يليق بلابسها عادة، في زمانه، فإن زاد فيها على ذلك كره، وتنخرم مروأة فقيه بلبس عمامة سوقي لا تليق به، وعكسه. قال الحفاظ: لم يتحرر شئ في طول عمامته (ص)


[ 96 ]

وعرضها. قال الشيخان: من تعمم فله فعل العذبة، وتركها، ولا كراهة في واحد منهما. زاد النووي: لانه لم يصح في النهي عن ترك العذبة شئ. انتهى. لكن قد ورد في العذبة أحاديث صحيحة وحسنة، وقد صرحوا بأن أصلها سنة. قال شيخنا: وإرسالها بين الكتفين أفضل منه على الايمن. ولا أصل في اختيار إرسالها على الايسر. وأقل ما ورد في طولها أربعة أصابع، وأكثره ذراع. قال ابن الحاج المالكي: عليك أن تتعمم قائما، وتتسرول قاعدا. قال في المجموع: ويكره أن يمشي في نعل واحدة، ولبسها قائما، وتعليق جرس فيها.


[ 97 ]

ولمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله تعالى فيه. (وتطيب) لغير صائم – على الاوجه – لما في الخبر الصحيح: أن الجمع بين الغسل، ولبس الاحسن، والتطيب، والانصات، وترك التخطي، يكفر ما بين الجمعتين. والتطيب بالمسك أفضل، ولا تسن الصلاة عليه (ص) عند شمه، بل حسن الاستغفار عنده – كما قال شيخنا -، وندب تزين بإزالة ظفر من يديه، ورجليه، لا إحداهما، فيكره. وشعر نحو إبطه وعانته لغير مريد التضحية في عشر ذي الحجة، وذلك للاتباع. وبقص شاربه حتى تبدو حمرة الشفة وإزالة ريح كريه، ووسخ.


[ 98 ]

والمعتمد في كيفية تقليم اليدين: أن يبتدئ بمسبحة يمينه إلى خنصرها، ثم إبهامها، ثم خنصر يسارها إلى إبهامها على التوالي، والرجلين: أن يبتدئ بخنصر اليمنى إلى خنصر اليسرى على التوالي، وينبغي البدار بغسل محل القلم، ويسن فعل ذلك يوم الخميس أو بكرة الجمعة. وكره المحب الطبري نتف شعر الانف، قال: بل يقصه، لحديث فيه. قال الشافعي – رضي الله عنه -: من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد


[ 99 ]

عقله. (و) سن (إنصات) أي سكوت مع إصغاء (لخطبة)، ويسن ذلك، وإن لم يسمع الخطبة، نعم، الاولى – لغير السامع – أن يشتغل بالتلاوة والذكر سرا، ويكره الكلام، ولا يحرم، خلافا للائمة الثلاثة: حالة الخطبة،


[ 100 ]

لاقبلها، ولو بعد الجلوس على المنبر، ولا بعدها، ولا بين الخطبتين، ولا حال الدعاء للمملوك، ولا لداخل مسجد، إلا إن اتخذ له مكانا واستقر فيه. ويكره للداخل السلام، وإن لم يأخذ لنفسه مكانا، لاشتغال المسلم عليهم، فإن سلم لزمهم الرد، ويسن تشميت العاطس، والرد عليه، ورفع الصوت – من غير مبالغة – بالصلاة والسلام عليه (ص) عند ذكر الخطيب اسمه أو وصفه (ص). قال شيخنا: ولا يبعد ندب الترضي عن الصحابة، بلا


[ 101 ]

رفع صوت. وكذا التأمين لدعاء الخطيب. اه‍. وتكره تحريما – ولو لمن لم تلزمه الجمعة بعد جلوس الخطيب على المنبر: وإن لم يسمع الخطبة – صلاة فرض، ولو فائتة تذكرها الآن، وإن لزمته فورا، أو نفل، ولو في حال الدعاء للسلطان. والاوجه أنها لا تنعقد كالصلاة بالوقت المكروه، بل أولى. ويجب على من بصلاة تخفيفها، بأن يقتصر على أقل مجزئ عند جلوسه على المنبر. وكره لداخل تحية فوتت تكبيرة الاحرام إن


[ 102 ]

صلاها، إلا فلا تكره، بل تسن، لكن يلزمه تخفيفها بأن يقتصر على الواجبات – كما قاله شيخنا – وكره احتباء حالة الخطبة للنهي عنه، وكتب أوراق حالتها في آخر جمعة من رمضان، بل وإن كتب فيها نحو اسماء سريانية يجهل معنا حرم. (و) سن (قراءة) سورة (كهف) يوم الجمعة وليلتها، لاحاديث فيها. وقراءتها نهارا آكد،


[ 103 ]

وأولاه بعد الصبح، مسارعة للخير، وأن يكثر منها، ومن سائر القرآن فيهما. ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيره إن حصل به تأذ لمصل أو نائم – كما صرح النووي في كتبه – وقال شيخنا في شرح العباب: ينبغي حرمة الجهر بالقراءة في المسجد. وحمل كلام النووي بالكراهة: على ما إذا خف التأذي، وعلى كون القراءة في غير المسجد، وإكثار صلاة على النبي (ص) (يومها وليلتها) للاخبار الصحيحة الآمرة بذلك، فالاكثار منها أفضل من


[ 104 ]

إكثار ذكر لم يرد بخصوصه. قاله شيخنا. (ودعاء) في يومها، رجاء أن يصادف ساعة الاجابة، وأرجاها، من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة. وهي لحظة لطيفة. وصح أنها آخر ساعة بعد العصر، وفي ليلتها لما جاء عن


[ 105 ]

الشافعي – رضي الله عنه – أنه بلغه أن الدعاء يستجاب فيها، وأنه استحبه فيها. وسن إكثار فعل الخير فيهما – كالصدقة وغيرها – وأن يشتغل – في طريقه وحضوره محل الصلاة – بقراءة، أو ذكر، أفضله الصلاة على النبي (ص) قبل الخطبة، وكذا حالة الخطبة إن لم يسمعها – كما مر – للاخبار المرغبة في ذلك. وأن يقرأ عقب سلامه من الجمعة – قبل أن يثني رجليه، وفي رواية: قبل أن يتكلم – الفاتحة، والاخلاص، والمعوذتين، سبعا


[ 106 ]

سبعا، لما ورد أن من قرأها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الاجر بعدد من آمن بالله ورسوله.. (مهمة) يسن أن يقرأها، وآية الكرسي، و * (شهد الله) *، بعد كل مكتوبة وحين يأوي إلى فراشه، مع


[ 107 ]

أواخر البقرة، والكافرون، ويقرأ خواتيم الحشر وأول غافر – إلى إليه المصير و * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) * إلى آخرها، صباحا ومساء، مع أذكارهما، وأن يواظب كل يوم على قراءة آلم، السجدة، ويس، والدخان، والواقعة، وتبارك، والزلزلة، والتكاثر وعلى الاخلاص مائتي مرة، والفجر في عشر ذي الحجة، ويس، والرعد عند المحتضر. ووردت في كلها أحاديث غير موضوعة.


[ 108 ]

(وحرم تخط) رقاب الناس، للاحاديث الصحيحة فيه، والجزم بالحرمة ما نقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي، واختارها في الروضة، وعليها كثيرون. لكن قضية كلام الشيخين: الكراهة، وصرح بها في المجموع (لا لمن وجد فرجة قدامه) فله – بلا كراهة – تخطي صف واحد أو اثنين، ولا لامام لم يجد طريقا إلى المحراب إلا بتخطي، ولا لغيره إذا أذنوا له فيه لا حياء على الاوجه، ولا لمعظم ألف موضعا. ويكره


[ 109 ]

تخطي المجتمعين لغير الصلاة، ويحرم أن يقيم أحدا – بغير رضاه – ليجلس مكانه. ويكره إيثار غيره بمحله، إلا إن انتقل لمثله أو أقرب منه إلى الامام. وكذا الايثار بسائر القرب. وله تنحية سجادة غيره – بنحو رجله – والصلاة في محلها، ولا يرفعها – ولو بغير يده – لدخولها في ضمانه. (و) حرم على من تلزمه الجمعة (نحو مبايعة) كاشتغال بصنعة (بعد) شروع في (أذان خطبة)، فإن عقد صح العقد، ويكره قبل الاذان بعد


[ 110 ]

الزوال. (و) حرم على من تلزمه الجمعة – وإن لم تنعقد به – (سفر) تفوت به الجمعة، كأن ظن أنه لا يدركها في طريقه أو مقصده، ولو كان السفر طاعة مندوبا، أو واجبا، (بعد فجرها) أي فجر يوم الجمعة، إلا خشي


[ 111 ]

من عدم سفره ضررا، كانقطاعه عن الرفقة، فلا يحرم إن كان غير سفر معصية، ولو بعد الزوال، ويكره السفر ليلة الجمعة، لما روي بسند ضعيف: من سافر ليلتها دعا عليه ملكاه. أما المسافر لمعصية فلا تسقط عنه الجمعة مطلقا. قال شيخنا: وحيث حرم عليه السفر هنا لم يترخص ما لم تفت الجمعة، فيحسب ابتداء سفره من وقت فوتها. (تتمة) يجوز لمسافر سفرا طويلا قصر رباعية، مؤداة، وفائتة سفر قصر فيه، وجمع


[ 114 ]

العصرين والمغربين تقديما وتأخيرا، بفراق سور خاص ببلد سفر، وإن احتوى على خراب ومزارع. ولو جمع قريتين، فلا يشترط مجاوزته، بل لكل حكمه، فبنيان وإن تخلله خراب أو نهر أو ميدان. ولا يشترط


[ 115 ]

مجاوزة بساتين وإن حوطت واتصلت بالبلد، والقريتان إن اتصلتا عرفا كقرية، وإن اختلفتا اسما، فلو انفصلتا – ولو يسيرا – كفى مجاوزة قرية المسافر، لا لمسافر لم يبلغ سفره مسيرة يوم وليلة بسير الاثقال مع النزول المعتاد لنحو استراحة وأكل وصلاة، ولا لآبق، ومسافر عليه دين حال قادر عليه من غير إذن دائنه، ولا لمن


[ 116 ]

سافر لمجرد رؤية البلاد – على الاصح -. وينتهي السفر بعوده إلى وطنه، وإن كان مارا به، أو إلى موضع


[ 117 ]

آخر، ونوى إقامته به مطلقا، أو أربعة أيام صحاح، أو علم أن إربه لا ينقضي فيها، ثم إن كان يرجو حصوله كل وقت: قصر ثمانية عشر يوما. وشرط لقصر نية قصر في تحرم، وعدم اقتداء – ولو لحظة – بمتم ولو مسافرا


[ 118 ]

وتحرز عن منافيها دواما، ودوام سفره في جميع صلاته، ولجمع تقديم، نية جمع في الاولى – ولو مع التحلل منها – وترتيب، وولاء عرفا، فلا يضر فصل يسير بأن كان دون قدر ركعتين، ولتأخير نية جمع في وقت


[ 119 ]

الاولى ما بقي قدر ركعة، وبقاء سفر إلى آخر الثانية. (فرع) يجوز الجمع بالمرض تقديما وتأخيرا – على المختار – ويراعي الارفق، فإن كان يزداد مرضه –


[ 120 ]

كأن كان يحم مثلا وقت الثانية قدمها بشروط جمع التقديم، أو وقت الاولى أخرها بنية الجمع في وقت الاولى. وضبط جمع متأخرون المرض هنا بأنه ما يشق معه فعل كل فرض في وقته، كمشقة المشي في المطر، بحيث تبتل ثيابه. وقال آخرون: لا بد من مشقة ظاهرة زيادة على ذلك، بحيث تبيح الجلوس في الفرض. وهو الاوجه.


[ 121 ]

(خاتمة) قال شيخنا في شرح المنهاج: من أدى عبادة مختلفا في صحتها من غير تقليد للقائل بها، لزمه إعادتها، لان إقدامه على فعلها عبث.


[ 122 ]

فصل (في الصلاة على الميت)


[ 123 ]

وشرعت بالمدينة. وقيل هي من خصائص هذه الامة. (صلاة الميت) أي الميت المسلم غير الشهيد (فرض كفاية) للاجماع والاخبار، (كغسله، ولو غريقا)


[ 124 ]

لانا مأمورون بغسله، فلا يسقط الفرض عنا إلا بفعلنا، وإن شاهدنا الملائكة تغسله. ويكفي غسل كافر،


[ 125 ]

ويحصل أقله (بتعميم بدنه بالماء) مرة حتى ما تحت قلفة الاقلف – على الاصح – صبيا كان الاقلف أو بالغا. قال العبادي وبعض الحنفية: لا يجب غسل ما تحتها. فعلى المرجح لو تعذر غسل ما تحت القلفة بأنها لا تتقلص إلا بجرح، يمم عما تحتها. كما قاله شيخنا، وأقره غيره. وأكمله: تثليثه، وأن يكون في خلوة،


[ 126 ]

وقميص، وعلى مرتفع بماء بارد – إلا لحاجة كوسخ وبرد، فالمسخن حينئذ أولى. والمالح أولى من العذب. ويبادر بغسله إذا تيقن موته، ومتى شك في موته وجب تأخيره إلى اليقين، بتغير ريح ونحوه. فذكرهم العلامات الكثيرة له إنما تفيد، حيث لم يكن هناك شك. ولو خرج منه بعد الغسل نجس لم ينقض الطهر، بل تجب إزالته فقط إن خرج قبل التكفين، لا بعده. ومن تعذر غسله – لفقد ماء أو لغيره: كاحتراق، ولو غسل تهرى – يمم وجوبا.


[ 127 ]

(فرع) الرجل أولى بغسل الرجل، والمرأة أولى بغسل المرأة، وله غسل حليلة، ولزوجة لا أمة غسل زوجها، ولو نكحت غيره، بلا مس، بل بلف خرقة على يد. فإن خالف صح الغسل. فإن لم يحضر إلا أجنبي في المرأة أو أجنبية في الرجل، يمم الميت. نعم، لهما غسل من لا يشتهى من صبي أو صبية، لحل


[ 128 ]

نظر كل ومسه. وأولى الرجال به أولاهم بالصلاة – كما يأتي. (وتكفينه بساتر عورة) مختلفة بالذكورة والانوثة، دون الرق والحرية، فيجب في المرأة – ولو أمة – ما يستر غير الوجه والكفين. وفي الرجل ما يستر ما


[ 129 ]

بين السرة والركبة. والاكتفاء بساتر العورة هو ما صححه النووي في أكثر كتبه، ونقله عن الاكثرين، لانه حق لله تعالى. وقال آخرون: يجب ستر جميع البدن – ولو رجلا -. وللغريم منع الزائد على ساتر كل البدن، لا الزائد على ساتر العورة، لتأكد أمره، وكونه حقا للميت بالنسبة للغرماء، وأكمله للذكر ثلاثة يعم كل منها البدن، وجاز أن يزاد تحتها قميص وعمامة، وللانثى إزار، فقميص، فخمار فلفافتان. ويكفن الميت بما له


[ 130 ]

لبسه حيا، فيجوز حرير ومزعفر للمرأة والصبي، مع الكراهة. ومحل تجهيزه: التركة، إلا زوجة وخادمها: فعلى زوج غني عليه نفقتهما، فإن لم يكن له تركة فعلى من عليه نفقته، من قريب، وسيد، فعلى بيت


[ 131 ]

المال، فعلى مياسير المسلمين. ويحرم التكفين في جلد إن وجد غيره، وكذا الطين، والحشيش، فإن لم يوجد ثوب وجب جلد، ثم حشيش، ثم طين – فيما استظهره شيخنا -. ويحرم كتابة شئ من القرآن واسماء الله تعالى على الكفن. ولا بأس بكتابته بالريق، لانه لا يثبت. وأفتى ابن الصلاح بحرمة ستر الجنازة بحرير


[ 132 ]

– ولو امرأة – كما يحرم تزيين بيتها بحرير. وخالفه الجلال البلقيني، فجوز الحرير فيها وفي الطفل، واعتمده جمع، مع أن القياس الاول. (ودفنه في حفرة تمنع) بعد طمها (رائحة) أي ظهورها، (وسبعا) أي نبشه لها، فيأكل الميت. وخرج بحفرة: وضعه بوجه الارض ويبنى عليه ما يمنع ذينك، حيث لم يتعذر الحفر. نعم، من مات بسفينة وتعذر البر جاز إلقاؤه في البحر، وتثقيله ليرسب، وإلا فلا. وبتمنع ذينك ما يمنع أحدهما


[ 133 ]

– كأن اعتادت سباع ذلك المحل الحفر عن موتاه – فيجب بناء القبر، بحيث يمنع وصولها إليه. وأكمله قبر واسع عمق أربعة أذرع ونصف بذراع اليد. ويجب اضطجاعه للقبلة. ويندب الافضاء بخده الايمن – بعد تنحية الكفن عنه – إلى نحو تراب، مبالغة في الاستكانة والذل، ورفع رأسه بنحو لبنة. وكره صندوق – إلا


[ 134 ]

لنحو نداوة فيجب – ويحرم دفنه بلا شئ يمنع وقوع التراب عليه ويحرم دفن اثنين من جنسين بقبر، إن لم يكن بينهما محرمية، أو زوجية، ومع أحدهما كره – كجمع متحدي جنس فيه بلا حاجة. ويحرم أيضا: إدخال ميت على آخر، وإن اتحدا جنسا، قبل بلاء جميعه، ويرجع فيه لاهل الخبرة بالارض. ولو وجد


[ 135 ]

بعض عظمه قبل تمام الحفر وجب رد ترابه، أو بعده فلا. ويجوز الدفن معه، ولا يكره الدفن ليلا – خلافا للحسن البصري – والنهار أفضل للدفن منه، ويرفع القبر قدر شبر ندبا، وتسطيحه أولى من تسنيمه. ويندب لمن على شفير القبر أن يحثي ثلاث حثيات بيديه قائلا مع الاولى: * (منها خلقناكم) *. ومع الثانية: * (وفيها نعيدكم) *. ومع الثالثة: * (ومنها نخرجكم تارة أخرى) *. (مهمة) يسن وضع جريدة خضراء على القبر، للاتباع، ولانه يخفف عنه ببركة تسبيحها. وقيس بها


[ 136 ]

ما اعتيد من طرح نحو الريحان الرطب. ويحرم أخذ شئ منهما ما لم ييبسا لما في أخذ الاولى من تفويت حظ الميت المأثور عنه (ص)، وفي الثانية من تفويت حق الميت بارتياح الملائكة النازلين لذلك. قاله شيخانا ابن حجر وزياد. (وكره بناء له) أي للقبر، (أو عليه) لصحة النهي عنه بلا حاجة، كخوف نبش، أو حفر


[ 137 ]

سبع أو هدم سيل. ومحل كراهة البناء، إذا كان بملكه، فإن كان بناء نفس القبر بغير حاجة مما مر، أو نحو قبة عليه بمسبلة، وهي ما اعتاد أهل البلد الدفن فيها، عرف أصلها ومسبلها أم لا، أو موقوفة، حرم، وهدم وجوبا، لانه يتأبد بعد انمحاق الميت، ففيه تضييق على المسلمين بما لا غرض فيه. (تنبيه) وإذا هدم، ترد الحجارة المخرجة إلى أهلها إن عرفوا، أو يخلى بينهما، وإلا فمال ضائع، وحكمه معروف – كما قاله بعض أصحابنا – وقال شيخنا الزمزمي: إذا بلي الميت وأعرض ورثته عن الحجارة، جاز الدفن


[ 138 ]

مع بقائها، إذا جرت العادة بالاعراض عنها، كما في السنابل. (و) كره (وطئ عليه) أي على قبر مسلم، ولو مهدرا قبل بلاء (إلا لضرورة)، كأن لم يصل لقبر ميته بدونه، وكذا ما يريد زيارته ولو غير قريب. وجزم شرح مسلم – كآخرين – بحرمة القعود عليه والوطئ، لخبر فيه يرده أن المراد بالجلوس عليه جلوسه لقضاء الحاجة، كما بينته رواية أخرى. (ونبش) وجوبا قبر من دفن بلا طهارة (لغسل) أو تيمم. نعم، إن تغير ولو بنتن، حرم. ولاجل مال غير، كأن دفن في ثوب مغصوب، أو أرض مغصوبة، إن طلب المالك، ووجد ما يكفن أو يدفن فيه، وإلا لم يجز النبش أو سقط فيه متمول وإن لم يطلبه مالكه، لا للتكفين إن دفن بلا كفن، ولا للصلاة بعد


[ 139 ]

إهالة التراب عليه. (ولا تدفن امرأة) ماتت (في بطنها جنين حتى يتحقق موته)، أي الجنين. ويجب شق جوفها والنبش له إن رجي حياته بقول القوابل، لبلوغه ستة أشهر فأكثر، فإن لم يرج حياته حرم الشق، لكن يؤخر


[ 140 ]

الدفن حتى يموت – كما ذكر – وما قيل إنه يوضع على بطنها شئ ليموت غلط فاحش. (ووري) أي ستر بخرقة (سقط ودفن) وجوبا، كطفل كافر نطق بالشهادتين، ولا يجب غسلهما، بل يجوز. وخرج بالسقط العلقة والمضغة، فيدفنان ندبا من غير ستر. ولو انفصل بعد أربعة أشهر غسل، وكفن، ودفن وجوبا. (فإن اختلج) أو استهل بعد انفصاله (صلي عليه) وجوبا.


[ 141 ]

(وأركانها) أي الصلاة على الميت، سبعة: أحدهما: (نية) كغيرها، ومن ثم وجب فيها ما يجب في نية سائر الفروض، من نحو اقترانها بالتحرم، والتعرض للفرضية، وإن لم يقل فرض كفاية، ولا يجب تعيين الميت، ولا معرفته، بل الواجب أدنى مميز، فيكفي أصلي الفرض على هذا الميت. قال جمع: يجب تعيين الميت الغائب بنحو اسمه. (و) ثانيها: (قيام) لقادر عليه، فالعاجز يقعد، ثم يضطجع. (و) ثالثها: (أربع


[ 142 ]

تكبيرات) مع تكبيرة التحرم – للاتباع، فإن خمس، لم تبطل صلاته. ويسن رفع يديه في التكبيرات حذو منكبيه، ووضعهما تحت صدره بين كل تكبيرتين. (و) رابعها: (فاتحة)، فبدلها، فوقوق بقدرها. والمعتمد أنها تجزئ بعد غير الاولى – خلافا للحاوي، كالمحرر – وإن لزم عليه جمع ركنين في تكبيرة وخلو الاولى عن ذكر. ويسن


[ 143 ]

إسرار بغير التكبيرات، والسلام، وتعوذ، وترك افتتاح، وسورة، إلا على غائب أو قبر. (و) خامسها: (صلاة على النبي) (ص) (بعد تكبيرة ثانية) أي عقبها، فلا تجزئ في غيرها. ويندب ضم السلام للصلاة، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقبها، والحمد قبلها. (و) سادسها: (دعاء لميت) بخصوصه ولو طفلا، بنحو: اللهم اغفر له وارحمه، (بعد ثالثة)، فلا يجزئ بعد غيرها قطعا.


[ 144 ]

ويسن أن يكثر من الدعاء له، ومأثوره أفضل، وأولاه ما رواه مسلم عنه (ص) وهو: اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وفتنته ومن عذاب النار. ويزيد عليه، ندبا: اللهم اغفر لحينا وميتنا إلى آخره. ويقول


[ 145 ]

في الطفل مع هذا: اللهم اجعله فرطا لابويه، وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره. قال شيخنا: وليس قوله: اللهم اجعله فرطا – إلى آخره – مغنيا عن الدعاء له، لانه دعاء باللازم، وهو لا يكفي، لانه إذا لم يكف الدعاء له بالعموم الشامل كل


[ 146 ]

فرد، فأولى هذا. ويؤنث الضمائر في الانثى، ويجوز تذكيرها بإرادة الميت أو الشخص، ويقول في ولد الزنا: اللهم اجعله فرطا لامه. والمراد بالابدال في الاهل والزوجة، إبدال الاوصاف لا الذوات، لقوله تعالى: * (ألحقنا بهم ذريتهم) * ولخبر الطبراني وغيره: إن نساء الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين. انتهى. (و) سابعها: (سلام) كغيرها (بعد رابعة)، ولا يجب في هذه ذكر غير السلام، لكن يسن: اللهم لا تحرمنا أجره


[ 147 ]

– أي أجر الصلاة عليه، أو أجر المصيبة – ولا تفتنا بعده – أي بارتكاب المعاصي – واغفر لنا وله. ولو تخلف عن إمامه بلا عذر بتكبيرة حتى شرع إمامه في أخرى بطلت صلاته. ولو كبر إمامه تكبيرة أخرى قبل قراءة المسبوق الفاتحة تابعه في تكبيره، وسقطت القراءة عنه. وإذا سلم الامام تدارك المسبوق ما بقي عليه مع الاذكار. ويقدم في الامامة في صلاة الميت – ولو امرأة -: أب، أو نائبه، فأبوه، ثم ابن فابنه، ثم أخ لابوين فلاب، ثم ابنهما، ثم


[ 148 ]

العم كذلك، ثم سائر العصبات، ثم معتق، ثم ذو رحم، ثم زوج (وشرط لها) أي للصلاة على الميت – مع شروط سائر الصلوات – (تقدم طهره) – أي الميت – بماء فتراب، فإن وقع بحفرة أو بحر وتعذر إخراجه وطهره لم


[ 149 ]

يصل عليه – على المعتمد (وأن لا يتقدم) المصلى (عليه) – أي الميت -، إن كان حاضرا، ولو في قبر، أما الميت الغائب فلا يضر فيه كونه وراء المصلي. ويسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر، للخبر الصحيح: من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب – أي غفر له – ولا يندب تأخيرها لزيادة المصلين، إلا لولي. واختار بعض


[ 150 ]

المحققين أنه إذا لم يخش تغيره، ينبغي انتظاره مائة أو أربعين رجي حضورهم قريبا، للحديث. وفي مسلم: ما من مسلم يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه ولو صلي عليه فحضر من لم يصل، ندب له الصلاة عليه، وتقع فرضا، فينويه، ويثاب ثوابه. والافضل له فعلها بعد الدفن، للاتباع. ولا يندب لمن صلاها – ولو منفردا – إعادتها مع جماعة. فإن أعادها وقعت نفلا. وقال بعضهم: الاعادة خلاف الاولى. (وتصح) الصلاة (على) ميت (غائب) عن بلد، بأن يكون الميت بمحل بعيد عن البلد بحيث لا ينسب


[ 151 ]

إليها عرفا، أخذا من قول الزركشي: إن خارج السور القريب منه كداخله. (لا) على غائب عن مجلسه (فيها) وإن كبرت. نعم، لو تعذر الحضور لها بنحو حبس أو مرض: جازت حينئذ – على الاوجه – (و) تصح على حاضر (مدفون) – ولو بعد بلائه (غير نبي) فلا تصح على قبر نبي، لخبر الشيخين. (من أهل فرضها وقت موته)


[ 152 ]

فلا تصح من كافر وحائض يومئذ، كمن بلغ أو أفاق بعد الموت، ولو قبل الغسل، كما اقتضاه كلام الشيخين. (وسقط الفرض) فيها (بذكر) ولو صبيا مميزا، ولو مع وجود بالغ، وإن لم يحفظ الفاتحة، ولا غيرها، بل وقف بقدرها، ولو مع وجود من يحفظها، لا بأنثى مع وجوده. وتجوز على جنائز صلاة واحدة، فينوي الصلاة عليهم


[ 153 ]

إجمالا. وحرم تأخيرها عن الدفن، بل يسقط الفرض بالصلاة على القبر. (وتحرم صلاة) على كافر، لحرمة الدعاء له بالمغفرة. قال تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) *. ومنهم أطفال الكفار، سواء أنطقوا بالشهادتين أم لا، فتحرم الصلاة عليهم. و (على شهيد) وهو بوزن فعيل، بمعنى مفعول، لانه مشهود له


[ 154 ]

بالجنة، أو فاعل، لان روحه تشهد الجنة قبل غيره. ويطلق لفظ الشهيد على من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو شهيد الدنيا والآخرة. وعلى من قاتل لنحو حمية، فهو شهيد الدنيا. وعلى مقتول ظلما وغريق، وحريق، ومبطون – أي من قتله بطنه – كاستسقاء أو إسهال. فهم الشهداء في الآخرة فقط. (كغسله) أي الشهيد، ولو جنبا، لانه (ص) لم يغسل قتلى أحد. ويحرم إزالة دم شهيد. (وهو من مات في قتال كفار) أو كافر


[ 155 ]

واحد، قبل انقضائه، وإن قتل مدبرا (بسببه) أي القتال، كأن أصابه سلاح مسلم آخر خطأ، أو قتله مسلم استعانوا به، أو تردى ببئر حال قتال، أو جهل ما مات به، وإن لم يكن به أثر دم (لا أسير قتل صبرا) فإنه ليس


[ 156 ]

بشهيد على الاصح، لان قتله ليس بمقاتلة. ولا من مات بعد انقضائه، وقد بقي فيه حياة مستقرة، إن قطع بموته بعد من جرح به. أما من حركته حركة مذبوح عند انقضائه فشهيد جزما. والحياة المستقرة ما تجوز أن يبقى يوما أو يومين – على ما قاله النووي والعمراني -. ولا من وقع بين كفار فهرب منهم فقتلوه، لان ذلك ليس بقتال – كما أفتى به شيخنا ابن زياد رحمه الله تعالى -. ولا من قتله اغتيالا حربي دخل بيننا. نعم، إن قتله عن مقاتلة كان شهيدا – كما نقله السيد السمهودي عن الخادم – (وكفن) ندبا (شهيد في ثيابه) التي مات فيها، والملطخة بالدم


[ 157 ]

أولى، للاتباع، ولو لم تكفه بأن لم تستر كل بدنه تممت وجوبا، (لا) في (حرير) لبسه لضرورة الحرب، فينزع وجوبا. (ويندب) أن يلقن محتضر – ولو مميزا على الاوجه – الشهادة: أي لا إله إلا الله، فقط – لخبر مسلم: لقنوا موتاكم – أي من حضره الموت – لا إله إلا الله مع الخبر الصحيح: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة، أي مع الفائزين. وإلا فكل مسلم – ولو فاسقا – يدخلها، ولو بعد عذاب، وإن طال. وقول جمع: يلقن محمد رسول الله أيضا، لان القصد موته على الاسلام، ولا يسمى مسلما إلا بهما مردود بأنه مسلم، وإنما القصد ختم كلامه بلا إله إلا الله ليحصل له ذلك الثواب. وبحث تلقينه الرفيق الاعلى، لانه آخر ما تكلم به


[ 158 ]

رسول الله (ص)، مردود بأن ذلك لسبب لم يوجد في غيره، وهو أن الله خيره فاختاره. وأما الكافر فيلقنهما قطعا، مع لفظ أشهد، لوجوبه أيضا – على ما سيأتي فيه – إذ لا يصير مسلما إلا بهما. وأن يقف جماعة بعد الدفن عند القبر ساعة يسألون له التثبيت ويستغفرون له، و (تلقين بالغ، ولو شهيدا) كما اقتضاه إطلاقهم – خلافا للزركشي


[ 159 ]

– (بعد) تمام (دفن) فيقعد رجل قبالة وجهه ويقول: يا عبد الله ابن أمة الله: اذكر العهد الذي خرجت عليه من


[ 160 ]

الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد (ص) نبيا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. ربي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم. قال شيخنا: ويسن تكراره ثلاثا، والاولى للحاضرين الوقوف، وللملقن القعود. ونداؤه بالام فيه – أي إن عرفت، وإلا فبحواء – لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم، لان كليهما


[ 161 ]

توقيف، لا مجال للرأي فيه. والظاهر أنه يبدل العبد بالامة في الانثى، ويؤنث الضمائر. انتهى. (و) يندب (زيارة قبور لرجل) لا لانثى، فتكره لها. نعم، يسن لها زيارة قبر النبي (ص). قال بعضهم: وكذا سائر الانبياء،


[ 162 ]

والعلماء، والاولياء. ويسن – كما نص عليه – أن يقرأ من القرآن ما تيسر على القبر، فيدعو له مستقبلا للقبلة. (وسلام) لزائر على أهل المقبرة عموما، ثم خصوصا، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين – عند أول


[ 163 ]

المقبرة -. ويقول عند قبر أبيه – مثلا -: السلام عليك يا والدي. فإن أراد الاقتصار على أحدهما أتى بالثانية، لانه أخص بمقصوده، وذلك لخبر مسلم: أنه (ص) قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. والاستثناء للتبرك، أو للدفن بتلك البقعة، أو للموت على الاسلام. (فائدة) ورد أن من مات يوم الجمعة أو ليلتها أمن من عذاب القبر وفتنته. وورد أيضا: من قرأ قل هو الله أحد، في مرض موته مائة مرة، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر،


[ 164 ]

وجاوز الصراط على أكف الملائكة. وورد أيضا: من قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين – أربعين مرة – في مرضه فمات فيه، أعطي أجر شهيد، وإن برئ برئ مغفورا له. غفر الله لنا، وأعاذنا من عذاب القبر وفتنته.


[ 168 ]

باب الزكاة هي لغة: التطهير والنماء. وشرعا: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن، على الوجه الآتي. وفرضت زكاة المال في السنة الثانية من الهجرة بعد صدقة الفطر. ووجبت في ثمانية أصناف من المال: النقدين، والانعام،


[ 169 ]

والقوت، والتمر، والعنب لثمانية أصناف من الناس. ويكفر جاحد وجوبها، ويقاتل الممتنع عن أدائها، وتؤخذ منه – وإن لم يقاتل – قهرا (تجب على) كل (مسلم) ولو غير مكلف، فعلى الولي إخراجها من ماله. وخرج


[ 170 ]

بالمسلم الكافر الاصلي، فلا يلزمه إخراجها، ولو بعد الاسلام (حر) معين، فلا تجب على رقيق لعدم ملكه، وكذا المكاتب لضعف ملكه، ولا تلزم سيده، لانه غير مالك في (ذهب) ولو غير مضروب، خلافا لمن زعم


[ 171 ]

اختصاصها بالمضروب (بلغ) قدر خالصه (عشرين مثقالا) بوزن مكة تحديدا. فلو نقص في ميزان وتم في آخر فلا زكاة، للشك. والمثقال: اثنان وسبعون حبة شعير متوسطة. قال الشيخ زكريا: ووزن نصاب الذهب بالاشرفي: خمسة وعشرون وسبعان وتسع. وقال تلميذه – شيخنا – والمراد بالاشرفي: القايتبايي. (و) في (فضة بلغت مائتي درهم) بوزن مكة: وهو خمسون حبة وخمسا حبة. فالعشرة دراهم: سبعة مثاقيل ولا وقص فيهما


[ 172 ]

كالمعشرات، فيجب في العشرين، والمائتين، وفيما زاد على ذلك، ولو ببعض حبة: (ربع عشر) للزكاة، ولا يكمل أحد النقدين بالآخر، ويكمل كل نوع من جنس بآخر منه. ويجزئ جيد، وصحيح عن ردئ ومكسر، بل هو أفضل، لا عكسهما. وخرج بالخالص المغشوش، فلا زكاة فيه حتى يبلغ خالصه نصابا. (ك‍) – ما يجب


[ 173 ]

ربع عشر قيمة العرض في (مال تجارة) بلغ النصاب في آخر الحول، وإن ملكه بدون نصاب. ويضم الربح


[ 174 ]

الحاصل في أثناء الحول إلى الاصل في الحول إن لم ينض، أما إذا نض بأن صار ذهبا أو فضة وأمسكه إلى آخر الحول فلا يضم إلى الاصل، بل يزكي الاصل بحوله، ويفرد الربح بحول ويصير عرض التجارة للقنية بنيتها، فينقطع الحول بمجرد نية القنية، لا عكسه. ولا يكفر منكر وجوب زكاة التجارة – للخلاف فيه -.


[ 175 ]

(وشرط) لوجوب الزكاة في الذهب والفضة، لا التجارة (تمام نصاب) لهما (كل الحول) بأن لا ينقص المال عنه في جزء من أجزاء الحول. أما زكاة التجارة فلا يشترط فيها تمامه، إلا آخره، لانه حالة وجوب. (وينقطع) الحول (بتخلل زوال ملك) أثناءه بمعاوضة أو غيرها. نعم، لو ملك نصابا ثم أقرضه آخر بعد ستة أشهر لم ينقطع الحول. فإن كان مليا أو عاد إليه أخرج الزكاة آخر الحول، لان الملك لم يزل بالكلية، لثبوت بدله في ذمة


[ 176 ]

المقترض. (وكره) أن يزيل ملكه ببيع أو مبادلة عما تجب فيه الزكاة (لحيلة) بأن يقصد به دفع وجوب الزكاة، لانه فرار من القربة. وفي الوجيز: يحرم. وزاد في الاحياء: ولا يبرئ الذمة باطنا، وأن هذا من الفقه الضار. وقال ابن الصلاح: يأثم بقصده، لا بفعله. قال شيخنا: أما لو قصده لا لحيلة، بل لحاجة، أو لها وللفرار، فلا كراهة. (تنبيه) لا زكاة على صيرفي بادل ولو للتجارة في أثناء الحول بما في يده من النقد غيره من جنسه أو غيره. وكذا لا زكاة على وارث مات مورثه عن عروض التجارة حتى يتصرف فيها بنيتها، فحينئذ يستأنف حولها. (ولا


[ 177 ]

زكاة في حلي مباح، ولو) اتخذه الرجل بلا قصد لبس أو غيره، أو اتخذه (لاجارة)، أو إعارة لامرأة، (إلا) إذا اتخذه (بنية كنز) فتجب الزكاة فيه. (فرع) يجوز للرجل تختم بخاتم فضة، بل يسن في خنصر يمينه أو يساره، للاتباع. ولبسه في اليمين


[ 178 ]

أفضل. وصوب الاذرعي ما اقتضاه كلام ابن الرفعة من وجوب نقصه عن مثقال للنهي عن اتخاذه مثقالا، وسنده حسن، لكن ضعفه النووي. فالاوجه أنه لا يضبط بمثقال بل بما لا يعد إسرافا عرفا. قال شيخنا: وعليه، فالعبرة بعرف أمثال اللابس. ولا يجوز تعدده، خلافا لجمع، حيث لم يعد إسرافا. وتحليته آلة حرب، كسيف ورمح، وترس، ومنطقة – وهي ما يشد بها الوسط – وسكين الحرب – دون


[ 179 ]

سكين المهنة – والمقلمة: بفضة، بلا سرف، لان ذلك إرهابا للكفار، لا بذهب، لزيادة الاسراف والخيلاء. والخبر المبيح له ضعفه ابن القطان، وإن حسنه الترمذي. وتحليته مصحفا. قال شيخنا: أي ما فيه قرآن، ولو للتبرك، كغلافه بفضة. وللمرأة تحليته بذهب إكراما


[ 180 ]

فيهما. وكتبه بالذهب حسن. ولو من رجل، لا تحلية كتاب غيره، ولو بفضة. والتمويه حرام قطعا مطلقا. ثم إن حصل منه شئ بالعرض على النار حرمت استدامته، وإلا فلا، وإن اتصل بالبدن، خلافا لجمع. ويحل الذهب والفضة – بلا سرف – لامرأة، وصبي – إجماعا – في نحو السوار، والخلخال، والنعل، والطوق. وعلى الاصح في المنسوج بهما. ويحل لهن التاج – وإن لم يعتدنه – وقلادة فيها دنانير معراة قطعا،


[ 181 ]

وكذا مثقوبة، ولا تجب الزكاة فيها. أما مع السرف: فلا يحل شئ من ذلك، كخلخال وزن مجموع فردتيه مائتا مثقال، فتجب الزكاة فيه. (و) تجب على من مر (في قوت) اختياري من حبوب (كبر)، وشعير، (وأرز)، وذرة،


[ 182 ]

وحمص، ودخن، وباقلاء، ودقسة. (و) في (تمر وعنب) من ثمار (بلغ) قدر كل منهما (خمسة أوسق) وهي بالكيل: ثلثمائة صاع. والصاع: أربعة أمداد. والمد: رطل وثلث (منقى) من تبن) وقشر لا يؤكل معه غالبا.


[ 183 ]

واعلم أن الارز مما يدخر في قشره ولا يؤكل معه، فتجب فيه إن بلغ عشرة أوسق (عشر) للزكاة. (إن سقي بلا مؤنة) كمطر، (وإلا) أي وإن سقي بمؤنة كنضح (فنصفه) أي نصف العشر. وسبب التفرقة: ثقل المؤنة في هذا، وخفتها في الاول، سواء أزرع ذلك قصدا، أم نبت اتفاقا – كما في المجموع – حاكيا فيه الاتفاق، وبه يعلم ضعف قول الشيخ زكريا في تحريره تبعا لاصله: يشترط لوجوبها أن يزرعه مالكه أو نائبه، فلا زكاة فيما


[ 184 ]

انزرع بنفسه، أو زرعه غيره بغير أذنه. ولا يضم جنس إلى آخر لتكميل النصاب، بخلاف أنواع الجنس، فتضم. وزرعا العام يضمان إن وقع حصادهما في عام. (فرع) لا تجب الزكاة في مال بيت المال، ولا في ريع موقوف من نخل أو أرض على جهة عامة


[ 185 ]

– كالفقراء والفقهاء والمساجد – لعدم تعين المالك. وتجب في موقوف على معين واحد، أو جماعة معينة – كأولاد زيد -، ذكره في المجموع. وأفتى بعضهم في موقوف على إمام المسجد أو المدرس بأنه يلزمه زكاته – كالمعين -. قال شيخنا: والاوجه خلافه، لان المقصود بذلك: الجهة: دون شخص معين. (تنبيه) قال الجلال البلقيني في حاشية الروضة، تبعا للمجموع: إن غلة الارض المملوكة أو الموقوفة على معين، إن كان البذر من مال مالكها أو الموقوف عليه: فتجب عليه الزكاة فيما أخرجته الارض. فإن كان البذر من مال العامل وجوزنا المخابرة، فتجب الزكاة على العامل، ولا شئ على صاحب الارض، لان الحاصل له أجرة أرضه. وحيث كان البذر من صاحب الارض، وأعطي منه شئ للعامل، لا شئ على العامل، لانه أجرة عمله. اه‍.


[ 186 ]

وتجب الزكاة لنبات الارض المستأجرة مع أجرتها على الزارع. ومؤنة الحصاد والدياس على المالك.


[ 187 ]

(و) تجب على من مر للزكاة (في كل خمس إبل شاة) جذعة ضأن لها سنة، أو ثنية معز لها سنتان، ويجزئ الذكر، وإن كانت إبله إناثا، لا المريض إن كانت إبله صحاحا (إلى خمس وعشرين) منها. ففي عشر شاتان، وخمسة عشر ثلاث، وعشرين إلى الخمس والعشرين أربع، فإذا كملت الخمس والعشرون (فبنت مخاض) لها سنة، هي واجبها إلى ست وثلاثين. سميت بذلك لان أمها آن لها أن تصير من المخاض – أي


[ 188 ]

الحوامل -. (وفي ست وثلاثين) إلى ست وأربعين (بنت لبون) لها سنتان. سميت بذلك لان لها أمها آن لها أن تضع ثانيا، وتصير ذات لبن. (و) في (ست وأربعين) إلى إحدى وستين: (حقة) لها ثلاث سنين، وسميت بذلك لانها استحقت أن تركب، ويحمل عليها، أو أن يطرقها الفحل. (و) في (إحدى وستين: جذعة) لها أربع سنين. سميت بذلك لانها يجذع مقدم أسنانها، أي يسقط. (و) في (ست وسبعين: بنتا لبون. و) في (إحدى وتسعين: حقتان. و) في (مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون. ثم) الواجب (في كل أربعين بنت لبون. و) في كل (خمسين حقة. و) يجب (في ثلاثين بقرة – إلى أربعين – تبيع) له سنة، سمي بذلك لانه يتبع أمه. (و) في


[ 189 ]

(أربعين) إلى ستين: (مسنة) لها سنتان، سميت بذلك لتكامل أسنانها. (و) في (ستين: تبيعان، ثم في كل ثلاثين: تبيع. و) في كل (أربيعن: مسنة. و) يجب (في أربعين غنما) إلى مائة وإحدى وعشرين: (شاة. و) في (مائة وإحدى وعشرين) إلى مائتين وواحدة (شاتان. و) في (مائتين وواحدة) إل ثلثمائة (ثلاث) من الشياه. (و) في (أربعمائة: أربع) منها، (ثم في كل مائة: شاة) جذعة ضأن لها سنة، أو ثنية معز لها سنتان. وما بين النصابين يسمى وقصا. ولا يؤخذ خيار كحامل ومسمنة للاكل. وربى وهي حديثة العهد بالنتاج بأن يمضي لها من ولادتها نصف شهر – إلا برضا مالك. (وتجب الفطرة) أي زكاة الفطر. سميت بذلك لان وجوبها به. وفرضت – كرمضان – في ثاني سني


[ 190 ]

الهجرة. وقول ابن اللبان بعدم وجوبها غلط – كما في الروضة – قال وكيع: زكاة الفطر لشهر رمضان – كسجدة السهو للصلاة – تجبر نقص الصوم، كما يجبر السجود نقص الصلاة – ويؤيده ما صح أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث. (على حر) فلا تلزم على رقيق عن نفسه، بل تلزم سيده عنه، ولا عن زوجته، بل إن كانت أمة فعلى سيدها، وإلا فعليها – كما يأتي -. ولا على مكاتب لضعف ملكه، ومن ثم لم تلزمه زكاة ماله ولا نفقة أقاربه، ولاستقلاله لم تلزم سيده عنه، (بغروب) شمس (ليلة فطر) من رمضان، أي بإدراك آخر جزء منه وأول


[ 191 ]

جزء من شوال. فلا تجب بما حدث بعد الغروب من ولد، ونكاح، وملك قن، وغنى، وإسلام. ولا تسقط بما يحدث بعده من موت، وعتق، وطلاق، ومزيل ملك. ووقت أدائها من وقت الوجوب إلى غروب شمس يوم الفطر. فيلزم الحر – المذكور – أن يؤديها قبل غروب شمسه، (عمن) أي عن كل مسلم (تلزمه نفقته) بزوجية،


[ 192 ]

أو ملك، أو قرابة، حين الغروب. (ولو رجعية) أو حاملا بائنا، ولو أمة، فيلزم فطرتهما كنفقتهما. ولا تجب عن زوجة ناشزة، لسقوط نفقتها عنه، بل تجب عليها إن كانت غنية. ولا عن حرة غنية غير ناشزة تحت معسر، فلا تلزم عليه لانتفاء يساره، ولا عليها لكمال تسليمها نفسها له. ولا عن ولد صغير غني، فتجب من ماله، فإن


[ 193 ]

أخرج الاب عنه من ماله جاز، ورجع إن نوى الرجوع. وفطرة ولد الزنا على أمه. ولا عن ولد كبير قادر على كسب. ولا تجب الفطرة عن قن كافر، ولاعن مرتد، إلا أن عاد للاسلام. وتلزم على الزوج فطرة خادمة الزوجة، إن كانت أمته، أو أمتها وأخدمها إياها، لا مؤجرة، ومن صحبتها، – ولو بأذنه، على المعتمد -. وعلى


[ 194 ]

السيد فطرة أمته المزوجة لمعسر، وعلى الحرة الغنية المزوجة لعبد – لا عليه ولو غنيا. قال في البحر: ولو غاب الزوج، فللزوجة اقتراض نفقتها للضرورة، لا فطرتها، لانه المطالب، وكذا بعضه المحتاج. وتجب الفطرة على من مر، عمن ذكر (إن فضل عن قوت ممون) له تلزمه مؤنتة من نفسه وغيره (يوم عيد وليلته) وعن ملبس،


[ 195 ]

ومسكن، وخادم يحتاج إليهما هو أو ممونه. (وعن دين) – على المعتمد، خلافا للمجموع – ولو مؤجلا، وإن رضي صاحبه بالتأخير. (ما يخرجه فيها) أي الفطرة. (وهي) أي زكاة الفطر (صاع) وهو أربعة أمداد، والمد، رطل، وثلث – وقدره جماعة بحفنة بكفين معتدلين – عن كل واحد (من غالب قوت بلده) أي بلد المؤدى عنه.


[ 196 ]

فلا تجزئ من غير غالب قوته، أو قوت مؤد، أو بلده، لتشوف النفوس لذلك. ومن ثم وجب صرفها لفقراء بلده مؤدى عنه. فإن لم يعرف – كأبق – ففيه آراء: منها: إخراجها حالا. ومنها: أنها لا تجب إلا إذا عاد. وفي قول: لا شئ.


[ 197 ]

(فرع) لا تجزئ قيمة ولا معيب ومسوس ومبلول – أي إلا إن جف وعاد لصلاحية الادخار والاقتيات -، ولا اعتبار لاقتياتهم المبلول إلا أن فقدوا غيره، فيجوز. (وحرم تأخيرها عن يومه) أي العبد – بلا عذر، كغيبة مال أو مستحق. ويجب القضاء – فورا – لعصيانه. ويجوز تعجيلها من أول رمضان، ويسن أن لا تؤخر عن الصلاة العيد، بل يكره ذلك. نعم، يسن تأخيرها


[ 198 ]

لانتظار نحو قريب أو جار ما لم تغرب الشمس.


[ 199 ]

فصل (في أداء الزكاة) (يجب أداءها) أي الزكاة، وإن كان عليه دين مستغرق حال لله أو لآدمي، فلا يمنع الدين وجوب الزكاة – في الاظهر – (فورا) ولو في مال صبي ومجنون، حاجة المستحقين إليها (بتمكن) من الاداء. فإن أخر أثم، وضمن، إن تلف بعده. نعم، إن أخر لانتظار قريب، أو جار، أو أحوج، أو أصلح، لم يأثم، لكنه يضمنه إن


[ 200 ]

تلف، كمن أتلفه، أو قصر في دفع متلف عنه، كأن وضعه في غير حرزه بعد الحول، وقبل التمكن. ويحصل التمكن (بحضور مال) غائب سائر أو قار بمحل عسر الوصول إليه، فإن لم يحضر لم يلزمه الاداء من محل آخر، وإن جوزنا نقل الزكاة (و) حضور (مستحقيها) أي الزكاة، أو بعضهم، فهو متمكن بالنسبة لحصته، حتى لو تلفت ضمنها. ومع فراغ من مهم ديني أو دنيوي – كأكل، وحمام – (وحلول دين) من نقد، أو عرض تجارة


[ 201 ]

(مع قدرة) على استيفائه، بأن كان على ملئ حاضر باذل، أو جاحد عليه بينة، أو يعلمه القاضي، أو قدر هو على خلاصه، فيجب إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقبضه، لانه قادر على قبضه. أما إذا تعذر استيفاؤه بإعسار، أو مطل، أو غيبة، أو جحود ولا بينة، فكمغصوب فلا يلزمه الاخراج إلا إن قبضه. وتجب الزكاة في مغصوب وضال، لكن لا يجب دفعها إلا بعد تمكن بعوده إليه. (ولو أصدقها نصاب نقد) وإن كان في الذمة، أو


[ 202 ]

سائمة معينة (زكته) وجوبا، إذا تم حول من الاصداق، وإن لم تقبضه ولا وطئها. لكن يشترط – إن كان النقد في الذمة – إمكان قبضه، بكونه موسرا حاضرا. (تنبيه) الاظهر أن الزكاة تتعلق بالمال تعلق شركة. وفي قول قديم – اختاره الريمي -: لانها تتعلق بالذمة، لا بالعين. فعلى الاول أن المستحق للزكاة شريك بقدر الواجب، وذلك لانه لو امتنع من إخراجها أخذها الامام منه قهرا. كما يقسم المال المشترك قهرا إذا امتنع بعض الشركاء من قسمته. ولم يفرقوا في الشركة بين


[ 203 ]

العين والدين، فلا يجوز لربه أن يدعي ملك جميعه، بل إنه يستحق قبضه. ولو قال: بعد حول إن أبرأتني من صداقك فأنت طالق، فأبرأته منه لم تطلق، لانه لم يبرأ من جميعه، بل مما عدا قدر الزكاة، فطريقها أن يعطيها ثم تبرئه. ويبطل البيع، والرهن في قدر الزكاة فقط، فإن فعل أحدهما بالنصاب، أو ببعضه بعد الحول صح لا في قدر الزكاة – كسائر الاموال المشتركة على الاظهر -. نعم، يصح في قدرها في مال التجارة، لا الهبة في قدرها فيه. (فرع) تقدم الزكاة ونحوها من تركة مديون ضاقت عن وفاء ما عليه من حقوقه الآدمي وحقوق الله


[ 204 ]

– كالكفارة، والحج والنذر والزكاة -. كما إذا اجتمعتا على حي لم يحجر عليه. ولو اجمتعت فيها حقوق الله فقط قدمت الزكاة إن تعلقت بالعين، بأن بقي النصاب، وإلا بأن تلف بعد الوجوب والتمكن استوت مع غيرها، فيوزع عليها. (وشرط له) أي أداء الزكاة، شرطان. أحدهما: (نية) بقلب، لا نطق (كهذا زكاة) مالي. ولو بدون


[ 205 ]

فرض، إذ لا تكون إلا فرضا (أو صدقة مفروضة). أو هذا زكاة مالي المفروضة. ولا يكفي: هذا فرض مالي، لصدقه بالكفارة والنذر. ولا يجب تعيين المال المخرج عنه في النية. ولو عين لم يقع عن غيره، وإن بان المعين تالفا، لانه لم ينو ذلك الغير. ومن ثم لو نوى إن كان تالفا فعن غيره فبان تالفا وقع عن غيره. بخلاف ما لو قال: هذه زكاة مالي الغائب إن كان باقيا، أو صدقة، لعدم الجزم بقصد الفرض. وإذا قال فإن كان تالفا


[ 206 ]

فصدقة. فبان تالفا، وقع صدقة، أو باقيا، وقع زكاة. ولو كان عليه زكاة وشك في إخراجها، فأخرج شيئا ونوى: إن كان علي شئ من الزكاة فهذا عنه، وإلا فتطوع. فإن بان عليه زكاة أجزأه عنها، وإلا وقع له تطوعا – كما أفتى به شيخنا -. ولا يجزئ عن الزكاة قطعا، إعطاء المال للمستحقين بلا نية. (لا مقارنتها) أي النية (للدفع) فلا يشترط ذلك، (بل تكفي) النية قبل الاداء إن وجدت (عند عزل) قدر الزكاة عن المال (أو إعطاء وكيل) أو إمام، والافضل لهما أن ينويا أيضا عند التفرقة، (أو) وجدت (بعد أحدهما) أي بعد عزل قدر الزكاة أو التوكيل


[ 207 ]

(وقبل التفرقة) لعسر اقترانها بأداء كل مستحق. ولو قال لغيره: تصدق بهذا. ثم نوى الزكاة قبل تصدقه بذلك، أجزأه عن الزكاة. ولو قال لآخر: اقبض ديني من فلان، وهو لك زكاة، لم يكف، حتى ينوي هو بعد قبضه، ثم يأذن له في أخذها وأفتى بعضهم أن التوكيل المطلق في إخراجها يستلزم التوكيل في نيتها. قال شيخنا: وفيه نظر، بل المتجه أنه لا بد من نية المالك، أو تفويضها للوكيل. وقال المتولي وغيره: يتعين نية الوكيل إذا وقع


[ 208 ]

الفرض بماله، بأن قال له موكله أد زكاتي من مالك، لينصرف فعله عنه. وقوله له ذلك متضمن للاذن له في النية. وقال القفال: لو قال لغيره أقرضني خمسة أؤدها عن زكاتي، ففعل، صح. قال شيخنا: وهو مبني على رأيه بجواز اتحاد القابض والمقبض. (وجاز لكل) من الشريكين (إخراج زكاة) المال (المشترك بغير إذن) الشريك (الآخر) كما قاله الجرجاني، وأقره غيره، لاذن الشرع فيه. وتكفي نية الدافع منهما عن نية الآخر – على


[ 209 ]

الاوجه. (و) جاز (توكيل كافر، وصبي في إعطائها المعين) أي إن عين المدفوع إليه، لا مطلقا، ولا تفويض النية إليهما لعدم الاهلية. وجاز توكيل غيرهما في الاعطاء والنية معا. وتجب نية الولي في مال الصبي والمجنون، فإن صرف الولي الزكاة بلا نية ضمنها، لتقصيره. ولو دفعها المزكي للامام بلا نية ولا إذن منه له فيها لم تجزئه نيته. نعم، تجزئ نية الامام عند أخذها قهرا من الممتنع، وإن لم ينو صاحب المال. (و) جاز


[ 210 ]

للمالك – دون الولي – (تعجيلها) أي الزكاة (قبل) تمام (حول)، لا قبل تمام نصاب في غير التجارة، و (لا) تعجيلها (لعامين) في الاصح. وله تعجيل الفطرة من أول رمضان. أما في مال التجارة فيجزئ


[ 211 ]

التعجيل، وإن لم يملك نصابا. وينوي عند التعجيل: كهذه زكاتي المعجلة. (وحرم) تأخيرها – أي الزكاة – (بعد تمام الحول والتملك) وضمن إن تلف بعد تمكن، بحضور المال والمستحق، أو أتلفه بعد حول ولو قبل التمكن. كما مر بيانه. (و) ثانيهما: (إعطاؤها لمستحقيها) أي الزكاة. يعني من وجد من الاصناف الثمانية المذكورة في آية: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله، وابن السبيل) *.


[ 212 ]

والفقير: من ليس له مال ولا كسب لائق، يقع موقعا من كفايته وكفاية ممونه، ولا يمنع الفقر، مسكنه وثيابه – ولو للتجمل في بعض أيام السنة – وكتب يحتاجها، وعبده الذي يحتاج إليه للخدمة، وماله الغائب


[ 213 ]

بمرحلتين، أو الحاضر وقد حيل بينه وبينه والدين المؤجل والكسب الذي لا يليق به. وأفتى بعضهم أن حلي المرأة اللائق بها المحتاجة للتزين به عادة لا يمنع فقرها. وصوبه شيخنا. والمسكين: من قدر على مال أو كسب يقع موقعا من حاجته ولا يكفيه كمن يحتاج لعشرة وعنده ثمانية ولا


[ 214 ]

يكفيه الكفاية السابقة، وإن ملك أكثر من نصاب، حتى أن للامام، أن يأخذ زكاته ويدفعها إليه فيعطى كل منهما – إن تعود تجارة – رأس مال يكفيه ربحه غالبا، أو حرفة آلتها. ومن لم يحسن حرفة ولا تجارة يعطى كفاية العمر الغالب. وصدق مدعي فقر، ومسكنة، وعجز عن كسب – ولو قويا جلدا – بلا يمين، لا مدعي تلف مال عرف بلا بينة.


[ 215 ]

والعامل – كساع -: وهو من يبعثه الامام لاخذ الزكاة، وقاسم وحاشر، لا قاض. والمؤلفة: من أسلم ونيته ضعيفة، أو له شرف يتوقع بإعطائه إسلام غيره. والرقاب: المكاتبون كتابة صحيحة، فيعطى المكاتب – أو سيده – بإذنه دينه إن عجز عن الوفاء، وإن كان


[ 216 ]

كسوبا، لا من زكاة سيده لبقائه على ملكه. والغارم: من استدان لنفسه لغير معصية، فيعطي له إن عجز عن وفاء الدين، وإن كان كسوبا، إذ الكسب لا يدفع حاجته لوفائه إن حل الدين. ثم إن لم يكن معه شئ أعطي الكل، وإلا فإن كان بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن، ترك له مما معه ما يكفيه – أي العمر الغالب -. كما استظهره شيخنا. وأعطي ما يقضي به باقي


[ 217 ]

دينه، أو لاصلاح ذات البين، فيعطى ما استدانه لذلك ولو غنيا. أما إذا لم يستدن بل أعطي ذلك من ماله، فإنه لا يعطاه. ويعطى المستدين لمصلحة عامة كقري ضيف، وفك أسير، وعمارة نحو مسجد، وإن غنيا. أو للضمان. فإن كان الضامن والاصيل معسرين أعطي الضامن وفاءه. أو الاصيل موسرا دون الضامن، أعطي إن ضمن بلا إذن، أو عكسه أعطي الاصيل، لا الضامن، وإذا وفى من سهم الغارم لم يرجع على الاصيل وإن


[ 218 ]

ضمن بإذنه. ولا يصرف من الزكاة شئ لكفن ميت، أو بناء مسجد. ويصدق مدعي كتابة أو غرم بإخبار عدل وتصديق سيد، أو رب دين، أو اشتهار حال بين الناس. (فرع) من دفع زكاته لمدينه بشرط أن يردها له عن دينه، لم يجز، ولا يصح قضاء الدين بها. فإن نويا ذلك بلا شرط، جاز وصح، وكذا إن وعده المدين بلا شرط، فلا يلزمه الوفاء بالوعد. ولو قال لغريمه: جعلت ما عليك زكاة، لم يجزئ – على الاوجه – إلا إن قبضه ثم رده إليه. ولو قال: اكتل من طعامي عندك كذا. ونوى


[ 219 ]

به الزكاة، ففعل – فهل يجزئ ؟ وجهان، وظاهر كلام شيخنا ترجيح عدم الاجزاء. وسبيل الله: وهو القائم بالجهاد متطوعا، ولو غنيا. ويعطى المجاهد النفقة والكسوة له ولعياله ذهابا وإيابا، وثمن آلة الحرب. وابن السبيل: وهو مسافر مجتاز ببلد الزكاة، أو منشئ سفر مباح منها، ولو لنزهة، أو


[ 220 ]

كان كسوبا بخلاف المسافر لمعصية إلا إن تاب، والمسافر لغير مقصد صحيح – كالهائم – ويعطى كفايته، وكفاية من معه من ممونه – أي جميعها – نفقة، وكسوة، ذهابا، وإيابا، إن لم يكن له بطريقه – أو مقصده – مال، ويصدق في دعوى السفر، وكذا في دعوى الغزو، بلا يمين. ويسترد منه ما أخذه إن لم يخرج. ولا يعطى أحد بوصفين. نعم إن أخذ فقير بالغرم فأعطاه غريمه، أعطي بالفقر، لانه الآن محتاج.


[ 221 ]

(تنبيه) ولو فرق المالك الزكاة سقط سهم العامل، ثم إن انحصر المستحقون، ووفى بهم المال، لزم تعميمهم، وإلا لم يجب، ولم يندب. لكن يلزمه إعطاء ثلاثة من كل صنف، وإن لم يكونوا بالبلد وقت الوجوب، ومن المتوطنين أولى. ولو أعطى اثنين من كل صنف، والثالث موجود، لزمه أقل متمول غرما له من


[ 222 ]

ماله، ولو فقد بعض الثلاثة رد حصته على باقي صنفه، إن احتاجه، وإلا فعلى باقي الاصناف. ويلزم التسوية بين الاصناف، وإن كانت حاجة بعضهم أشد، لا التسوية بين آحاد الصنف، بل تندب. واختار جماعة – من أئمتنا – جواز صرف الفطرة إلى ثلاثة مساكين، أو غيرهم من المستحقين، ولو كان كل صنف – أو بعض الاصناف – وقت الوجوب محصورا في ثلاثة فأقل، استحقوها في الاولى. وما يخص


[ 223 ]

المحصورين في الثانية من وقت الوجوب، فلا يضر حدوث غنى أو موت أحدهم، بل حقه باق بحاله، فيدفع نصيب الميت لوارثه، وإن كان هو المزكي. ولا يشاركهم قادم عليهم ولا غائب عنهم وقت الوجوب. فإن زادوا على ثلاثة، لم يملكوا إلا بالقسمة. ولا يجوز لمالك نقل الزكاة عن بلد المال، ولو إلى مسافة قريبة، ولا


[ 224 ]

تجزئ، ولا دفع القيمة في غير مال التجارة، ولا دفع عينه فيه. ونقل عن عمر وابن عباس وحذيفة – رضي الله عنهم – جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد، وبه قال أبو حنيفة، ويجوز عنده نقل الزكاة – مع الكراهة – ودفع قيمتها. وعين مال التجارة. (ولو أعطاها) أي الزكاة – ولو الفطرة – (لكافر، أو من به رق) ولو مبعضا غير مكاتب (أو هاشمي، أو


[ 225 ]

مطلبي)، أو مولى لهما، لم يقع عن الزكاة، لان شرط الآخذ الاسلام، وتمام الحرية، وعدم كونه هاشميا، ولا مطلبيا، وإن انقطع عنهم خمس الخمس لخبر: إن هذه الصدقات – أي الزكوات – إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآله. قال شيخنا: وكالزكاة: كل واجب – كالنذر، والكفارة بخلاف التطوع


[ 226 ]

والهدية. (أو غني) وهو من له كفاية العمر الغالب – على الاصح -. وقيل: من له كفاية سنة. أو الكسب الحلال اللائق (أو مكفي بنفقة قريب) من أصل، أو فرع، أو زوج، بخلاف المكفي بنفقة متبرع (لم يجزئ) ذلك عن الزكاة، ولا تتأدى بذلك إن كان الدافع المالك وإن ظن استحقاقهم. ثم إن كان الدافع يظن الاستحقاق الامام: برئ المالك، ولا يضمن الامام، بل يسترد المدفوع، وما استرده صرفه للمستحقين. أما من لم يكتف


[ 227 ]

بالنفقة الواجبة له – من زوج، أو قريب – فيعطيه المنفق وغيره، حتى بالفقر. ويجوز للمكفي بها الاخذ بغير المسكنة والفقر إن وجد فيه، حتى ممن تلزمه نفقته. ويندب للزوجة إعطاء زوجها من زكاتها، حتى بالفقر والمسكنة وإن أنفقها عليها. قال شيخنا: والذي يظهر أن قريبه الموسر لو امتنع من الانفاق عليه وعجز عنه بالحاكم، أعطي حينئذ، لتحقق فقره أو مسكنته الآن.


[ 228 ]

(فائدة) أفتى النووي في بالغ تاركا للصلاة كسلا أنه لا يقبضها له إلا وليه – أي كصبي ومجنون – فلا تعطى له، وإن غاب وليه، خلافا لمن زعمه: بخلاف ما لو طرأ تركه لها أو تبذيره ولم يحجر عليه: فإنه يقبضها. ويجوز دفعها لفاسق – إلا إن علم أنه يستعين بها على معصية فيحرم وإن أجزأ. (تتمة) في قسمة الغنيمة. ما أخذناه من أهل حرب قهرا: فهو غنيمة، وإلا فهو فئ، ومن الاول:


[ 229 ]

ما أخذناه من دارهم اختلاسا، أو سرقة – على الاصح – خلافا للغزالي وإمامه: حيث قالا إنه مختص بالآخذ بلا تخميس، وادعى ابن الرفعة الاجماع عليه، ومن الثاني: جزية وعشر تجارة وتركة مرتد، ويبدأ في الغنيمة


[ 230 ]

بالسلب للقاتل المسلم بلا تخميس، وهو ملبوس القتيل، وسلاحه، ومركوبه، وكذا سوار، ومنطقة، وخاتم، وطوق. وبالمؤن: كأجرة حمال. ثم يخمس باقيها، فأربعة أخماسها، ولو عقارا، لمن حضر الوقعة، وإن لم


[ 231 ]

يقاتل، فما أحد أولى به من أحد – لا لمن لحقهم بعد انقضائها، ولو قبل جمع المال، ولا لمن مات في أثناء القتال قبل الحيازة على المذهب. وأربعة أخماس الفئ للمرصدين للجهاد وخمسهما يخمس: سهم


[ 232 ]

للمصالح: كسد ثغر، وعمارة حصن، ومسجد، وأرزاق القضاة، والمشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها – ولو مبتدئين – وحفاظ القرآن، والائمة، والمؤذنين. ويعطى هؤلاء مع الغنى ما رآه الامام. ويجب تقديم الاهم – مما ذكر – وأهمها: الاول. ولو منع هؤلاء حقوقهم من بيت المال وأعطي أحدهم منه شيئا: جاز له الاخذ، ما لم يزد على كفايته – على المعتمد – وسهم للهاشمي والمطلبي: للذكر منهما مثل حظ الانثيين، ولو أغنياء. وسهم


[ 233 ]

للفقراء، اليتامى، وسهم للمسكين، وسهم لابن السبيل الفقير. ويجب تعميم الاصناف الاربعة بالعطاء – حاضرهم، وغائبهم عن المحل – نعم، يجوز التفاوت بين آحاد الصنف غير ذوي القربى، لا بين الاصناف، ولو قل الحاصل، بحيث لو عم لم يسد مسدا: خص به الاحوج، ولا يعم – للضرورة. ولو فقد بعضهم: وزع سهمه على الباقين. ويجوز – عند الائمة الثلاثة – صرف جميع خمس الفئ إلى المصالح. ولا يصح شرط


[ 234 ]

الامام: من أخذ شيئا فهو له. وفي قول: يصح. وعليه الائمة الثلاثة. وعند أبي حنيفة ومالك: يجوز للامام أن يفضل بعضا. (فرع) لو حصل لاحد من الغانمين شئ مما غنموا قبل التخميس والقسمة الشرعية: لا يجوز التصرف فيه، لانه مشترك بينهم وبين أهل الخمس. والشريك لا يجوز له التصرف في المشترك بغير إذن شريكه (ويسن


[ 235 ]

صدقة تطوع) لآية: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) * وللاحاديث الكثيرة الشهيرة. وقد تجب: كأن يجد


[ 236 ]

مضطرا ومعه ما يطعمه، فاضلا عنه، ويكره بردئ، وليس منه: التصدق بالفلوس، والثوب الخلق، ونحوهما


[ 237 ]

– بل ينبغي أن لا يأنف من التصدق بالقليل. والتصدق بالماء أفضل: حيث كثر الاحتياج إليه – وإلا فالطعام. ولو تعارض الصدقة حالا، والوقف. فإن كان الوقت وقت حاجة وشدة: فالاول أولى، وإلا فالثاني لكثرة جدواه. قاله ابن عبد السلام وتبعه الزركشي، وأطلق ابن الرفعة ترجيح الاول، لانه قطع حظه من المتصدق به حالا وينبغي – للراغب في الخير – أن لا يخلي (كل يوم) من الايام من الصدقة (بما تيسر) وإن قل، وإعطاؤها (سرا) أفضل منه جهرا. أما الزكاة: فإظهارها أفضل – إجماعا – (و) إعطاؤها (برمضان): أي فيه – لا سيما في عشره


[ 238 ]

الاواخر – أفضل، ويتأكد أيضا: في سائر الازمنة، والامكنة، الفاضلة: كعشر ذي الحجة، والعيدين، والجمعة. وكمكة، والمدينة (و) إعطاؤها (لقريب) لا تلزمه نفقته أولى، الاقرب فالاقرب من المحارم، ثم الزوج أو الزوجة، ثم غير المحرم والرحم من جهة الاب ومن جهة الام سواء، ثم محرم الرضاع، ثم المصاهرة أفضل.


[ 239 ]

(و) صرفها بعد القريب إلى (جار، أفضل) منه لغيره. فعلم أن القريب البعيد الدار في البلد: أفضل من الجار الاجنبي، (لا) يسن التصدق (بما يحتاجه)، بل يحرم بما يحتاج إليه: لنفقة، ومؤنة. من تلزمه نفقته يومه وليلته، أو لوفاء دينه – ولو مؤجلا، وإن لم يطلب منه – ما لم يغلب على ظنه حصوله من جهة أخرى ظاهرة لان الواجب


[ 240 ]

لا يجوز تركه لسنة، وحيث حرمت الصدقة بشئ لم يملكه المتصدق عليه – على ما أفتى به شيخنا المحقق ابن زياد رحمه الله تعالى. لكن الذي جزم به شيخنا في شرح المنهاج أنه يملكه. والمن بالصدقة حرام محبط للاجر كالاذى.


[ 241 ]

(فائدة) قال في المجموع: يكره الاخذ ممن بيده حلال وحرام – كالسلطان الجائز. وتختلف الكراهة بقلة الشبهة وكثرتها، ولا يحرم إلا إن تيقن أن هذا من الحرام. وقول الغزالي: يحرم الاخذ ممن أكثر ماله حرام وكذا معاملته: شاذ.


[ 242 ]

باب الصوم وهو لغة: الامساك. وشرعا: إمساك عن مفطر بشروطه الآتية. وفرض في شعبان، في السنة الثانية من الهجرة. وهو من خصائصنا، ومن المعلوم من الدين بالضرورة (يجب صوم) شهر (رمضان) إجماعا، بكمال


[ 243 ]

شعبان ثلاثين يوما، أو رؤية عدل واحد، ولو مستورا هلاله بعد الغروب، إذا شهد بها عند القاضي، ولو مع إطباق غيم، بلفظ: أشهد أني رأيت الهلال، أو أنه هل. ولا يكفي: قوله: أشهد أن غدا من رمضان. ولا يقبل


[ 244 ]

على شهادته إلا بشهادة عدلين، وبثبوت رؤية هلال رمضان عند القاضي بشهادة عدل بين يديه – كما مر – ومع قوله ثبت عندي: يجب الصوم على جميع أهل البلد المرئي فيه، وكالثبوت عند القاضي: الخبر المتواتر برؤيته، ولو من كفار، لافادته العلم الضروري، وظن دخوله بالامارة الظاهرة التي لا تتخلف عادة: – كرؤية القناديل المعلقة بالمنائر – ويلزم الفاسق والعبد والانثى: العمل برؤية نفسه، وكذا من اعتقد صدق نحو فاسق


[ 245 ]

ومراهق في أخباره برؤية نفسه، أو ثبوتها في بلد متحد مطلعه: – سواء أول رمضان وآخره على الاصح – والمعتمد: أن له – بل عليه – اعتماد العلامات بدخول شوال، إذا حصل له اعتقاد جازم بصدقها – كما أفتى به شيخانا: ابن زياد وحجر، كجمع محققين – وإذا صاموا – ولو برؤية عدل – أفطروا بعد ثلاثين، وإن لم يروا الهلال ولم يكن غيم، لكمال العدة بحجة شرعية. ولو صام بقول من يثق، ثم لم ير الهلال بعد ثلاثين مع الصحو: لم يجز له الفطر، ولو رجع الشاهد بعد شروعهم في الصوم: لم يجز لهم الفطر. وإذا ثبت رؤيته ببلد


[ 246 ]

لزم حكمه البلد القريب – دون البعيد – ويثبت البعد باختلاف المطالع – على الاصح – والمراد باختلافها: أن يتباعد المحلان – بحيث لو رؤي في أحدهما: لم ير في الآخر غالبا، قاله في الانوار. وقال التاج التبريزي – وأقره


[ 247 ]

غيره -: لا يمكن اختلافها في أقل من أربعة وعشرين فرسخا. ونبه السبكي – وتبعه غيره -: على أنه يلزم من الرؤية في البلد الغربي من غير عكس، إذ الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل. وقضية كلامهم أنه متى رؤي في شرقي: لزم كل غربي – بالنسبة إليه – العمل بتلك الرؤية، وإن اختلفت المطالع. وإنما يجب صوم رمضان


[ 248 ]

(على) كل مكلف – أي بالغ – عاقل، (مطيق له) أي للصوم حسا، وشرعا، فلا يجب على صبي، ومجنون، ولا على من لا يطيقه – لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، ويلزمه مد لكل يوم: ولا على حائض، ونفساء، لانهما لا تطيقان شرعا. (وفرضه) أي الصوم (نية) بالقلب، ولا يشترط التلفظ بها، بل يندب، ولا يجزئ عنها التسحر


[ 249 ]

– وإن قصد به التقوي على الصوم – ولا الامتناع من تناول مفطر، خوف الفجر، ما لم يخطر بباله الصوم بالصفات التي يجب التعرض له في النية (لكل يوم): فلو نوى أول ليلة رمضان صوم جميعه: لم يكف لغير اليوم الاول. قال شيخنا: لكن ينبغي ذلك، ليحصل له صوم اليوم الذي نسي النية فيه عند مالك، كما تسن له أول اليوم الذي نسيها فيه، ليحصل له صومه عند أبي حنيفة. وواضح أن محله: إن قلد، وإلا كان متلبسا بعبادة


[ 250 ]

فاسدة في اعتقاده (وشرط لفرضه) أي الصوم – ولو نذرا، أو كفارة، أو صوم استسقاء أمر به الامام – (تبييت) أي إيقاع النية ليلا: أي فيما غروب الشمس وطلوع الفجر، ولو في صوم المميز. قال شيخنا: ولو شك – هل وقعت نيته قبل الفجر أو بعده ؟ لم تصح، لان الاصل عدم وقوعها ليلا، إذ الاصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن – بخلاف ما لو نوى ثم شك: هل طلع الفجر أو لا ؟ لان الاصل عدم طلوعه، للاصل المذكور أيضا.


[ 251 ]

انتهى. ولا يبطلها نحو أكل وجماع بعدها وقبل الفجر. نعم، لو قطعها قبله، احتاج لتجديدها قطعا. (وتعيين) لمنوي في الفرض كرمضان، أو نذر أو كفارة – بأن ينوي كل ليلة أنه صائم غدا عن رمضان، أو النذر، أو الكفارة – وإن لم يعين سببها. فلو نوى الصوم عن فرضه، أو فرض وقته: لم يكف. نعم، من عليه قضاء رمضانين، أو نذر، أو كفار من جهات مختلفة: لم يشترط التعيين لاتحاد الجنس. واحترز باشتراط التبييت في الفرض عن النفل، فتصح فيه – ولو مؤقتا – النية قبل الزوال: للخبر الصحيح، وبالتعيين فيه النفل أيضا، فيصح


[ 252 ]

– ولو مؤقتا – بنية مطلقة – كما اعتمده غير واحد. نعم، بحث في المجموع اشتراط التعيين في الرواتب كعرفة وما معها فلا يحصل غيرها معها، وإن نوى، بل مقتضى القياس – كما قال الاسنوي – أن نيتهما مبطلة، كما لو نوى الظهر وسنته، أو سنة الظهر وسنة العصر – فأقل النية المجزئة: نويت صوم رمضان، ولو بدون الفرض على المعتمد – كما صححه في المجموع، تبعا للاكثرين، لان صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضا. ومقتضى


[ 253 ]

كلام الروضة والمنهاج وجوبه، أو بلا غد – كما قال الشيخان – لان لفظ الغد، اشتهر في كلامهم في تفسير التعيين وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين، فلا يجب التعرض له بخصوصه، بل يكفي دخوله في صوم الشهر المنوي لحصول التعيين حينئذ، لكن قضية كلام شيخنا – كالمزجد -: وجوبه (وأكملها) أي النية: (نويت صوم غد عن أداء فرض رمضان) بالجر لاضافته لما بعده (هذه السنة لله تعالى) لصحة النية حينئذ اتفاقا، وبحث


[ 254 ]

الاذرعي أنه لو كان عليه مثل الاداء كقضاء رمضان قبله: لزمه التعرض للاداء، أو تعيين السنة (ويفطر عامد) لاناس للصوم، وإن كثر منه نحو جماع وأكل (عالم) لا جاهل، بأن ما تعاطاه مفطر لقرب إسلامه، أو نشئه


[ 255 ]

ببادية بعيدة عمن يعرف ذلك (مختار)، لا مكره لم يحصل منه قصد، ولا فكر، ولا تلذذ (بجماع) وإن لم ينزل (واستمناء) ولو بيده أو بيد حليلته، أو بلمس لما ينقض لمسه بلا حائل (لا ب‍) – قبلة و (ضم) لامرأة (بحائل): أي معه، وإن تكرر بشهوة، أو كان الحائل رقيقا، فلو ضم امرأة أو قبلها بلا ملامسة بدن بلا بحائل بينهما فأنزل:


[ 256 ]

لم يفطر، لانتفاء المباشرة – كالاحتلام. والانزال بنظر وفكر، ولو لمس محرما أو شعر امرأة فأنزل: لم يفطر – لعدم النقض به. ولا يفطر بخروج مذي: خلافا للمالكية (واستقاءة) أي استدعاء قئ وإن لم يعد منه شئ لجوفه: بأن تقيأ منكسا أو عاد بغير اختياره، فهو مفطر لعينه، أما إذا غلبه ولم يعد منه – أو من ريقه المتنجس به –


[ 257 ]

شئ إلى جوفه بعد وصوله لحد الظاهر، أو عاد بغير اختياره: فلا يفطر به – للخبر الصحيح بذلك (لا بقلع نخامة) من الباطن أو الدماغ إلى الظاهر، فلا يفطر به إن لقطها لتكرر الحاجة إليه، أما لو ابتلعها مع القدرة على لفظها بعد وصولها لحد الظاهر – وهو مخرج الحاء المهملة – فيفطر قطعا. ولو دخلت ذبابة جوفه: أفطر بإخراجها


[ 258 ]

مطلقا، وجاز له – إن ضره – بقاوها مع القضاء: كما أفتى به شيخنا (و) يفطر (بدخول عين) وإن قلت إلى ما يسمى (جوفا): أي جوف من مر: كباطن أذن، وإحليل، – وهو مخرج بول – ولبن – وإن لم يجاوز الحشفة أو الحلمة ووصول أصبع المستنجية إلى وراء ما يظهر من فرجها عند جلوسها على قدميها: مفطر، وكذا وصول بعض الانملة إلى المسربة، كذا أطلقه القاضي، وقيده السبكي بما إذا وصل شئ منها إلى المحل المجوف


[ 259 ]

منها، بخلاف أولها المنطبق فإنه لا يسمى جوفا، وألحق به أول الاحليل الذي يظهر عند تحريكه، بل أولى. قال ولده: وقول القاضي: الاحتياط أن يتغوط بالليل: مراده أن إيقاعه فيه خير منه في النهار، لئلا يصل شئ إلى جوف مسربته، لا أنه يؤمر بتأخيره إلى الليل، لان أحدا لا يؤمر بمضرة في بدنه، ولو خرجت مقعدة مبسور: لم يفطر بعودها، وكذا إن أعادها بأصبعه، لاضطراره إليه. ومنه يؤخذ – كما قال شيخنا – أنه لو اضطر لدخول الاصبع إلى الباطن لم يفطر، وإلا أفطر وصول الاصبع إليه. وخرج بالعين: الاثر – كوصول الطعم بالذوق إلى


[ 260 ]

حلقه -. وخرج بمن مر – أي العامد العالم المختار – الناسي للصوم، والجاهل المعذور بتحريم إيصال شئ إلى الباطن، وبكونه مفطرا والمكره، فلا يفطر كل منهم بدخول عين جوفه، وإن كثر أكله، ولو ظن أن أكله ناسيا مفطر فأكل جاهلا بوجوب الامساك: أفطر. ولو تعمد فتح فمه في الماء فدخل جوفه أو وضعه فيه فسبقه أفطر. أو


[ 261 ]

وضع في فيه شيئا عمدا وابتلعه ناسيا، فلا. ولا يفطر بوصول شئ إلى باطن قصبة أنف حتى يجاوز منتهى الخيشوم، وهو أقصى الانف. و (لا) يفطر (بريق طاهر صرف) أي خالص ابتلعه (من معدنه) وهو جميع الفم، ولو بعد جمعه على الاصح، وإن كان بنحو مصطكى. أما لو ابتلع ريقا اجتمع بلا فعل، فلا يضر قطعا. وخرج بالطاهر: المتنجس بنحو دم لثته فيفطر بابتلاعه، وإن صفا، ولم يبق فيه أثر مطلقا، لانه لما حرم ابتلاعه لتنجسه صار بمنزلة عين أجنبية. قال شيخنا: ويظهر العفو عمن ابتلي بدم لثته بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه. وقال


[ 262 ]

بعضهم: متى ابتلعه المبتلى به مع علمه به وليس له عنده بد، فصومه صحيح، وبالصرف المختلط بطاهر آخر، فيفطر من ابتلع ريقا متغيرا بحمرة نحو تنبل، وإن تعسر إزالتها، أو بصبغ خيط فتله بفمه، وبمن معدنه ما إذا خرج من الفم لا على لسانه ولو إلى ظاهر الشفة ثم رده بلسانه وابتلعه، أو بل خيطا أو سواكا بريقه أو بماء فرده إلى فمه وعليه رطوبة تنفصل وابتلعها: فيفطر. بخلاف ما لو لم يكن على الخيط ما ينفصل لقلته أو لعصره أو


[ 263 ]

لجفافه، فإنه لا يضر، كأثر ماء المضمضة، وإن أمكن مجه لعسر التحرز عنه، فلا يكلف تنشيف الفم عنه. (فرع) لو بقي طعام بين أسنانه فجرى به ريقه بطبعه لا بقصده: لم يفطر إن عجز عن تمييزه ومجه، وإن ترك التخلل ليلا مع علمه ببقائه وبجريان ريقه به نهارا، لانه إنما يخاطب بهما إن قدر عليهما حال الصوم، لكن يتأكد التخلل بعد التسحر، أما إذا لم يعجز أو ابتلعه قصدا: فإنه مفطر جزما، وقول بعضهم يجب غسل الفم مما أكل ليلا وإلا أفطر: رده شيخنا. (ولا يفطر بسبق ماء جوف مغتسل عن) نحو (جنابة) كحيض، ونفاس إذا كان


[ 264 ]

الاغتسال (بلا انغماس) في الماء، فلو غسل أذنيه في الجنابة فسبق الماء من إحداهما لجوفه: لم يفطر، وإن أمكنه إمالة رأسه أو الغسل قبل الفجر. كما إذا سبق الماء إلى الداخل للمبالغة في غسل الفم المتنجس لوجوبها: بخلاف ما إذا اغتسل منغمسا فسبق الماء إلى باطن الاذن أو الانف، فإنه يفطر، ولو في الغسل الواجب، لكراهة الانغماس: كسبق ماء المضمضة بالمبالغة إلى الجوف مع تذكره للصوم، وعلمه بعدم مشروعيتها، بخلافه بلا مبالغة. وخرج بقولي عن نحو جنابة: الغسل المسنون، وغسل التبرد، فيفطر بسبق ماء فيه، ولو بلا انغماس.


[ 265 ]

(فروع) يجوز للصائم، الافطار بخبر عدل بالغروب، وكذا بسماع أذانه، ويحرم للشاك الاكل آخر النهار حتى يجتهد ويظن انقضاءه، ومع ذلك الاحوط: الصبر لليقين. ويجوز الاكل إذا ظن بقاء الليل، باجتهاد أو إخبار، وكذا لو شك، لان الاصل بقاء الليل، لكن يكره، ولو أخبره عدل طلوع الفجر: اعتمده، وكذا فاسق


[ 266 ]

ظن صدقه. ولو أكل باجتهاد أولا وآخرا فبان أنه أكل نهارا، بطل صومه، إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه، فإن لم يبن شئ: صح. ولو طلع الفجر وفي فمه طعام فلفظه قبل أن ينزل منه شئ لجوفه: صح صومه، وكذا لو كان مجامعا عند ابتداء طلوع الفجر فنزع في الحال – أي عقب طلوعه – فلا يفطر وإن أنزل، لان النزع ترك للجماع. فإن لم ينزع حالا: لم ينعقد الصوم، وعليه القضاء والكفارة (ويباح فطر) في صوم واجب (بمرض مضر) ضررا


[ 267 ]

يبيح التيمم، كأن خشي من الصوم بطء برء، (وفي سفر قصر) دون قصير وسفر معصية. وصوم المسافر بلا ضرر. أحب من الفطر (ولخوف هلاك) بالصوم من عطش أو جوع وإن كان صحيحا مقيما. وأفتى الاذرعي


[ 268 ]

بأنه يلزم الحصادين – أي ونحوهم – تبييت النية كل ليلة، ثم من لحقه منهم مشقة شديدة – أفطر، وإلا فلا. (ويجب قضاء) ما فات ولو بعذر من الصوم الواجب، ك‍ (- رمضان) ونذر وكفارة بمرض أو سفر، أو ترك نية أو بحيض أو نفاس، لا بجنون وسكر لم يتعد به. وفي المجموع أن قضاء يوم الشك على الفور، لوجوب إمساكه. ونظر فيه جمع بأن تارك النية يلزمه الامساك مع أن قضاءه على التراخي قطعا. (و) يجب (إمساك) عن مفطر (فيه)


[ 269 ]

أي رمضان فقط، دون نحو نذر وقضاء، (إن أفطر بغير عذر) من مرض أو سفر، (أو بغلط) كمن أكل ظانا بقاء الليل، أو نسي تبييت النية، أو أفطر يوم الشك وبان من رمضان، لحرمة الوقت. وليس الممسك في صوم شرعي، لكنه يثاب عليه، فيأثم بجماع، ولا كفارة. وندب إمساك لمريض شفي، ومسافر قدم أثناء النهار مفطرا، وحائض طهرت أثناءه (و) يجب (على من أفسده) أي صوم رمضان (بجماع) أثم به لاجل الصوم،


[ 270 ]

لا باستمناء وأكل: (كفارة) متكررة بتكرر الافساد، وإن لم يكفر عن السابق (معه) أي مع قضاء ذلك الصوم.


[ 271 ]

والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فصوم شهرين مع التتابع إن عجز عنه، فإطعام ستين مسكينا أو فقيرا إن عجز عن الصوم – لهرم أو مرض – بنية كفارة، ويعطى لكل واحد مد من غالب القوت، ولا يجوز صرف الكفارة لمن تلزمه مؤنته (و) يجب (على من أفطر) في رمضان (لعذر لا يرجى زواله) – ككبر ومرض لا يرجى برؤه: (مد)


[ 272 ]

لكل يوم منه إن كان موسرا حينئذ (بلا قضاء) وإن قدر عليه بعد، لانه غير مخاطب بالصوم، فالفدية في حقه واجبة ابتداء، لا بدلا، ويجب المد – مع القضاء – على: حامل، ومرضع، أفطرتا للخوف على الولد،


[ 273 ]

(و) يجب (على مؤخر قضاء) لشئ من رمضان حتى دخل رمضان آخر (بلا عذر) في التأخير: بأن خلا عن


[ 274 ]

السفر والمرض قدر ما عليه (مد لكل سنة) فيتكرر بتكرر السنين، على المعتمد -. وخرج بقولي بلا عذر: ما إذا كان التأخير بعذر – كأن استمر سفره أو مرضه، أو إرضاعها إلى قابل – فلا شئ عليه ما بقي العذر، وإن استمر سنين. ومتى أخر قضاء رمضان – مع تمكنه – حتى دخل آخر فمات: أخرج من تركته لكل يوم مدان: مد للفوات، ومد للتأخير إن لم يصم عنه قريبه أو مأذونه، وإلا وجب مد واحد للتأخير. والجديد: عدم جواز الصوم


[ 275 ]

عنه مطلقا، بل يخرج من تركته لكل يوم مد طعام، وكذا صوم النذر والكفارة، وذهب النووي – كجمع محققين – إلى تصحيح القديم القائل: بأنه لا يتعين الاطعام فيمن مات، بل يجوز للولي أن يصوم عنه ثم إن خلف تركة، وجب أحدهما، وإلا ندب. ومصرف الامداد: فقير، ومسكين، وله صرف أمداد لواحد.


[ 276 ]

(فائدة) من مات وعليه صلاة، فلا قضاء، ولا فدية. وفي قول – كجمع مجتهدين – أنها تقضى عنه، لخبر البخاري وغيره، ومن ثم اختاره جمع من أئمتنا، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه، ونقل ابن برهان عن القديم أنه يلزم الولي – إن خلف تركه – أن يصلي عنه، كالصوم. وفي وجه – عليه كثيرون من أصحابنا – أنه يطعم عن كل صلاة مدا. وقال المحب الطبري: يصل للميت كل عبادة تفعل عنه: واجبة أو مندوبة. وفي شرح المختار لمؤلفه: مذهب أهل السنة أن للانسان أن يجعل ثواب عمله وصلاته لغيره ويصله. (وسن) لصائم رمضان وغيره (تسحر)، وتأخيره، ما لم يقع في شك، وكونه على تمر لخبر فيه، ويحصل ولو بجرعة ماء، ويدخل وقته بنصف


[ 277 ]

الليل. وحكمته: التقوي، أو مخالفة أهل الكتاب ؟ وجهان. وسن تطيب وقت سحر، (و) سن (تعجيل فطر) إذا تيقن الغروب. ويعرف في العمران والصحارى التي بها جبال بزوال الشعاع من أعالي الحيطان والجبال، وتقديمه على الصلاة، إن لم يخش من تعجيله فوات الجماعة أو تكبيرة الاحرام. (و) كونه (بتمر) للامر به،


[ 278 ]

والاكمل أن يكون بثلاث، (ف‍) – إن لم يجده فعلى حسوات (ماء)، ولو من زمزم، فلو تعارض التعجيل على الماء، والتأخير على التمر، قدم الاول، فيما استظهره شيخنا، وقال أيضا: يظهر في تمر قويت شبهته وماء حفت شبهته، أن الماء أفضل. قال الشيخان: لا شئ أفضل بعد التمر غير الماء، فقول الروياني: الحلو أفضل من


[ 279 ]

الماء – ضعيف، كقول الاذرعي: الزبيب أخو التمر، وإنما ذكره لتيسره غالبا بالمدينة. ويسن أن يقول عقب الفطر: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت ويزيد – من أفطر بالماء -: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الاجر إن شاء الله تعالى. (و) سن (غسل عن نحو جنابة قبل فجر) لئلا يصل الماء إلى باطن نحو أذنه أو دبره. قال شيخنا: وقضيته أن وصوله لذلك مفطر، وليس عمومه مرادا – كما هو ظاهر أخذا مما مر: إن سبق ماء نحو المضمضة المشروع، أو غسل الفم المتنجس: لا يفطر، لعذره، فليحمل هذا على مبالغة منهي عنها.


[ 280 ]

(و) سن (كف) نفس عن طعام فيه شبهة، و (شهوة) مباحة. من مسموع، ومبصر، ومس طيب، وشمه. ولو


[ 281 ]

تعارضت كراهة مس الطيب للصائم، ورد الطيب: فاجتناب المس أولى، لان كراهته تؤدي إلى نقصان العبادة. قال في الحلية: الاولى للصائم ترك الاكتحال. ويكره سواك بعد الزوال، وقت غروب، وإن نام أو أكل كريها ناسيا. وقال جمع: لم يكره، بل يسن إن تغير الفم بنحو نوم. ومما يتأكد للصائم: كف اللسان عن كل محرم


[ 282 ]

– ككذب وغيبة، ومشاتمة – لانه محبط للاجر، كما صرحوا به، ودلت عليه الاخبار الصحيحة، ونص عليه الشافعي والاصحاب، وأقرهم في المجموع، وبه يرد بحث الاذرعي حصوله وعليه إثم معصيته. وقال بعضهم: يبطل أصل صومه، وهو قياس مذهب أحمد في الصلاة في المغصوب. ولو شتمه أحد فليقل – ولو في نفل – إني صائم، مرتين أو ثلاثا – في نفسه – تذكيرا لها، وبلسانه: حيث لم يظن رياء، فإن اقتصر على أحدهما: فالاولى


[ 283 ]

بلسانه (و) سن مع التأكيد (برمضان)، وعشره الاخير آكد، (إكثار صدقة)، وتوسعة على عيال، وإحسان على الاقارب والجيران – للاتباع – وأن يفطر الصائمين – أي يعشيهم – إن قدر، وإلا فعلى نحو شربة، (و) إكثار (تلاوة) للقرآن في غير نحو الحش، ولو نحو طريق، وأفضل الاوقات للقراءة من النهار: بعد الصبح، ومن


[ 284 ]

الليل: في السحر،. فبين العشاءين. وقراءة الليل أولى. وينبغي أن يكون شأن القارئ: التدبر. قال أبو الليث


[ 285 ]

في البستان: ينبغي للقارئ أن يختم القرآن في السنة مرتين – إن لم يقدر على الزيادة -. وقال أبو حنيفة: من قرأ


[ 288 ]

القرآن في كل سنة مرتين: فقد أدى حقه، وقال أحمد: يكره تأخير ختمة أكثر من أربعين يوما – بلا عذر – لحديث ابن عمر. (و) إكثار عبادة و (اعتكاف) للاتباع (سيما) بتشديد الياء، وقد يخفف، والافصح جر ما بعدها،


[ 289 ]

وتقديم لا عليها. وما زائدة وهي دالة على أن ما بعدها أولى بالحكم مما قبلها (عشر آخره) فيتأكد له إكثار الثلاثة المذكورة للاتباع – ويسن أن يمكث معتكفا إلى صلاة العيد، وأن يعتكف قبل دخول العشر، ويتأكد إكثار العبادات المذكورة فيه رجاء مصادفة ليلة القدر، أي الحكم والفصل – أو الشرف، والعمل فيها خير من العمل


[ 290 ]

في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهي منحصرة عندنا فيه، فأرجاها: أو تاره، وأرجى أوتاره عند الشافعي: ليلة الحادي أو الثالث والعشرين، واختار النووي – وغيره – انتقالها. وهي أفضل ليالي السنة، وصح: من قام ليلة


[ 291 ]

القدر إيمانا – أي تصديقا بأنها حق وطاعة – واحتسابا – أي طلبا لرضا الله تعالى وثوابه – غفر له ما تقدم من ذنبه وفي رواية: وما تأخر. وروى البيهقي خبر من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان:


[ 292 ]

فقد أخذ من ليلة القدر بحظ وافر. وروى أيضا: من شهد العشاء الاخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر. وشذ من زعم أنها ليلة النصف من شعبان. (تتمة) يسن اعتكاف كل وقت، وهو لبث فوق قدر طمأنينة الصلاة، ولو مترددا في مسجد أو رحبته التي لم


[ 293 ]

يتيقن حدوثها بعده، وأنها غير مسجد بنية اعتكاف. ولو خرج – ولو لخلاء – من لم يقدر الاعتكاف – المندوب أو


[ 294 ]

المنذور – بمدة بلا عزم عود جدد النية وجوبا – إن أراده -. وكذا إذا عاد بعد الخروج لغير نحو خلاء من قيده بها، كيوم. فلو خرج عازما لعود فعاد لم يجب تجديد النية. ولا يضر الخروج في اعتكاف نوى تتابعه، كأن نوى


[ 295 ]

اعتكاف أسبوع، أو شهر متتابع، وخرج لقضاء حاجة – ولو بلا شدتها – وغسل جنابة، وإزالة نجس وإن أمكنهما في المسجد، لانه أصون لمروءته ولحرمة المسجد، أكل طعام، لانه يستحيا منه في المسجد، وله الوضوء بعد قضاء الحاجة تبعا له. لا الخروج له قصدا، ولا لغسل مسنون، ولا يضر بعد موضعها، إلا أن يكون لذلك موضع أقرب منه، أو يفحش البعد، فيضر، ما لم يكن الاقرب غير لائق به، ولا يكلف المشي على غير سجيته،


[ 296 ]

وله صلاة على جنازة إن لم ينتظر. ويخرج جوازا في إعتكاف متتابع لما استثناه من غرض دنيوي: – كلقاء أمير – أو أخروي – كوضوء، وغسل مسنون، وعيادة مريض، وتعزية مصاب، وزيارة قادم من سفر – ويبطل بجماع –


[ 297 ]

وإن استثناه – أو كان في طريق قضاء الحاجة، وإنزال مني بمباشرة بشهوة – كقبلة – وللمعتكف الخروج من التطوع لنحو عيادة مريض. وهل هو أفضل، أو تركه، أو سواء ؟ وجوه، والاوجه – كما بحث البلقيني – أن الخروج لعيادة نحو رحم وجار وصديق، أفضل. واختار ابن الصلاح الترك، لانه (ص) كان يعتكف ولم يخرج لذلك.


[ 298 ]

(مهمة) قال في الانوار: يبطل ثواب الاعكتاف بشتم، أو غيبة. أو أكل حرام.


[ 299 ]

فصل (في صوم التطوع) وله من الفضائل والمثوبة ما لا يحصيه إلا الله تعالى، ومن ثم، أضافه تعالى إليه دون غيره من العبادات، فقال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به. وفي الصحيحين: من صام يوما في سبيل


[ 300 ]

الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا. (ويسن) متأكدا (صوم يوم عرفة) لغير حاج، لانه يكفر السنة التي هو فيها والتي بعدها – كما في خبر مسلم – وهو تاسع ذي الحجة، والاحوط صوم الثامن مع عرفة. والمكفر: الصغائر التي لا تتعلق بحق الآدمي، إذ الكبائر لا يكفرها إلا التوبة الصحيحة. وحقوق الآدمي متوقفة على رضاه، فإن لم تكن له صغائر زيد في حسناته. ويتأكد صوم الثمانية قبله: للخبر الصحيح فيها، المقتضي


[ 301 ]

لافضلية عشرها على عشر رمضان الاخير. (و) يوم (عاشوراء): وهو عاشر المحرم، لانه يكفر السنة الماضية – كما في مسلم -. (وتاسوعاء): وهو تاسعه، لخبر مسلم: لئن بقيت إلى قابل لاصومن التاسع. فمات قبله. والحكمة: مخالفة اليهود، ومن ثم سن لمن لم يصمه: صوم الحادي عشر، بل إن صامه، لخبر فيه. وفي الام: لا بأس أن يفرده. وأما أحاديث الاكتحال والغسل، والتطيب في يوم عاشوراء، فمن وضع الكذابين (و) صوم


[ 303 ]

(ستة) أيام (من شوال) لما في الخبر الصحيح أن صومها مع صوم رمضان كصيام الدهر. واتصالها بيوم العيد


[ 304 ]

أفضل: مبادرة للعبادة، (وأيام) الليالي (البيض) وهي: الثالث عشر وتالياه، لصحة الامر بصومها، لان صوم الثلاثة كصوم الشهر، إذ لحسنة بعشر أمثالها، ومن ثم تحصل السنة بثلاثة وغيرها، لكنها أفضل، ويبدل – على الاوجه – ثالث عشر ذي الحجة بسادس عشره، وقال الجلال البلقيني: لا بل يسقط. ويسن صوم أيام السود:


[ 305 ]

وهي الثامن والعشرون وتالياه، (و) صوم (الاثنين والخميس) للخبر الحسن أنه (ص) كان يتحرى صومهما وقال: تعرض فيهما الاعمال، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم والمراد عرضها على الله تعالى. وأما رفع الملائكة لها: فإنه مرة بالليل ومرة بالنهار، ورفعها في شعبان محمول، على رفع أعمال العام مجملة. وصوم الاثنين أفضل من صوم الخميس – لخصوصيات ذكروها فيه، وعد الحليمي اعتياد صومهما مكروه: شاذ.


[ 306 ]

(فرع) أفتى جمع متأخرون بحصول ثواب عرفة وما بعده بوقوع صوم فرض فيها، خلاف للمجموع. وتبعه الاسنوي فقال: إن نواهما لم يحصل له شئ منهما. قال شيخنا – كشيخه – والذي يتجه أن القصد وجود


[ 307 ]

صوم فيها، فهي كالتحية، فإن نوى التطوع أيضا، حصلا، وإلا سقط عنه الطلب. (فرع) أفضل الشهور للصوم بعد رمضان: الاشهر الحرم. وأفضلها المحرم، ثم رجب، ثم الحجة، ثم القعدة، ثم شهر شعبان. وصوم تسع ذي الحجة أفضل من صوم عشر المحرم اللذين يندب صومهما.


[ 308 ]

(فائدة) من تلبس بصوم تطوع أو صلاته، فله قطعهما – لا نسك تطوع – ومن تلبس بقضاء واجب، حرم قطعه ولو موسعا، ويحرم على الزوجة أن تصوم، تطوعا أو قضاء موسعا وزوجها حاضر إلا بإذنه أو علم رضاه. (تتمة) يحرم الصوم في أيام التشريق والعيدين، وكذا يوم الشك لغير ورد، وهو يوم ثلاثي شعبان، وقد


[ 309 ]

شاع الخبر بين الناس برؤية الهلال ولم يثبت، وكذ بعد نصف شعبان، ما لم يصله بما قبله، أو لم يوافق عادته، أو لم يكن عن نذر أو قضاء، ولو عن نفل.


[ 310 ]

باب الحج


[ 311 ]

وهو: بفتح أوله وكسره – لغة: القصد، أو كثرته إلى من يعظم. وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي. وهو من الشرائع القديمة. وروي أن آدم عليه السلام حج أربعين حجة من الهند ماشيا، وأن جبريل قال له: إن


[ 312 ]

الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة. قاب ابن إسحاق: لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم عليه


[ 313 ]

الصلاة والسلام إلا حج. والذي صرح به غيره: أنه ما من نبي إلا حج، خلافا لمن استثنى هودا وصالحا.


[ 314 ]

والصلاة أفضل منه، خلافا للقاضي. وفرض في السنة السادسة على الاصح، حج (ص) قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة حججا لا يدرى عددها،


[ 315 ]

وبعدها حجة الوداع لا غير. وورد: من حج هذا البيت، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال شيخنا في حاشية


[ 316 ]

الايضاح: قوله: كيوم ولدته أمه – يشمل التبعات. وورد التصريح به في رواية، وأفتى به بعض مشايخنا، لكن ظاهر كلامهم يخالفه، والاول أوفق بظواهر السنة، والثاني أوفق بالقواعد. ثم رأيت بعض المحققين نقل


[ 317 ]

الاجماع عليه، وبه يندفع الافتاء المذكور تمسكا بالظواهر. (والعمرة) وهي لغة: زيادة مكان عامر. وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي. (يجبان) أي الحج والعمرة – ولا يغني عنها الحج وإن اشتمل عليها. وخبر: سئل (ص) عن العمرة، أواجبة هي ؟ قال: لا ضعيف اتفاقا، وإن صححه الترمذي. (على) كل مسلم، (مكلف) أي بالغ، عاقل، (حر): فلا يجبان على صبي ومجنون،


[ 318 ]

ولا على رقيق. فنسك غير المكلف – ومن فيه رق – يقع نفلا – لا فرضا (مستطيع) للحج، بوجدان الزاد ذهابا


[ 319 ]

وإيابا، وأجرة خفير – أي مجير يأمن معه – والراحلة – أو ثمنها: إن كان بينه وبين مكة مرحلتان أو دونهما وضعف عن المشي – مع نفقة من يجب عليه نفقته وكسوته إلى الرجوع. ويشترط أيضا للوجوب: أمن الطريق على


[ 320 ]

النفس والمال، ولو من رصدي، وإن قل ما يأخذه، وغلبة السلامة لراكب البحر، فإن غلب الهلاك – لهيجان الامواج في بعض الاحوال – أو استويا: لم يجب، بل يحرم الركوب فيه له ولغيره. وشرط للوجوب على المرأة – مع ما ذكر – أن يخرج معها محرم، أو زوج، أو نسوة ثقات، ولو إماء، وذلك


[ 321 ]

لحرمة سفرها وحدها، وإن قصر، أو كانت في قافلة عظيمة، ولها – بلا وجوب – أن تخرج مع امرأة ثقة لاداء فرض الاسلام، وليس لها الخروج لتطوع، ولو مع نسوة كثيرة، وإن قصر السفر، أو كانت شوهاء. وقد صرحوا بأنه يحرم على المكية التطوع بالعمرة من التنعيم مع النساء، خلافا لمن نازع فيه (مرة) واحدة في العمر (بتراخ) لا على الفور. نعم، إنما يجوز التأخير بشرط العزم على الفعل في المستقبل، وأن لا يتضيقا عليه


[ 322 ]

بنذر، أو قضاء، أو خوف عضب، أو تلف مال بقرينة، ولو ضعيفة. وقيل يجب – على القادر – أن لا يترك الحج في كل خمس سنين – لخبر فيه. (فرع) تجب إنابة عن ميت عليه نسك من تركته – كما تقضى منه ديونه – فلو لم تكن له تركة، سن لوارثه أن


[ 323 ]

يفعله عنه، فلو فعله أجنبي، جاز، ولو بلا إذن، وعن آفاقي معضوب عاجز عن النسك بنفسه: لنحو زمانة، أو مرض لا يرجى برؤه – بأجرة مثل فضلت عما يحتاجه المعضوب يوم الاستئجار، وعما عدا مؤنة نفسه وعياله


[ 324 ]

بعده، ولا يصح أن يحج عن معضوب بغير إذنه، لان الحج يفتقر للنية، والمعضوب أهل لها وللاذن. (أركانه) أي الحج: ستة. أحدها: (إحرام) به، أي بنية دخول فيه، لخبر: إنما الاعمال بالنيات. ولا يجب تلفظ بها، وتلبية، بل يسنان فيقول بقلبه ولسانه: نويت الحج، وأحرمت به لله تعالى – لبيك اللهم لبيك إلى آخره.


[ 325 ]

(و) ثانيها: (وقوف بعرفة) أي حضوره بأي جزء منها ولو لحظة، وإن كان نائما، أو مارا، لخبر الترمذي: الحج عرفة وليس منها: مسجد إبراهيم عليه السلام، ولا نمرة. والافضل للذكر تحري موقفه (ص)، وهو عند الصخرات المعروفة. وسميت عرفة، قيل: لان آدم وحواء تعارفا بها، وقيل غير ذلك. ووقته (بين زوال)


[ 326 ]

للشمس يوم عرفة، وهو تاسع ذي الحجة، (و) بين طلوع (فجر) يوم (نحر). وسن له الجمع بين الليل والنهار، وإلا أراق دم تمتع – ندبا. (و) ثالثها: (طواف إفاضة) ويدخل وقته بانتصاف ليلة النحر، وهو أفضل الاركان، حتى من الوقوف، خلافا للزركشي.


[ 327 ]

(و) رابعها: (سعي) بين الصفا والمروة (سبعا) – يقينا – بعد طواف قدوم ما لم يقف بعرفة، أو بعد طواف إفاضة. فلو اقتصر على ما دون السبع لم يجزه، ولو شك في عددها قبل فراغه أخذ بالاقل، لانه المتيقن. ومن


[ 328 ]

سعى بعد طواف القدوم لم يندب له إعادة السعي بعد طواف الافاضة، بل يكره. ويجب أن يبدأ فيه في المرة الاولى بالصفا ويختم بالمروة – للاتباع – فإن بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها إلى الصفا وذهابه من الصفا إلى المروة مرة وعوده منها إليه مرة أخرى. ويسن – للذكر – أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة. وأن يمشي أول


[ 329 ]

السعي وآخره، ويعدو – الذكر – في الوسط، ومحلهما معروف. (و) خامسها: (إزالة شعر) من الرأس، بحلق أو تقصير، لتوقف التحلل عليه – وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات، فتعميمه (ص) لبيان الافضل، خلافا لمن أخذ منه وجوب التعميم. وتقصير المرأة أولى من حلقها، ثم


[ 330 ]

يدخل مكة بعد رمي جمرة العقبة والحلق، ويطوف للركن فيسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم – كما هو الافضل – والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها. ويكره تأخيرها عن يوم النحر، وأشد منه: تأخيرها عن أيام التشريق، ثم عن خروجه من مكة.


[ 331 ]

(و) سادسها: (ترتيب) بين معظم أركانه – بأن يقدم الاحرام على الجميع، والوقوف على طواف الركن والحلق والطواف على السعي – إن لم يسع بعد طواف القدوم – ودليله الاتباع. (ولا تجبر) أي الاركان، (بدم). وسيأتي ما يجبر بالدم. (وغير وقوف) من الاركان الستة (أركان العمرة) لشمول الادلة لها، وظاهر أن الحلق يجب تأخيره عن سعيها، فالترتيب فيها في جميع الاركان. (تنبيه) يؤديان بثلاثة أوجة: إفراد: بأن يحج ثم يعتمر. وتمتع: بأن يعتمر ثم يحج. وقران: بأن يحرم بهما


[ 332 ]

معا. وأفضلها: إفراد – إن اعتمر عامه – ثم تمتع. وعلى كل من المتمتع والقارن: دم – إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام – وهم من دون مرحلتين.


[ 333 ]

(وشروط الطواف) ستة: أحدها: (طهر) عن حدث وخبث. (و) ثانيها: (ستر) لعورة قادر، فلو زالا فيه جدد، وبنى على طوافه، وإن تعمد ذلك، وطال الفصل.


[ 334 ]

(و) ثالثها: (نيته): أي الطواف، (إن استقل) بأن لم يشمله نسك كسائر العبادات، وإلا فهي سنة. (و) رابعها: (بدؤه بالحجر الاسود محاذيا له) في مروره (ببدنه): أي بجميع شقه الايسر. وصفة


[ 335 ]

المحاذاة: أن يقف بجانبه من جهة اليماني – بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه – ثم ينوي، ثم يمشي مستقبلة حتى يجاوزه، فحينئذ ينفتل ويجعل يساره للبيت، ولا يجوز استقبال البيت إلا في هذا.


[ 336 ]

(و) خامسها: (جعل البيت عن يساره) مارا تلقاء وجهه، فيجب كونه خارجا بكل بدنه حتى بيده عن شاذروانه وحجره – للاتباع – فإن خالف شيئا من ذلك لم يصح طوافه، وإذا استقبل الطائف – لنحو دعاء – فليحترز عن أن يمر منه أدنى جزء قبل عوده إلى جعل البيت عن يساره. ويلزم من قبل الحجر أن يقر قدميه في


[ 337 ]

محلهما حتى يعتدل قائما، فإن رأسه – حال التقبيل – في جزء من البيت. (و) سادسها: (كونه سبعا) يقينا، ولو في الوقت المكروه، فإن ترك منها شيئا – وإن قل – لم يجزئه. (وسن أن يفتتح) الطائف (باستلام الحجر) الاسود بيده، (و) أن (يستلمه في كل طوفة)، وفي الاوتار


[ 338 ]

آكد، وأن يقبله، ويضع جبهته عليه، (و) يستلم (الركن) اليماني، ويقبل يده بعد استلامه، (و) أن (يرمل


[ 339 ]

– ذكر) في الطوفات (الثلاث الاول من طواف بعده سعي) بإسراع مشيه مقاربا خطاه، وأن يمشي في الاربعة الاخيرة على هيئته – للاتباع – ولو ترك الرمل في الثلاث الاول: لا يقضيه في البقية. ويسن أن يقرب – الذكر – من البيت، ما لم يؤذ أو يتأذ بزحمة، فلو تعارض القرب منه والرمل: قدم، لان ما يتعلق بنفس العبادة، أولى من المتعلق بمكانها، وأن يضطبع في طواف يرمل فيه، وكذا في السعي: وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الايمن،


[ 340 ]

وطرفيه على الايسر – للاتباع – وأن يصلي بعده ركعتين خلف المقام، ففي الحجر. (فرع) يسن أن يبدأ كل من الذكر والانثى بالطواف عند دخول المسجد للاتباع، رواه الشيخان – إلا أن


[ 341 ]

يجد الامام في مكتوبة، أو يخاف فوت فرض، أو راتبة مؤكدة فيبدأ بها – لا بالطواف. (وواجباته) أي الحج خمسة، وهو ما يجب بتركه الفدية (إحرام من ميقات) فميقات الحج لمن بمكة: هي. وهو للحج والعمرة للمتوجه من المدينة: ذو الحليفة المسماة ببئر علي. ومن الشام ومصر والمغرب: الجحفة. ومن تهامة اليمن:


[ 342 ]

يلملم، ومن نجد اليمن والحجاز: قرن. ومن المشرق: ذات عرق. وميقات العمرة لمن بالحرم الحل،


[ 343 ]

وأفضله الجعرانة، فالتنعيم، فالحديبية. وميقات من لا ميقات له في طريقه: محاذاة الميقات الوارد إن حاذاه في بر أو بحر، وإلا فمرحلتان من مكة، فيحرم الجائي في البحر من جهة اليمين من الشعب المحرم الذي يحاذي يلملم، ولا يجوز له تأخير إحرامه إلى الوصول إلى جدة، خلافا لما أفتى به شيخنا من جواز تأخيره إليها، وعلل


[ 344 ]

بأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم إليها. ولو أحرم من دون الميقات لزمه دم – ولو ناسيا، أو جاهلا – ما لم يعد إليه قبل تلبسه بنسك، ولو طواف قدوم، وأثم غيرهما (ومبيت بمزدلفة) ولو ساعة من نصف ثان من ليلة النحر،


[ 345 ]

(و) مبيت (بمنى) معظم ليالي أيام التشريق. نعم، إن نفر قبل غروب شمس اليوم الثاني، جاز وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمي يومها، وإنما يجب المبيت في لياليها لغير الرعاء وأهل السقاية (وطواف الوداع) لغير


[ 346 ]

حائض، ومكي – إن لم يفارق مكة بعد حجه – (ورمي) إلى جمرة العقبة بعد انتصاف ليلة النحر، سبعا، وإلى


[ 347 ]

الجمرات الثلاث بعد زوال كل يوم من أيام التشريق سبعا سبعا، مع ترتيب بين الجمرات (بحجر) أي بما


[ 348 ]

يسمى به، ولو عقيقا وبلورا. ولو ترك رمي يوم، تداركه في باقي أيام التشريق، وإلا لزمه دم، بترك ثلاث رميات فأكثر. (وتجبر) أي الواجبات بدم، وتسمى هذه أبعاضا. (وسننه) أي الحج (غسل)، فتيمم (لاحرام ودخول مكة) ولو حلالا – بذي طوى، (وقوف) بعرفة


[ 349 ]

عشيتها، وبمزدلفة، ولرمي أيام التشريق، (وتطيب) البدن، والثوب ولو بما له جرم (قبيله) أي الاحرام وبعد الغسل، ولا يضر استدامته بعد الاحرام، ولا انتقاله بعرق (وتلبية) وهي: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك


[ 350 ]

لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك. ومعنى لبيك: أنا مقيم على طاعتك. ويسن الاكثار منها، والصلاة على النبي (ص) وسؤال الجنة، والاستعاذة من النار، بعد تكرير التلبية ثلاثا. وتستمر التلبية إلى


[ 351 ]

رمي جمرة العقبة. لكن لا تسن في طواف القدوم، والسعي بعده، لورود أذكار خاصة فيهما، (وطواف قدوم)


[ 352 ]

لانه تحية البيت، وإنما يسن لحاج أو قارن دخل مكة قبل الوقوف. ولا يفوت بالجلوس، ولا بالتأخير. نعم، يفوت بالوقوف بعرفة (ومبيت بمنى ليلة عرفة، ووقوف بجمع) المسمى الآن بالمشعر الحرام وهو جبل في آخر مزدلفة، فيذكرون في وقوفهم، ويدعون إلى الاسفار مستقبلين القبلة – للاتباع -. (وأذكار)، وأدعية مخصوصة


[ 354 ]

بأوقات وأمكنة معينة، وقد استوعبها الجلال السيوطي في وظائف اليوم والليلة – فليطلبه. (فائدة) يسن – متأكدا – زيارة قبر النبي (ص)، ولو لغير حاج ومعتمر، لاحاديث وردت في فضلها. وشرب


[ 357 ]

ماء زمزم مستحب، ولو لغيرهما. وورد أنه أفضل المياه، حتى من الكوثر.


[ 359 ]

فصل (في محرمات الاحرام) (يحرم بإحرام) على رجل وأنثى (وطئ) آية: * (فلا رفث) * أي لا ترفثوا. والرفث مفسر بالوطئ. ويفسد


[ 360 ]

به الحج والعمرة. (وقبلة)، ومباشرة بشهوة. (واستمناء بيد) – بخلاف الانزال بنظر أو فكر – (ونكاح)، لخبر


[ 361 ]

مسلم: لا ينكح المحرم ولا ينكح (وتطيب) في بدن أو ثوب بما يسمى طيبا، كمسك وعنبر، وكافور حي أو


[ 362 ]

ميت، وورد ومائه، ولو بشد نحو مسك بطرف ثوبه، أو بجعله في جيبه. ولو خفيت رائحة الطيب، كالكاذي والفاغية – وهي تمر الحناء – فإن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت، حرم، وإلا فلا، (ودهن) بفتح أوله (شعر) رأس، أو لحية بدهن، ولو غير مطيب، كزيت وسمن. (وإزالته) أي الشعر ولو واحدة من رأسه أو لحيته أو بدنه،


[ 363 ]

نعم، إن احتاج إلى حلق شعر – بكثرة قمل أو جراحة – فلا حرمة، وعليه الفدية، فلو نبت شعر، بعينه أو غطاها فأزال ذلك، فلا حرمة، وفلا فدية. (وقلم) لظفر، ولو بعضه من يد أو رجل. نعم، له قطع ما انكسر من ظفره إن


[ 364 ]

تأذى به ولو أدنى تأذ. (ويحرم ستر رجل) – لا امرأة – (بعض رأس بما يعد ساترا) عرقا من مخيط أو غير – كقلنسوة، وخرقة – إما ما لا يعد ساترا – كخيط رقيق، وتوسد نحو عمامة، ووضع يد لم يقصد بها الستر – فلا يحرم، بخلاف ما إذا قصده على نزاع فيه، وكحمل نحو زنبيل لم يقصد به ذلك أيضا، واستظلال بمحمل وإن


[ 365 ]

مس رأسه، (ولبسه) أي الرجل (مخيطا) بخياطة: كقميص، وقباء، أو نسج، أو عقد في سائر بدنه، (بلا عذر)


[ 366 ]

فلا يحرم على الرجل ستر رأس لعذر – كحر وبرد، ويظهر ضبطه هنا بما لا يطيق الصبر عليه، وإن لم يبح التيمم، فيحل مع الفدية، قياسا على وجوبها في الحلق مع العذر. ولا لبس مخيط إن لم يجد غيره، ولا قدر


[ 367 ]

على تحصيله، ولو بنحو استعارة. بخلاف الهبة – لعظم المنة – فيحل ستر العورة بالمخيط بلا فدية، ولبسه في باقي بدنه لحاجة نحو حر وبرد مع فدية. ويحل الارتداء والالتحاف بالقميص والقباء، وعقد الازار، وشد خيط عليه ليثبت: لا وضع طوق القباء على رقبته، وإن لم يدخل يده (و) يحرم (ستر امرأة – لا رجل – بعض وجه) بما


[ 368 ]

يعد ساترا (وفدية) ارتكاب واحد م‍ (- ما يحرم) بالاحرام غير الجماع (ذبح شاة) مجزئة في الاضحية، وهي


[ 369 ]

جذعة ضأن، أو ثنية معز، (أو تصدق بثلاثة آصع لستة) من مساكين الحرم الشاملين للفقراء، لكل واحد نصف


[ 370 ]

صاع، (أو صوم ثلاثة) أيام. فمرتكب المحرم مخير في الفدية بين الثلاثة المذكورة. (فرع) لو فعل شيئا من المحرمات ناسيا أو جاهلا بتحريمه، وجبت الفدية إن كان إتلافا – كحلق شعر، وقلم ظفر، وقتل صيد – ولا تجب إن كان تمتعا – كلبس، وتطيب – والواجب في إزالة ثلاث شعرات أو أظفار ولا اتحاد زمان ومكان عرفا فدية كاملة، وفي واحدة: مد طعام. وفي اثنتين: مدان (ودم ترك مأمور) كإحرام


[ 371 ]

من الميقات، ومبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الاحجار، وطواف الوداع، كدم التمتع والقران. (ذبح) أي ذبح شاة تجزئ أضحية في الحرم، (ف‍) – الواجب على العاجز عن الذبح فيه ولو لغيبة ماله – وإن وجد من يقرضه، أو وجده بأكثر من ثمن المثل – (صوم) أيام (ثلاثة) فورا بعد إحرام، (وقبل) يوم (نحر) – ولو مسافرا – فلا يجوز


[ 372 ]

تأخير شئ منها عنه، لانها تصير قضاء. ولا تقديمه على الاحرام بالحج، الآية. (و) يلزمه أيضا صوم (سبعة بوطنه) أي إذا رجع إلى أهله. ويسن تواليها – كالثلاثة – قال تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج،


[ 373 ]

وسبعة إذا رجعتم) *. (ويجب على مفسد نسك) من حج وعمرة (بوطئ: بدنة) بصفة الاضحية، وإن كان النسك، نفلا، والبدنة المرادة الواحد من الابل – ذكرا كان أو أنثى – فإن عجز عن البدنة فبقرة، فإن عجز عنها فسبع شياه، ثم يقوم البدنة، ويتصدق بقيمتها طعاما. ثم يصوم عن كل مد يوما. ولا يجب شئ على المرأة، بل


[ 374 ]

تأثم. وعلم من قولي بمسد نسك: أنه يبطل بوطئ، ومع ذلك يجب مضي في فاسده. (وقضاء فورا)، وإن كان نسكه نفلا، لانه – وإن كان وقته موسعا – تضيق عليه بالشروع فيه. والنفل من ذلك يصير بالشروع فيه فرضا: أي


[ 375 ]

واجب الاتمام كالفرض، بخلاف غيره من النفل. (تتمة) يسن لقاصد مكة، وللحاج – آكد – أن يهدي شيئا من النعم يسوقه من بلده، وإلا فيشتريه من الطريق ثم من مكة، ثم من عرفة، ثم من منى. وكونه سمينا حسنا، ولا يجب إلا بالنذر. (مهمات) يسن – متأكدا – لحر قادر، تضحية بذبح جذع ضأن له سنة، أو سقط سنه – ولو قبل تمامها – أو


[ 376 ]

ثني معز أو بقر لهما سنتان، أو إبل له خمس سنين بنية أضحية عند ذبح أو تعيين. وهي أفضل من الصدقة.


[ 377 ]

ووقتها من راتفاع شمس نحر إلى آخر أيام التشريق. ويجزئ سبع بقر أو إبل عن واحد، ولا يجزئ عجفاء ومقطوعة بعض ذنب أو أذن أبين – وإن قل – وذات عرج وعور ومرض بين، ولا يضر شق أذن، أو خرقها.


[ 378 ]

والمعتمد عدم إجزاء التضحية بالحامل – خلافا لما صححه ابن الرفعة -. ولو نذر التضحية بمعيبة أو صغيرة، أو قال: جعلتها أضحية، فإنه يلزم ذبحها، ولا تجزئ أضحية، وإن اختص ذبحها بوقت الاضحية، وجرت مجراها في الصرف. ويحرم الاكل من أضحية أو هدي وجبا بنذره. ويجب التصدق – ولو على فقير واحد – بشئ نيئا


[ 379 ]

– ولو يسيرا – من المتطوع بها. والافضل: التصدق بكله إلا لقما يتبرك بأكلها، وأن تكون من الكبد، وأن لا يأكل فوق ثلاث، والتصدق بجلدها. وله إطعام أغنياء – لا تمليكهم – ويسن أن يذبح الرجل بنفسه. وأن يشهدها من


[ 380 ]

وكل به. وكره – لمريدها – إزالة نحو شعر في عشر ذي الحجة وأيام التشريق حتى يضحي. ويندب لمن تلزمه


[ 381 ]

نفقة فرعه: أن يعق عنه من وضع إلى بلوغ، وهي كضحية، ولا يكسر عظم. والتصدق بمطبوخ يبعثه إلى


[ 382 ]

الفقراء: أحب من ندائهم إليها ومن التصدق نيئا. وأن يذبح سابع ولادته، ويسمى فيه، وإن مات قبله، بل يسن تسمية سقط بلغ زمن نفخ الروح. وأفضل الاسماء: عبد الله، وعبد الرحمن. ولا يكره اسم نبي، أو ملك، بل


[ 383 ]

جاء في التسمية بمحمد فضائل علية. ويحرم التسمية بملك الملوك، وقاضي القضاة، وحاكم الحكام. وكذا عبد النبي، وجار الله، والتكني بأبي القاسم.


[ 384 ]

وسن أن يحلق رأسه – ولو أنثى – في السابع، ويتصدق بزنته ذهبا، أو فضة، وأن يؤذن، ويقرأ سورة الاخلاص، وآية: * (إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) * بتأنيث الضمير – ولو في الذكر – في أذنه


[ 385 ]

اليمنى، ويقام في اليسرى عقب الوضع. وأن يحنكه رجل، فامرأة – من أهل الخير – بتمر، فحلو – لم تمسه النار – حين يولد. ويقرأ عندها – وهي تطلق – آية الكرسي و * (إن ربكم الله) * الآية، والمعوذتان، والاكثار من دعاء الكرب. قال شيخنا: أما قراءة سورة الانعام، إلى: * (رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * يوم يعق عن المولود، فمن مبتدعات العوام الجهلة، فينبغي الانكفاف عنها، وتحذير الناس منها – ما أمكن -. انتهى.


[ 386 ]

(فرع) يسن لكل أحد، الادهان غبا، والاكتحال بالاثمد وترا عند نومه، وخضب شيب رأسه ولحيته: بحمرة أو صفرة. ويحرم حلق لحية، وخضب يدي الرجل ورجليه بحناء، خلافا لجمع فيهما. وبحث الاذرعي


[ 387 ]

كراهة حلق ما فوق الحلقوم من الشعر. وقال غيره إنه مباح. ويسن الخضب للمفترشة، ويكره للخلية. ويحرم وشر الاسنان ووصل الشعر بشعر نجس، أو شعر آدمي، وربطه به – لا بخيوط الحرير، أو الصوف – ويستحب أن يكف الصبيان أول ساعة من الليل، وأن يغطي الاواني – ولو بنحو عود يعرض عليها – وأن يغلق الابواب مسميا الله فيهما، وأن يطفى المصابيح عند النوم.


[ 388 ]

(واعلم) أن ذبح الحيوان البري المقدور عليه بقطع كل حلقوم – وهو مخرج النفس – وكل مرئ – وهو مجرى الطعام تحت الحلقوم – بكل محدد يجرح غير عظم، وسن، وظفر – كحديد – وقصب، وزجاج،


[ 389 ]

وذهب، وفضة – يحرم ما مات بثقل ما أصابه من محدد أو غيره – كبندقة – وإن أنهر الدم وأبان الرأس أو ذبح بكال لا يقطع إلا بقوة الذابح، فلذا ينبغي الاسراع بقطع الحلقوم بحيث لا ينتهي إلى حركة المذبوح قبل تمام القطع. ويحل الجنين بذبح أمه إن مات في بطنها، أو خرج في حركة مذبوح، ومات حالا. أما غير المقدور عليه


[ 390 ]

بطيرانه أو شدة عدوه، وحشيا كان أو إنسيا كجمل، أو جدي – نفر شاردا، ولم يتيسر لحوقه حالا – وإن كان لو صبر سكن وقدر عليه – وإن لم يخف عليه نحو سارق – فيحل بالجرح المزهق بنحو سهم أو سيف في أي محل كان، ثم إن أدركه وبه حياة مستقرة، ذبحه – فإن تعذر ذبحه من غير تقصير منه حتى مات – كأن اشتغل بتوجيهه


[ 391 ]

للقبلة، أو سل السكين فمات قبل الامكان، حل، وإلا كأن لم يكن معه سكين، أو علق في الغمد بحيث تعسر إخراجه، فلا. ويحرم قطعا رمي الصيد بالبندق المعتاد الآن – وهو ما يصنع بالحديد ويرمى بالنار – لانه محرق مذفف سريعا غالبا. قال شيخنا: نعم، إن علم حاذق أنه إنما يصيب نحو جناح كبير: فيشقه فقط، احتمل الجواز. والرمي بالبندق المعتاد قديما – وهو ما يصنع من الطين – جائز – على المعتمد – خلافا لبعض المحقين.


[ 392 ]

وشرط الذابح أن يكون مسلما – أو كتابيا ينكح. ويسن أن يقطع الودجين – وهما عرقا صفحتي عنق وأن يحد شفرته، ويوجه ذبيحته لقبلة، وأن يكون الذابح رجلا عاقلا، فامرأة، فصبيا. ويقول – ندبا – عند الذبح،


[ 393 ]

وكذا عند رمي الصيد – ولو سمكا – وإرسال الجارحة: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد.


[ 394 ]

ويشترط في الذبيح – غير المريض – شيآن. أحدهما: أن يكون فيه حياة مستقرة أول ذبحه ولو ظنا، بنحو


[ 395 ]

شدة حركة بعده، ولو وحدها – على المعتمد – وانفجار دم، وتدفقه إذا غلب على الظن بقاؤها فيهما – فإن شك في استقرارها لفقد العلامات حرم. ولو جرح حيوان، أو سقط عليه نحو سيف أو عضه نحو هرة – فإن بقيت فيه حياة مستقرة فذبحه، حل. وإن تيقن هلاكه بعد ساعة، وإلا لم يحل – كما لو قطع بعد رفع السكين ولو لعذر،


[ 396 ]

ما بقي بعد انتهائها إلى حركة مذبوح. قال شيخنا في شرح المنهاج: وفي كلام بعضهم أنه لو رفع يده لنحو اضطرابه فأعادها فورا وأتم الذبح، حل، وقول بعضهم: لو رفع يده ثم أعادها لم يحل، مفرع على عدم الحياة المستقرة، عند إعادتها، أو محمول على ما إذا لم يعدها على الفور. ويؤيده إفتاء غير واحد فيما لو انفلتت شفرته فردها حالا، أنه يحل. انتهى. ولو انتهى لحركة مذبوح بمرض، وإن كان سببه أكل نبات مضر، كفى ذبحه في


[ 397 ]

آخر رمقه، إذ لم يوجد ما يحال عليه الهلاك من جرح أو نحوه. فإن وجد، كأن أكل نباتا يؤدي إلى الهلاك، اشترط فيه وجود الحياة المستقرة فيه عند ابتداء الذبح، ولو بالظن، بالعلامة المذكورة بعده. (فائدة) من ذبح تقريا لله تعالى لدفع شر الجن عنه لم يحرم، أو بقصدهم حرم. وثانيهما: كونه مأكولا – وهو من الحيوان البري: الانعام، والخيل، وبقر وحش، وحماره، وظبي،


[ 398 ]

وضبع، وضب، وأرنب، وثعلب، وسنجاب، وكل لقاط للحب. لا أسد، وقرد، وصقر، وطاوس، وحدأة،


[ 399 ]

وبوم، ودرة، وكذا غراب أسود ورمادي اللون، خلافا لبعضهم. ويكره جلالة – ولو من غير نعم – كدجاج إن


[ 400 ]

وجد فيها ريح النجاسة. ويحل أكل بيض غير المأكول، خلافا لجمع. ويحرم من الحيوان البحري: ضفدع، وتمساح، وسلحفاة، وسرطان. لا قرش، ودنليس على الاصح فيهما. قال في المجموع: الصحيح المعتمد أن


[ 401 ]

جميع ما في البحر يحل ميتته إلا الضفدع، ويؤيده نقل ابن الصباغ عن الاصحاب حل جميع ما فيه، إلا الضفدع.


[ 402 ]

ويحل أكل ميتة الجراد والسمك – إلا ما تغير في جوف غيره، ولو في صورة كلب أو خنزير. ويسن ذبح


[ 403 ]

كبيرهما الذي يطول بقاؤه. ويكره ذبح صغيرهما، وأكل مشوي سمك قبل تطييب جوفه، وما أنتن منه – كاللحم – وقلي حي في دهن مغلي. وحل أكل دود نحو الفاكهة – حيا كان أو ميتا – بشرط أن لا ينفرد عنه، وإلا لم يحل أكله، ولو معه – كنمل السمن – لعدم تولده منه – على ما قاله الرداد – خلافا لبعض أصحابنا.


[ 404 ]

ويحرم كل جماد مضر لبدن أو عقل – كحجر، وتراب، وسم – وإن قل، إلا لمن لا يضره – ومسكر، ككثير أفيون، وحشيش، وبنج. (فائدة) أفضل المكاسب الزراعة، ثم الصناعة، ثم التجارة. قال جمع: هي أفضلها – ولا تحرم معاملة


[ 405 ]

من أكثر ماله حرام، ولا الاكل منها – كما صححه في المجموع -. وأنكر النووي قول الغزالي بالحرمة، مع أنه تبعه في شرح مسلم. ولو عم الحرام الارض جاز أن يستعمل منه ما تمس حاجته إليه، دون ما زاد. هذا إن توقع معرفة أربابه. وإلا صار لبيت المال، فيأخذ منه بقدر ما يستحقه فيه – كما قاله شيخنا. (فرع) نذكر فيه ما يجب على المكلف بالنذر. وهو قربة – على ما اقتضاه كلام الشيخين، وعليه كثيرون –


[ 406 ]

بل بالغ بعضهم، فقال: دل على ندبه الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس. وقيل مكروه، للنهي عنه. وحمل الاكثرون النهي على نذر اللجاج، فإنه تعليق قربة بفعل شئ أو تركه – كإن دخلت الدار، أو إن لم أخرج منها،


[ 407 ]

فلله علي صوم أو صدقة بكذا. فيتخير – من دخلها أو لم يخرج – بين ما التزمه وكفارة يمين. ولا يتعين الملتزم – ولو حجا -. والفرع: ما اندرج تحت أصل كلي. (النذر: التزام) مسلم، (مكلف) رشيد: (قربة لم تتعين) – نفلا كانت أو فرض كفاية – كإدامة وتر، وعيادة مريض، وزيادة رجل قبرا، وتزوج حيث سن – خلافا لجمع – وصوم أيام البيض، والاثانين. فلو وقعت في


[ 408 ]

أيام التشريق أو الحيض، أو النفاس، أو المرض، لم يجب القضاء – وكصلاة جنازة، وتجهيز ميت. ولو نذر صوم يوم بعينه، لم يصم قبله، فإن فعل أثم – كتقديم الصلاة على وقتها المعين – ولا يجوز تأخيره عنه – كهي – بلا عذر، فإن فعل صح، وكان قضاء. ولو نذر صوم يوم خميس ولم يعين، كفاه أي خميس. ولو نذر صلاة: فيجب ركعتان بقيام قادر. أو صوما: فصوم يوم أو صوم أيام فثلاثة. أو صدقة، فمتمول،


[ 409 ]

ويجب صرفه لحر مسكين – ما لم يعين شخصا أو أهل بلد – وإلا تعين صرفه له. ولا يتعين لصوم وصلاة مكان عينه، ولا لصدقة زمان عينه. وخرج بالمسلم، المكلف: الكافر والصبي، والمجنون – فلا يصح نذرهم – كنذر السفيه -، وقيل يصح من الكافر. وبالقربة: المعصية – كصوم أيام التشريق


[ 410 ]

وصلاة لا سبب لها في وقت مكروه – فلا ينعقدان -. وكالمعصية: المكروه – كالصلاة عند القبر. والنذر لاحد أبويه أو أولاده فقط. وكذا المباح: كلله علي أن آكل أو أنام. وإن قصد تقوية على العبادة، أو النشاط لها – ولا


[ 411 ]

كفارة في المباح، على الاصح. وبلم تتعين: ما تعين عليه من فعل واجب عيني كمكتوبة وأداء ربع عشر مال تجارة وكترك محرم وإنما ينعقد النذر من المكلف (بلفظ منجز) بأن يلتزم قربة به من غير تعليق بشأ – وهذا نذر تبرر (كلله على كذا) من صلاة أو صوم أو نسك أو صدقة أو قراء أو اعتكاف (أو علي كذا) وإن لم يقل لله (أو نذرت كذا) وإن لم يذكر معها لله على المعتمد الذي صرح به البغوي وغيره من اضطراب طويل (أو) بلفظ (معلق) ويسمى نذر مجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة ما يرغب في حصوله من حدوث


[ 412 ]

نعمة أو اندفاع نقمة (كان شفاني الله أو سلمني الله فعلى كذا) أو ألزمت نفسي أو واجب على كذا وخرج بلفظ النية فلا يصح بمجرد النية كسائر العقود إلا باللفظ. وقيل يصح بالنية وحدها، (فيلزم) عليه (ما التزمه حالا في منجز وعند وجود صفة في معلق). وظاهر كلامهم أنه يلزمه الفور بأدائه عقب وجود المعلق عليه – خلافا لقضية كلام ابن عبد السلام – ولا يشترط قبول المنذور له في قسمي النذر ولا القبض، بل يشترط عدم رده.


[ 413 ]

ويصح النذر بما في ذمة المدين – ولو مجهولا – فيبرأ حالا، وإن لم يقبل – خلافا للجلال البلقيني – ولو نذر لغير أحد أصليه أو فروعه من ورثته بماله قبل مرض موته بيوم ملكه كله من غير مشارك، لزوال ملكه عنه، ولا يجوز للاصل الرجوع فيه. وينعقد معلقا في نحو: إذا مرضت فهو نذر قبل مرضي بيوم، وله التصرف قبل حصول المعلق عليه.


[ 414 ]

ويلغو قوله: متى حصل لي الامر الفلاني أجئ لك بكذا – ما لم يقترن به لفظ التزام، أو نذر. وأفتى جمع فيمن أراد أن يتبايعا فاتفقا على أن ينذر كل للآخر بمتاعه، ففعلا، صح، وإن زاد المبتدئ: إن نذرت لي بمتاعك. وكثيرا ما يفعل ذلك فيما لا يصح بيعه ويصح نذره. ويصح إبراء المنذور له الناذر – عما في ذمته. قال القاضي: ولا يشترط معرفة الناذر ما نذر به – كخمس ما


[ 415 ]

يخرج له مع معشر، وككل ولد، أو ثمرة يخرج من أمتي أو شجرتي هذه -. وذكر أيضا أنه لا زكاة في الخمس المنذور. وقال غيره: محله إن نذر قبل الاشتداد، ويصح النذر للجنين – كالوصية له، بل أولى، لا للميت – إلا لقبر الشيخ الفلاني، وأراد به قربة. ثم: كإسراج ينتفع به، أو اطرد عرف – فيحمل النذر له على ذلك. ويقع لبعض العوام: جعلت هذا للنبي (ص) فيصح – كما بحث – لانه اشتهر في عرفهم للنذر، ويصرف لمصالح الحجرة النبوية. قال السبكي: والاقرب عندي في الكعبة والحجرة الشريفة والمساجد الثلاثة، أن من خرج من ماله عن شئ لها واقتضى العرف صرفه في جهة من جهاتها: صرف إليها واختصت به. اه‍. قال


[ 416 ]

شيخنا: فإن لم يقتض العرف شيئا، فالذي يتجه أنه يرجع في تعيين المصرف رأي ناظرها. قال: وظاهر أن الحكم كذلك في النذر لمسجد غيرها. انتهى. وأفتى بعضهم في، إن قضى الله حاجتي فعلي للكعبة كذا، بأنه غيرها. انتهى يتعين لمصالحها، ولا يصرف لفقراء الحرم – كما دل عليه كلام المهذب وصرح به جمع متأخرون. ولو نذر شيئا للكعبة ونوى صرفه لقربة معينة – كالاسراج – تعين صرفه فيها، إن احتيج لذلك، وإلا بيع، وصرف لمصالحها – كما استظهره شيخنا -. ولو نذر


[ 417 ]

إسراج نحو شمع أو زيت بسمجد، صح – إن كان ثم من ينتفع به، ولو على ندور – وإلا فلا. ولو نذر إهداء منقول إلى مكة، لزمه نقله، والتصدق بعينه على فقراء الحرم ما لم يعين قربة أخرى – كتطييب الكعبة – فيصرفه إليها. وعلى الناذر مؤنة إيصال الهدي إلى الحرم – فإن كان معسرا، باع بعضه لنقل الباقي. فإن


[ 418 ]

تعسر نقله – كعقار، أو حجر رحى – باعه، ولو بغير إذن حاكم، ونقل ثمنه، وتصدق به على فقراء الحرم. وهل له إمساكه بقيمته أو لا ؟ وجهان. ولو نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة، أجزأ بعضها عن بعض – كالاعتكاف – ولا يجزئ ألف صلاة في غير مسجد المدينة عن صلاة نذرها فيه، كعكسه – كما لا يجزئ قراءة الاخلاص عن ثلث القرآن المنذور. ومن نذر إتيان سائر المساجد وصلاة التطوع فيه، صلى حيث شاء، ولو في بيته.


[ 419 ]

ولو نذر التصدق بدرهم لم يجزئ عنه جنس آخر. ولو نذر التصدق بمال بعينه، زال عن ملكه. فلو قال: علي أن أتصدق بعشرين دينارا وعينها على فلان، أو إن شفي مريضي فعلي ذلك: ملكها – وإن لم يقبضها ولا قبلها، بل وإن رد، فله التصرف فيها، وينعقد حول زكاتها من حين النذر. وكذا إن لم يعينها ولم يردها المنذور له فتصير دينا له عليه ويثبت لها أحكام الديون من زكاة وغيرها. ولو تلف المعين لم يضمنه، إلا أن قصر – على ما استظهره شيخنا -. ولو نذر أن يعمر مسجدا معينا أو في موضع معين، لم يجز له أن يعمر غيره بدلا عنه، ولا


[ 420 ]

في موضع آخر. كما لو نذر التصدق بدرهم فضة لم يجز التصدق بدله بدينار لاختلاف الاغراض. (تتمة) اختلف جمع من مشايخ شيوخنا في نذر مقترض مالا معينا لمقرضه ما دام دينه في ذمته فقال بعضهم لا يصح، لانه على هذا الوجه الخاص غير قربة، بل يتوصل به إلى ربا النسيئة. وقال بعضهم يصح، لانه في مقابلة حدوث نعمة ربح القرض إن اتجر به، أو فيه اندفاع نقمة المطالبة إن احتاج لبقائه في ذمته لاعسار أو


[ 421 ]

إنفاق، ولانه يسن للمقترض أن يرد زيادة عما اقترضه فإذا التزمها بنذر انعقد، ولزمته، فهو حينئذ مكافأة إحسان، لا وصلة للربا، إذ هو لا يكون إلا في عقد كبيع، ومن ثم لو شرط عليه النذر في عقد القرض، كان ربا. وقال شيخ مشايخنا العلامة المحقق الطنبداوي، فيما إذا نذر المديون للدائن منفعة الارض المرهونة مدة بقاء الدين في ذمته: والذي رأيته لمتأخري أصحابنا اليمنيين ما هو صريح في الصحة، وممن أفتى بذلك شيخ الاسلام محمد بن حسين القماط والعلامة الحسين بن عبد الرحمن الاهدل. (والله أعلم).


v\:* {behavior:url(#default#VML);}
o\:* {behavior:url(#default#VML);}
w\:* {behavior:url(#default#VML);}
.shape {behavior:url(#default#VML);}
<!– /* Font Definitions */ @font-face {font-family:Tahoma; panose-1:2 11 6 4 3 5 4 4 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:swiss; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:1627421319 -2147483648 8 0 66047 0;} @font-face {font-family:Verdana; panose-1:2 11 6 4 3 5 4 4 2 4; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:swiss; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:536871559 0 0 0 415 0;} @font-face {font-family:Traditional; panose-1:0 0 0 0 0 0 0 0 0 0; mso-font-alt:”Times New Roman”; mso-font-charset:0; mso-generic-font-family:roman; mso-font-format:other; mso-font-pitch:auto; mso-font-signature:0 0 0 0 0 0;} /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-parent:””; margin:0cm; margin-bottom:.0001pt; text-align:right; mso-pagination:widow-orphan; direction:rtl; unicode-bidi:embed; font-size:12.0pt; font-family:”Times New Roman”; mso-fareast-font-family:”Times New Roman”; mso-bidi-language:HI;} @page Section1 {size:595.3pt 841.9pt; margin:72.0pt 90.0pt 72.0pt 90.0pt; mso-header-margin:35.4pt; mso-footer-margin:35.4pt; mso-paper-source:0; mso-gutter-direction:rtl;} div.Section1 {page:Section1;} –>
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Table Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

المليباري الهندي ج 2


[ 3 ]

فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين لزين الدين بن عبد العزيز المليباري الفناني الجزء الثاني دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع


[ 4 ]

جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الاولى 1418 ه‍ / 1997 م حارة حربك – شارع عبدالنور – برقيا: فكسي – صحب 7061 / 11 تلفون: 838305 / 838202 / 838136 فاكس 009611837898 دولي: 009611860962


[ 5 ]

” من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ” ” حديث شريف ” بسم الله الرحمن الرحيم فصل في صلاة بالجماعة (1)


[ 6 ]

وشرعت بالمدينة. وأقلها إمام ومأموم، وهي في الجمعة، ثم في صبحها، ثم الصبح، ثم العشاء، ثم العصر، ثم الظهر، ثم المغرب أفضل. (صلاة الجماعة في أداء مكتوبة) لا جمعة (سنة مؤكدة) للخبر المتفق عليه: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. والافضلية تقتضي الندبية فقط، وحكمة


[ 7 ]

السبع والعشرين: أن فيها فوائد تزيد على صلاة الفذ بنحو ذلك. وخرج بالاداء القضاء. نعم، إن اتفقت مقضية الامام والمأموم سنت الجماعة، وإلا فخلاف الاولى، كأداء خلف قضاء، وعكسه، وفرض خلف نفل، وعكسه، وتراويح خلف وتر، وعكسه. وبالمكتوبة: المنذورة، والنافلة، فلا تسن فيهما الجماعة، ولا تكره. قال النووي: والاصح أنها فرض كفاية للرجال البالغين الاحرار المقيمين في المؤاداة فقط، بحيث يظهر شعارها


[ 8 ]

بمحل إقامتها، وقيل إنها فرض عين – وهو مذهب أحمد – وقيل شرط لصحة الصلاة، ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال، فلذلك يكره تركها لهم، لا لهن. والجماعة في مكتوبة – لذكر – بمسجد أفضل، نعم، إن وجدت في بيته فقط فهو أفضل، وكذا لو كانت فيه أكثر منها في المسجد – على ما اعتمده الاذرعي وغيره -. قال شيخنا: والاوجه خلافه، ولو تعارضت فضيلة الصلاة في المسجد والحضور خارجه: قدم – فيما يظهر – لان الفضيلة


[ 9 ]

المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها أو زمانها، والمتعلقة بزمانها أولى من المتعلقة بمكانها. وتسن إعادة المكتوبة بشرط أن تكون في الوقت، وأن لا تزاد في إعادتها على مرة – خلافا لشيخ شيوخنا أبي


[ 10 ]

الحسن البكري رحمه الله تعالى – ولو صليت الاولى جماعة مع آخر ولو واحدا، إماما كان أو مأموما، في الاولى أو الثانية، بنية فرض. وإن وقعت نفلا فينوي إعادة الصلاة المفروضة. واختار الامام أن ينوي الظهر أو العصر


[ 11 ]

مثلا ولا يتعرض للفرض، ورجحه في الروضة، لكن الاول مرجح الاكثرين، والفرض الاولى، ولو بان فساد الاولى لم تجزئه الثانية – على ما اعتمده النووي وشيخنا، خلافا لما قاله شيخه زكريا، تبعا للغزالي وابن العماد – أي إذا نوي بالثانية الفرض (وهي بجمع كثير أفضل) منها في جمع قليل، للخبر الصحيح: وما كان أكثر، فهو أحب إلى الله تعالى (إلا لنحو بدعة إمامه) أي الكثير: كرافضي، وفاسق، ولو بمجرد التهمة. فالاقل جماعة


[ 12 ]

– بل الانفراد – أفضل، كذا قاله شيخنا تبعا لشيخه زكريا – رحمهما الله تعالى -. وكذا لو كان لا يعتقد وجوب بعض الاركان أو الشروط، وإن أتى بها، لانه يقصد بها النفلية، وهو مبطل عندنا. (أو) كون القليل بمسجد متيقن حل أرضه، أو مال بانيه، أو (تعطل مسجد) قريب أو بعيد (منها) – أي الجماعة – بغيبته عنه لكونه إمامه، أو يحضر الناس بحضوره، فقليل الجمع في ذلك أفضل من كثيره في غيره. بل بحث بعضهم أن الانفراد بالمتعطل عن الصلاة فيه بغيبته أفضل، والاوجه خلافه. ولو كان إمام القليل أولى بالامامة – لنحو علم – كان


[ 13 ]

الحضور عنده أولى. ولو تعارض الخشوع والجماعة فهي أولى. كما أطبقوا عليه حيث قالوا: إن فرض الكفاية أفضل من السنة. وأفتى الغزالي، وتبعه أبو الحسن البكري في شرحه الكبير على المنهاج بأولوية الانفراد لمن لا يخشع مع الجماعة في أكثر صلاته. قال شيخنا: وهو كذلك، إن فات في جميعها. وإفتاء ابن عبد السلام بأن الخشوع أولى مطلقا إنما يأتي على قول أن الجماعة سنة. ولو تعارض فضيلة سماع القرآن من الامام مع قلة الجماعة وعدم سماعه مع كثرتها، كان الاول أفضل. ويجوز لمنفرد أن ينوي اقتداء بإمام أثناء صلاته، وإن اختلفت ركعتهما لكن يكره ذلك له، دون مأموم خرج من الجماعة لنحو حدث إمامه فلا يكره له الدخول في


[ 14 ]

جماعة أخرى. فإذا اقتدى في الاثناء لزمه موافقة الامام. ثم إن فرغ أولا كمسبوق، وإلا فانتظاره أفضل. وتجوز المفارقة بلا عذر، مع الكراهة، فتفوت فضيلة الجماعة. والمفارقة بعذر: كمرخص ترك جماعة، وتركه سنة مقصودة كتشهد أول، وقنوت، وسورة، وتطويله وبالمأموم ضعف أو شغل لا تفوت فضيلتها. وقد تجب المفارقة، كأن عرض مبطل لصلاة إمامه وقد علمه فيلزمه نيتها فورا وإلا بطلت، وإن لم يتابعه اتفاقا، كما في المجموع. (وتدرك جماعة) في غير جمعة، أي فضيلتها، للمصلي (ما لم يسلم إمام) أي لم ينطق بميم عليكم


[ 15 ]

في التسليمة الاولى، وإن لم يقعد معه بأن سلم عقب تحرمه لادراكه ركنا معه، فيحصل له جميع ثوابها وفضلها، لكنه دون فضل من أدركها كلها. ومن أدرك جزءا من أولها، ثم فارق بعذر أو خرج الامام بنحو حدث، حصل له فضل الجماعة. أما الجمعة، فلا تدرك إلا بركعة – كما يأتي – ويسن لجمع حضروا والامام قد فرغ من الركوع الاخير أن يصبروا إلى أن يسلم ثم يحرموا – ما لم يضق الوقت -. وكذا لمن سبق ببعض الصلاة ورجا جماعة


[ 16 ]

يدرك معهم الكل. لكن قال شيخنا إن محله ما لم يفت بانتظارهم فضيلة أول الوقت، أو وقت الاختيار، سواء في ذلك الرجاء واليقين. وأفتى بعضهم بأنه لو قصدها فلم يدركها كتب له أجرها، لحديث فيه. (و) تدرك فضيلة (تحرم) مع إمام (بحضوره) – أي المأموم – التحرم (واشتغال به عقب تحرم إمامه) من غير تراخ، فإن لم يحضره أو تراخى فاتته فضيلته. نعم، يغتفر له وسوسة خفيفة وإدراك تحرم الامام فضيلة مستقلة مأمور بها لكونه صفوة الصلاة، ولان ملازمه أربعين يوما يكتب له براءة من النار وبراءة من النفاق – كما في الحديث – وقيل: يحصل فضيلة التحرم بإدراك بعض القيام. ويندب ترك الاسراع وإن خاف فوت التحرم، وكذا الجماعة


[ 17 ]

– على الاصح – إلا في الجمعة، فيجب طاقته إن رجا إدراك التحرم قبل سلام الامام. ويسن لامام ومنفرد انتظار داخل محل الصلاة مريدا الاقتداء به في الركوع والتشهد الاخير لله تعالى – بلا تطويل -، وتمييز بين الداخلين،


[ 18 ]

ولو لنحو علم. وكذا في السجدة الثانية ليلحق موافق تخلف لاتمام فاتحة، لا خارج عن محلها، وأن صغر المسجد، ولاداخل يعتاد البطء. وتأخير الاحرام إلى الركوع، بل يسن عدمه زجرا له. قال الفوراني: يحرم الانتظار للتودد، ويسن للامام تخفيف الصلاة مع أبعاض وهيئات بحيث لا يقتصر على الاقل، ولا يستوفي الاكمل، إلا أن رضي بتطويله محصورون. وكره له تطويل، وإن قصد لحوق آخرين. ولو رأى مصل نحو


[ 19 ]

حريق خفف، وهل يلزم أم لا ؟ وجهان، والذي يتجه أنه يلزمه لانقاذ حيوان محترم، ويجوز له لانقاذ نحو مال كذلك، ومن رأى حيوانا محترما يقصده ظالم أو يغرق لزمه تخليصه وتأخير صلاة، أو إبطالها إن كان فيها، أو مالا جاز له ذلك. وكره له تركه. وكره ابتداء نفل بعد شروع المقيم في الاقامة، ولو بغير إذن الامام، فإن كان فيه


[ 20 ]

أتمه، إن لم يخش بإتمامه فوت جماعة، وإلا قطعه ندبا ودخل فيها، ما لم يرج جماعة أخرى. (و) تدرك (ركعة) لمسبوق أدرك الامام راكعا بأمرين: (بتكبيرة) الاحرام، ثم أخرى لهوي، فإن اقتصر على تكبيرة اشترط أن يأتي بها (لاحرام) فقط، وأن يتمها قبل أن يصير إلى أقل الركوع، وإلا لم تنعقد إلا لجاهل فتنعقد له نفلا، بخلاف ما لو نوى الركوع وحده، لخلوها عن التحرم، أو مع التحرم للتشريك، أو أطلق لتعارض قرينتي الافتتاح


[ 21 ]

والهوي، فوجبت نية التحرم لتمتاز عما عارضها من تكبيرة الهوي. (و) بإدراك (ركوع محسوب) للامام وإن قصر المأموم فلم يحرم إلا وهو راكع. وخرج بالركوع غيره، كالاعتدال وبالمحسوب غيره كركوع محدث، ومن في ركعة زائدة. ووقع للزركشي في قواعده، ونقله العلامة أبو المسعود وابن ظهيرة في حاشية المنهاج: أنه يشترط أيضا أن يكون الامام أهلا للتحمل، فلو كان الامام صبيا لم يكن مدركا للركعة، لانه ليس أهلا للتحمل. (تام) بأن يطمئن قبل ارتفاع الامام عن أقل الركوع، وهو بلوغ راحتيه ركبتيه (يقينا)، فلو لم يطمئن فيه قبل


[ 22 ]

ارتفاع الامام منه، أو شك في حصول الطمأنينة، فلا يدرك الركعة، ويسجد الشاك للسهو – كما في المجموع – لانه شاك بعد سلام الامام في عدد ركعاته، فلا يتحمل عنه. وبحث الاسنوي وجوب ركوع أدرك به ركعة في الوقت. (ويكبر) ندبا (مسبوق انتقل معه) لانتقاله، فلو أدركه معتدلا كبر للهوي وما بعده، أو ساجدا مثلا – غير سجدة تلاوة – لم يكبر للهوي إليه، ويوافقه – ندبا – في ذكر ما أدركه فيه من تحميد، وتسبيح، وتشهد، ودعاء، وكذا صلاة على الآل، ولو في تشهد المأموم الاول. قاله شيخنا. (و) يكبر مسبوق للقيام (بعد سلاميه إن كان)


[ 23 ]

المحل الذي جلس معه فيه (موضع جلوسه) لو انفرد، كأن أدركه في ثالثة رباعية، أو ثانية مغرب، وإلا لم يكبر للقيام، ويرفع يديه تبعا لامامه القائم من تشهده الاول، وإن لم يكن محل تشهده، ولا يتورك في غير تشهده الاخير. ويسن له أن لا يقوم إلا بعد تسليمتي الامام. وحرم مكث بعد تسليمتيه – إن لم يكن محل جلوسه – فتبطل صلاته به إن تعمد وعلم تحريمه. ولا يقوم قبل سلام الامام، فإن تعمده بلا نية مفارقة بطلت. والمراد مفارقة حد القعود، فإن سها أو جهل لم يعتد بجميع ما أتى به حتى يجلس، ثم يقوم بعد سلام الامام. ومتى


[ 24 ]

علم ولم يجلس بطلت صلاته. وبه فارق من قام عن إمامه في التشهد الاول عامدا، فإنه يعتد بقراءته قبل قيام الامام لانه لا يلزمه العود إليه، (وشرط لقدوة) شروط منها: (نية اقتداء، أو جماعة)، أو ائتمام بالامام الحاضر،


[ 25 ]

أو الصلاة معه، أو كونه مأموما (مع تحرم) أي يجب أن تكون هذه النية مقترنة مع التحرم. وإذا لم تقترن نية نحو الاقتداء بالتحرم لم تنعقد الجمعة، لاشتراط الجماعة فيها، وتنعقد غيرها فرادى. فلو ترك هذه النية، أو شك فيها، وتابع مصليا في فعل، كأن هوى للركوع متابعا له، أو في سلام بأن قصد ذلك من غير اقتداء به وطال عرفا انتظاره له، بطلت صلاته. (ونية إمامة) أو جماعة (سنة لامام في غير جمعة) لينال فضل الجماعة،


[ 26 ]

وللخروج من خلاف من أوجبها. وتصح نيتها مع تحرمه وإن لم يكن خلفه أحد، إن وثق بالجماعة على الاوجه، لانه سيصير إماما، فإن لم ينو، ولو لعدم علمه بالمقتدين، حصل لهم الفضل دونه، وإن نواه في الاثناء، حصل له الفضل من حينئذ، أما في الجمعة فتلزمه مع التحرم. (و) منها: (عدم تقدم) في المكان يقينا


[ 27 ]

(على إمام – بعقب) وإن تقدمت أصابعه. أما الشك في التقدم فلا يؤثر ولا يضر مساواته، لكنها مكروهة. (وندب وقوف ذكر) ولو صبيا لم يحضر غيره، (عن يمين الامام) وإلا سن له تحويله – للاتباع – (متأخر) عنه (قليلا)، بأن تتأخر أصابعه عن عقب إمامه. وخرج بالذكر الانثى، فتقف خلفه، مع مزيد تأخر. (فإن جاء) ذكر


[ 28 ]

(آخر، أحرم عن يساره)، ويتأخر قليلا، (ثم) بعد إحرامه (تأخرا) عنه ندبا، في قيام أو ركوع، حتى يصيرا صفا وراءه. (و) وقوف (رجلين) جاءا معا (أو رجال) قصدوا الاقتداء بمصل (خلفه) صفا، (و) ندب وقوف (في صف أول) وهو ما يلي الامام، وإن تخلله منبر أو عمود، (ثم ما يليه) وهكذا. وأفضل كل صف يمينه. ولو ترادف


[ 30 ]

يمين الامام والصف الاول قدم – فيما يظهر – ويمينه أولى من القرب إليه في يساره، وإدراك الصف الاول أولى من إدراك ركوع غير الركعة الاخيرة. أما هي: فإن فوتها قصد الصف الاول فإدراكها أولى من الصف الاول. (وكره) لمأموم (انفراد) عن الصف الذي من جنسه إن وجد فيه سعة، بل يدخله. (وشروع في صف قبل إتمام


[ 31 ]

ما قبله) من الصف، ووقوف الذكر الفرد عن يساره، ووراءه، ومحاذيا له، ومتأخرا كثيرا. وكل هذه تفوت فضيلة الجماعة – كما صرحوا به -. ويسن أن لا يزيد ما بين كل صفين والاول والامام على ثلاثة أذرع. ويقف خلف


[ 32 ]

الامام الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء. ولا يؤخر الصبيان للبالغين، لاتحاد جنسهم، (و) منها: (علم بانتقال إمام) برؤية له، أو لبعض صف، أو سماع لصوته، أو صوت مبلغ ثقة، (و) منها (اجتماعهما) أي الامام


[ 33 ]

والمأموم (بمكان) كما عهد عليه الجماعات في العصر الخالية، (فإن كانا بمسجد) ومنه جداره ورحبته، وهي ما خرج عنه، لكن حجر لاجله، سواء أعلم وقفيتها مسجد أو جهل أمرها، عملا بالظاهر، وهو التحويط، لكن ما لم


[ 34 ]

يتيقن حدوثها بعده، وأنها غير مسجد لا حريمه، وهو موضع اتصل به وهيئ لمصلحته، كانصباب ماء، ووضع نعال – (صح الاقتداء) وإن زادت المسافة بينهما على ثلثمائة ذراع، أو اختلفت الابنية، بخلاف من ببناء فيه لا ينفذ بابه إليه: سمر، أو كان سطحا لا مرقى له منه، فلا تصح القدوة، إذ لا اجتماع حينئذ – كما لو وقف من وراء شباك بجدار المسجد ولا يصل إليه إلا بازورار أو انعطاف بأن ينحرف عن جهة القبلة لو أراد الدخول إلى


[ 35 ]

الامام. (ولو كان أحدهما فيه) أي المسجد (والآخر خارجه شرط) مع قرب المسافة بأن لا يزيد ما بينهما على ثلثمائة ذراع تقريبا (عدم حائل) بينهما يمنع مرورا أو رؤية، (أو وقوف واحد) من المأمومين (حذاء منفذ) في الحائل إن كان، كما إذا كانا ببناءين، كصحن وصفة من دار، أو كان أحدهما ببناء والآخر بفضاء، فيشترط أيضا هنا ما مر. فإن حال ما يمنع مرورا كشباك، أو رؤية كباب مردود وإن لم تغلق ضبته، لمنعه المشاهدة، وإن لم يمنع الاستطراق. ومثله الستر المرخى. أو لم يقف أحد حذاء منفذ، لم يصح الاقتداء فيهما. وإذا وقف واحد


[ 36 ]

من المأمومين حذاء المنفذ حتى يرى الامام أو بعض من معه في بنائه، فحينئذ تصح صلاة من بالمكان الآخر، تبعا لهذا المشاهد، فهو في حقهم كالامام، حتى لا يجوز عليه في الموقف والاحرام، ولا بأس بالتقدم عليه في الافعال، ولا يضرهم بطلان صلاته بعد إحرامهم على الاوجه، كرد الريح الباب أثناءها، لانه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. (فرع) لو وقف أحدهما في علو والآخر في سفل، اشترط عدم الحيلولة، لا محاذاة قدم الاعلى رأس


[ 37 ]

الاسفل، وإن كانا في غير مسجد. على ما دل عليه كلام الروضة وأصلها والمجموع – خلافا لجمع متأخيرين. ويكره ارتفاع أحدهما على الآخر بلا حاجة، ولو في المسجد. (و) منها (موافقة في سنن تفحش مخالفة فيها) فعلا أو تركا، فتبطل صلاة من وقعت بينه وبين الامام مخالفة في سنة، كسجدة تلاوة فعلها الامام وتركها المأموم عامدا عالما بالتحريم، وتشهد أول فعله الامام وتركه المأموم، أو تركه الامام، وفعله المأموم عامدا عالما، وإن لحقه على القرب، حيث لم يجلس الامام للاستراحة لعدوله عن فرض المتابعة إلى سنة. أما إذا لم تفحش المخالفة فيها فلا يضر الاتيان بالسنة، كقنوت أدرك – مع


[ 38 ]

الاتيان به – الامام في سجدته الاولى. وفارق التشهد الاول بأنه فيه أحدث قعودا لم يفعله الامام، وهذا إنما طول ما كان فيه الامام، فلا فحش، وكذا لا يضر الاتيان بالتشهد الاول إن جلس إمامه للاستراحة، لان الضار إنما هو إحداث جلوس لم يفعله الامام، وإلا لم يجز، وأبطل صلاة العالم العامد، ما لم ينو مفارقته، وهو فراق بعذر، فيكون أولى. وإذا لم يفرغ المأموم منه مع فراغ الامام جاز له التخلف لاتمامه، بل ندب إن علم أنه يدرك الفاتحة بكمالها قبل ركوع الامام، لا التخلف لاتمام سورة، بل يكره، إذا لم يلحق الامام في الركوع. (و) منها (عدم تخلف عن إمام بركنين فعليين) متواليين تامين (بلا عذر مع تعمد وعلم) بالتحريم، وإن لم يكونا طويلين. فإن تخلف بهما بطلت صلاته لفحش المخالفة، كأن ركع الامام، واعتدل وهوي للسجود – أي


[ 39 ]

زال من حد القيام – والمأموم قائم. وخرج بالفعليين القوليان، والقولي والفعلي (و) عدم تخلف عنه معهما (بأكثر من ثلاثة أركان طويلة)، فلا يحسب منها الاعتدال والجلوس بين السجدتين (بعذر أوجبه) أي اقتضى


[ 40 ]

وجوب ذلك التخلف، (كإسراع إمام قراءة) والمأموم بطئ القراءة لعجز خلقي، لا لوسوسة أو الحركات. (وانتظام مأموم سكتته) أي سكتة الامام ليقرأ فيها الفاتحة، فركع عقبها، وسهوه عنها حتى ركع الامام. وشكه فيها قبل ركوعه. أما التخلف لوسوسة، بأن كان يردد الكلمات من غير موجب فليس بعذر. قال شيخنا: ينبغي في ذي وسوسة صارت كالخلقية – بحيث يقطع كل من رآه أنه لا يمكنه تركها – أن يأتي فيه ما في بطئ الحركة،


[ 41 ]

فيلزم المأموم في الصور المذكورة إتمام الفاتحة، ما لم يتخلف بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، وإن تخلف مع عذر بأكثر من الثلاثة بأن لا يفرغ من الفاتحة إلا والامام قائم عن السجود أو جالس للتشهد (فليوافق) إمامه، وجوبا (في) الركن (الرابع) وهو القيام، أو الجلوس للتشهد، ويترك ترتيب نفسه، (ثم يتدارك) بعد سلام الامام ما بقي عليه، فإن لم يوافقه في الرابع، مع علمه بوجوب المتابعة ولم ينو المفارقة بطلت صلاته، إن علم وتعمد. وإن


[ 42 ]

ركع المأموم مع الامام فشك هل قرأ الفاتحة، أو تذكر أنه لم يقرأها ؟ لم يجز له العود إلى القيام، وتدارك بعد سلام الامام ركعة. فإن عاد عالما عامدا بطلت صلاته، وإلا فلا. فلو تيقن القراءة وشك في إكمالها فإنه لا يؤثر. (ولو اشتغل مسبوق) وهو من لم يدرك من قيام الامام، قدرا يسع الفاتحة بالنسبة إلى القراءة المعتدلة وهو ضد الموافق. ولو شك هل أدرك زمنا يسعها ؟ تخلف لا تمامها، ولا يدرك الركعة ما لم يدركه في الركوع (بسنة) كتعوذ، وافتتاح، أو لم يشتغل بشئ، بأن سكت زمنا بعد تحرمه وقبل قراءته، وهو عالم بأن واجبه الفاتحة. أو


[ 43 ]

استمع قراءة الامام (قرأ) – وجوبا – من الفاتحة بعد ركوع الامام، سواء أعلم أنه يدرك الامام قبل رفعه من سجوده أم لا – على الاوجه. (قدرها) حروفا في ظنه، أو قدر زمن من سكوته لتقصيره بعدوله عن فرض إلى غيره. (وعذر) من تخلف لسنة، كبطء القراءة – على ما قاله الشيخان، كالبغوي – لوجوب التخلف، فيتخلف ويدرك الركعة، ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان، خلافا لما اعتمده جمع محققون من كونه غير معذور لتقصيره


[ 44 ]

بالعدول المذكور. وجزم به شيخنا في شرح المنهاج وفتاويه، ثم قال: من عبر بعذره فعبارته مؤولة. وعليه: إن لم يدرك الامام في الركوع فاتته الركعة، ولا يركع، لانه لا يحسب له، بل يتابعه في هويه للسجود، إلا بطلت صلاته، إن علم وتعمد. ثم قال: والذي يتجه أنه يتخلف لقراءة ما لزمه حتى يريد الامام الهوي للسجود، فإن


[ 45 ]

كمل وافقه فيه، ولا يركع، وإلا بطلت صلاته إن علم وتعمد، وإلا فارقه بالنية. قال شيخنا في شرح الارشاد: والاقرب للمنقول الاول، وعليه أكثر المتأخرين. أما إذا ركع بدون قراءة قدرها فتبطل صلاته. وفي شرح المنهاج – له – عن معظم الاصحاب: أنه يركع ويسقط عنه بقية الفاتحة. واختير، بل رجحه جمع متأخرون، وأطالوا في الاستدلال له، وأن كلام الشيخين يقتضيه. أما إذا جهل أن واجبه ذلك فهو تخلفه لما لزمه متخلف بعذر. قاله القاضي. وخرج بالمسبوق الموافق، فإنه إذا لم يتم الفاتحة لاشتغاله بسنة، كدعاء افتتاح، وإن لم يظن إدراك الفاتحة معه، يكون كبطئ القراءة فيما مر، بلا نزاع. (وسبقه) أي المأموم، (على إمام) عامدا عالما


[ 46 ]

(ب‍) – تمام (ركنين فعليين) وإن لم يكونا طويلين (مبطل) للصلاة، لفحش المخالفة. وصورة التقدم بهما: أن يركع ويعتدل ثم يهوي للسجود مثلا والامام قائم، أو كأن يركع قبل الامام، فلما أراد الامام أن يركع رفع، فلما أراد الامام أن يركع سجد، فلم يجتمع معه في الركوع ولا في الاعتدال. ولو سبق بهما سهوا أو جهلا لم يضر، لكن لا يعتد له بهما. فإذا لم يعد للاتيان بهما مع الامام سهوا أو جهلا أتى بعد سلام إمامه بركعة، وإلا أعاد


[ 47 ]

الصلاة. (و) سبقه عليه عامدا عالما (ب‍) – تمام (ركن فعلي) كأن ركع ورفع والامام قائم (حرام) بخلاف التخلف به فإنه مكروه كما يأتي، ومن تقدم بركن سن له العود ليوافقه إن تعمد، وإلا تخير بين العود والدوام. (ومقارنته) أي مقارنة المأموم الامام (في أفعال)، وكذا أقوال غير تحرم (مكروهة: كتخلف عنه) أي الامام (إلى فراغ ركن) وتقدم عليه بابتدائه، وعند تعمد أحد هذه الثلاثة تفوته فضيلة الجماعة. فهي جماعة صحيحة، لكن لا ثواب


[ 48 ]

عليها، فيسقط إثم تركها أو كراهته. فقول جمع انتفاء الفضيلة، يلزمه الخروج عن المتابعة حتى يصير كالمنفرد ولا تصح له الجمعة، وهم، كما بينه الزركشي وغيره. ويجري ذلك في كل مكروه من حيث الجماعة بأن لم يتصور وجوده في غيرها. فالسنة للمأموم أن يتأخر ابتداء فعله عن ابتداء فعل الامام، ويتقدم على فراغه منه، والاكمل من هذا أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن جميع حركة الامام، ولا يشرع حتى يصل الامام لحقيقة المنتقل إليه، فلا يهوي للركوع والسجود حتى يستوي الامام راكعا، أو تصل جبهته إلى المسجد. ولو قارنه بالتحرم أو تبين تأخر تحرم الامام لم تنعقد صلاته ولا بأس بإعادته التكبير سرا بنية ثانية إن لم يشعروا، ولا بالمقارنة في السلام، وإن سبقه بالفاتحة أو التشهد، بأن فرغ من أحدهما قبل شروع الامام فيه لم يضر. وقيل:


[ 49 ]

تجب الاعادة مع فعل الامام أو بعده، وهو أولى. فعليه إن لم يعده بطلت. ويسن مراعاة هذا الخلاف كما يسن تأخير جميع فاتحته عن فاتحة الامام، ولو في أوليي السرية إن ظن أنه يقرأ السورة. ولو علم أن إمامه يقتصر على الفاتحة لزمه أن يقرأها مع قراءة الامام. (ولا يصح قدوة بمن اعتقد بطلان صلاته) بإن ارتكب مبطلا في اعتقاد المأموم، كشافعي اقتدى بحنفي مس فرجه، دون ما إذا افتصد نظرا لاعتقاد المقتدي، لان الامام محدث


[ 50 ]

عنده بالمس دون الفصد، فيتعذر ربط صلاته بصلاة الامام، لانه عنده ليس في صلاة. ولو شك شافعي في إتيان المخالف بالواجبات عند المأموم لم يؤثر في صحة الاقتداء به، تحسينا للظن به في توقي الخلاف، فلا يضر عدم اعتقاده الوجوب. (فرع) لو قام إمامه لزيادة، كخامسة، ولو سهوا، لم يجز له متابعته، ولو مسبوقا أو شاكا في ركعة، بل يفارقه، ويسلم، أو ينتظره – على المعتمد -. (ولا) قدوة (بمقتد) ولو احتمالا، وإن بان إماما. وخرج بمقتد من


[ 51 ]

انقطعت قدوته، كأن سلم الامام فقام مسبوق فاقتدى به آخر صحت، أو قام مسبوقون فاقتدى بعضهم ببعض صحت أيضا – على المعتمد – لكن مع الكراهة. (ولا) قدوة (قارئ بأمي) وهو من يخل بالفاتحة أو بعضها، ولو بحرف منها، بأن يعجز عنه بالكلية، أو عن إخراجه عن مخرجه، أو عن أصل تشديدة، وإن لم يمكنه التعلم ولا


[ 52 ]

علم بحاله، لانه لا يصلح لتحمل القراءة عنه لو أدركه راكعا. ويصح الاقتداء بمن يجوز كونه أميا إلا إذا لم يجهر في جهرية فيلزمه مفارقته، فإن استمر جاهلا حتى سلم لزمته الاعادة، ما لم يتبين أنه قارئ. ومحل عدم صحة الاقتداء بالامي: إن لم يستو الامام والمأموم في الحرف المعجوز عنه، بأن أحسنه المأموم فقط، أو أحسن كل منهما غير ما أحسنه الآخر. ومنه أرت يدغم في غير محله بإبدال، وألثغ يبدل حرفا بآخر. فإن أمكنه التعلم


[ 53 ]

ولم يتعلم لم تصح صلاته، وإلا صحت كاقتدائه بمثله، وكره اقتداء بنحو تأتاء، وفأفاء، ولاحن بما لا يغير معنى، كضم هاء لله وفتح دال نعبد، فإن لحن لحنا يغير المعنى في الفاتحة ك‍ أنعمت بكسر أو ضم، أبطل صلاة من أمكنه التعلم ولم يتعلم، لانه ليس بقرآن. نعم، إن ضاق الوقت صلى لحرمته، وأعاد لتقصيره. قال شيخنا: ويظهر أنه لا يأتي بتلك الكلمة، لانه غير قرآن قطعا، فلم تتوقف صحة الصلاة حينئذ عليها، بل تعمدها – ولو من مثل هذا – مبطل. انتهى. أو في غيرها: صحت صلاته، والقدوة به، إلا إذا قدر وعلم وتعمد، لانه حينئذ كلام أجنبي. وحيث


[ 54 ]

بطلت صلاته هنا يبطل الاقتداء به. لكن للعالم بحاله – كما قاله الماوردي – واختار السبكي ما اقتضاه قول الامام ليس لهذا قراءة غير الفاتحة، لانه يتكلم بما ليس بقرآن، بلا ضرورة من البطلان مطلقا. (ولو اقتدى بمن ظنه أهلا) للامامة (فبان خلافه) كأن ظنه قارئا، أو غير مأموم، أو رجلا، أو عاقلا فبان أميا، أو مأموما، أو امرأة، أو مجنونا، أعاد الصلاة وجوبا لتقصيره بترك البحث في ذلك (لا) إن اقتدى بمن ظنه متطهرا فبان (ذا حدث) ولو


[ 55 ]

حدثا أكبر، (أو) ذا (خبث) خفي، ولو في جمعة إن زاد على الاربعين: فلا تجب الاعادة، وإن كان الامام عالما لانتفاء تقصير المأموم، إذ لا أمارة عليهما، ومن ثم حصل له فضل الجماعة. أما إذا بان ذا خبث ظاهر فيلزمه الاعادة على غير الاعمى لتقصيره، وهو ما بظاهر الثوب، وإن حال بين الامام والمأموم حائل. والاوجه في ضبطه أن يكون بحيث لو تأمله المأموم رآه، والخفي بخلافه. وصحح النووي في التحقيق عدم وجوب الاعادة مطلقا. (وصح اقتداء سليم بسلس) للبول أو المذي أو الضراط، وقائم بقاعد، ومتوضئ بمتيمم لا تلزمه


[ 56 ]

إعادة. (وكره) اقتداء (بفاسق ومبتدع) كرافضي، وإن لم يوجد أحد سواهما – ما لم يخش فتنة – وقيل: لا يصح الاقتداء بهما. وكره أيضا اقتداء بموسوس وأقلف، لا بولد الزنا، لكنه خلاف الاولى. واختار السبكي ومن تبعه


[ 57 ]

انتقاء الكراهة إذا تعذرت الجماعة إلا خلف من تكره خلفه، بل هي أفضل من الانفراد. وجزم شيخنا بأنها لا تزول حينئذ، بل الانفراد أفضل منها. وقال بعض أصحابنا: والاوجه عندي ما قاله السبكي – رحمه الله تعالى -. (تتمة) وعذر الجماعة كالجمعة، مطر يبل ثوبه للخبر الصحيح: أنه (ص) أمر بالصلاة في الرحال يوم مطر يبل أسفل النعال بخلاف ما لا يبله. نعم، قطر الماء من سقوف الطريق عذر، وإن لم يبله، لغلبة نجاسته أو استقذاره. ووحل لم يأمن معه التلوث بالمشي فيه أو الزلق، وحر شديد، وإن وجد ظلا يمشي فيه، وبرد شديد،


[ 58 ]

وظلمة شديدة بالليل، ومشقة مرض وإن لم تبح الجلوس في الفرض، لا صداع يسير ومدافعة حدث من بول أو غائط أو ريح، فتكره الصلاة معها. وإن خاف فوت الجماعة لو فرغ نفسه – كما صرح به جمع – وحدوثها في الفرض لا يجوز قطعه، ومحل ما ذكر في هذه: إن اتسع الوقت، بحيث لو فرغ نفسه أدرك الصلاة كاملة، وإلا


[ 59 ]

حرم التأخير لذلك. وفقد لباس لائق به وإن وجد ساتر العورة، وسير رفقة، لمريد سفر مباح وإن أمن، لمشقة استيحاشه وخوف ظالم على معصوم من عرض أو نفس أو مال، وخوف من حبس غريم معسر، وحضور مريض وإن لم يكن نحو قريب بلا متعهد له، أو كان نحو قريب محتضرا، أو لم يكن محتضرا، لكن يأنس به،


[ 60 ]

وغلبة نعاس عند انتظاره للجماعة، وشدة جوع، وعطش، وعمى حيث لم يجد قائدا بأجرة المثل. وإن أحسن المشي بالعصا.


[ 61 ]

(تنبيه) إن هذه الاعذار تمنع كراهة تركها حيث سنت، وإثمه حيث وجبت، ولا تحصل فضيلة الجماعة – كما قال النووي في المجموع، واختار غيره ما عليه جمع متقدمون – من حصولها إن قصدها لولا العذر قال في المجموع: يستحب – لمن ترك الجمعة بلا عذر – أن يتصدق بدينار، أو نصفه، لخبر أبي داود وغيره.


[ 62 ]

فصل (في صلاة الجمعة) هي فرض عين عند اجتماع شرائطها. وفرضت بمكة، ولم تقم بها لفقد العدد، أو لان شعارها الاظهار، وكان (ص) مستخفيا فيها. وأول من أقامها بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة، بقرية على ميل من المدينة.


[ 63 ]

وصلاتها أفضل الصلوات. وسميت بذلك: لاجتماع الناس لها، أو لان آدم اجتمع فيها مع حواء من مزدلفة، فلذلك سميت جمعا. (تجب جمعة على) كل (مكلف) أي بالغ عاقل، (ذكر، حر)، فلا تلزم على أنثى، وخنثى، ومن به رق – إن كوتب – لنقصه، (متوطن) بمحل الجمعة لا يسافر من محل إقامتها – صيفا ولا شتاء –


[ 64 ]

إلا لحاجة، كتجارة، وزيارة، (غير معذور) بنحو مرض، من الاعذار التي مرت في الجماعة، فلا تلزم على مريض إن لم يحضر بعد الزوال محل إقامتها، وتنعقد بمعذور، (و) تجب (على مقيم) بمحل إقامتها غير متوطن، كمن أقام بمحل جمعة أربعة أيام فأكثر، وهو على عزم العود إلى وطنه، ولو بعد مدة طويلة. وعلى مقيم متوطن بمحل يسمع منه النداء ولا يبلغ أهله أربعين، فتلزمهما الجمعة (و) لكن (لا تنعقد) الجمعة (به)


[ 65 ]

أي بمقيم غير متوطن، ولا بمتوطن خارج بلد إقامتها، وإن وجبت عليه بسماعه النداء منها. (ولا بمن به رق وصبا)، بل تصح منهم، لكن ينبغي تأخر إحرامهم عن إحرام أربعين ممن تنعقد به الجمعة – على ما اشترطه جمع محققون، وإن خالف فيه كثيرون. (وشرط) لصحة الجمعة – مع شروط غيرها – ستة: احدها: (وقوعها جماعة) بنية إمامة واقتداء، مقترنة


[ 66 ]

بتحرم (في الركعة الاولى)، فلا تصح الجمعة بالعدد فرادى، ولا تشترط الجماعة في الركعة الثانية. فلو صلى الامام بالاربعين ركعة ثم أحدث فأتم كل منهم ركعة واحدة، أو لم يحدث بل فارقوه في الثانية، وأتموا منفردين، أجزأتهم الجمعة. نعم، يشترط بقاء العدد إلى سلام الجميع، حتى لو أحدث واحد من الاربعين قبل سلامه، ولو بعد سلام من عداه منهم، بطلت جمعة الكل. ولو أدرك المسبوق ركوع الثانية واستمر معه إلى أن سلم، أتى بركعة بعد سلامه جهرا وتمت جمعته إن صحت جمعة الامام وكذا من اقتدى به وأدرك ركعة معه – كما قاله


[ 67 ]

شيخنا -. وتجب على من جاء بعد ركوع. الثانية: نية الجمعة – على الاصح – وإن كانت الظهر هي اللازمة له -. وقيل: تجوز نية الظهر. وأفتى به البلقيني وأطال الكلام فيه. (و) ثانيها: وقوعها (بأربعين) ممن تنعقد بهم الجمعة، ولو مرضى، ومنهم الامام. ولو كانوا أربعين فقط


[ 68 ]

وفيهم أمي واحد أو أكثر قصر في التعلم، لم تصح جمعتهم، لبطلان صلاته فينقصون. أما إذا لم يقصر الامي في التعلم فتصح الجمعة به – كما جزم به شيخنا في شرحي العباب والارشاد، تبعا لما جزم به شيخه في شرح الروض – ثم قال في شرح المنهاج: لا فرق هنا بين أن يقصر الامي في التعلم، وأن لا يقصر. والفرق بينهما غير قوي. انتهى. ولو نقصوا فيها بطلت، أو في خطبة لم يحسب ركن فعل حال نقصهم، لعدم سماعهم له. فإن


[ 69 ]

عادوا قريبا عرفا جاز البناء على ما مضى، وإلا وجب الاستئناف، كنقصهم بين الخطبة والصلاة، لانتفاء الموالاة فيهما. (فرع) من له مسكنان ببلدين، فالعبر بما كثرت فيه إقامته، فيما فيه أهله وماله. وإن كان بواحد أهل وبآخر مال، فبما فيه أهله، فإن استويا في الكل، فبالمحل الذي هو فيه حالة إقامة الجمعة. ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين، خلافا لابي حنيفة – رحمه الله تعالى – فتنعقد عنده بأربعة، ولو عبيدا أو مسافرين. ولا يشترط عندنا إذن السلطان لاقامتها ولا كون محلها مصرا، خلافا له فيهما. وسئل البلقيني عن أهل قرية لا يبلغ عددهم


[ 70 ]

أربعين، هل يصلون الجمعة أو الظهر ؟ فأجاب – رحمه الله -: يصلون الظهر على مذهب الشافعي. وقد أجاز جمع من العلماء أن يصلوا الجمعة، وهو قوي، فإذا قلدوا – أي جميعهم – من قال هذه المقالة، فإنهم يصلون الجمعة. وإن احتاطوا فصلوا الجمعة ثم الظهر كان حسنا. (و) ثالثها: وقوعها (بمحل معدود من البلد) ولو بفضاء الظهر كان حسنا معدود منها، بأن كان في محل لا تقصر فيه


[ 71 ]

الصلاة، وإن لم يتصل بالابنية، بخلاف محل غير معدود منها، وهو ما يجوز السفر القصر منه. (فرع) لو كان في قرية أربعون كاملون لزمتهم الجمعة، بل يحرم عليهم – على المعتمد – تعطيل محلهم من إقامتها، والذهاب إليها في بلد أخرى، وإن سمعوا النداء. قال ابن الرفعة وغيره: إنهم إذا سمعوا النداء من مصر، فهم مخيرون بين أن يحضروا البلد للجمعة، وبين أن يقيموها في قريتهم، وإذا حضروا البلد لا يكمل بهم العدد لانهم في حكم المسافرين، وإذا لم يكن في القرية جمع تنعقد بهم الجمعة – ولو بامتناع بعضهم


[ 72 ]

منها – يلزمهم السعي إلى بلد يسمعون من جانبه النداء. قال ابن عجيل: ولو تعددت مواضع متقاربة وتميز كل باسم، فلكل حكمه. قال شيخنا: إنما يتجه ذلك إن عد كل مع ذلك قرية مستقلة عرفا. (فرع) لو أكره السلطان أهل قرية إن ينتقلوا منها ويبنوا في موضع آخر، فسكنوا فيه وقصدهم العود إلى البلد الاول إذا فرج الله عنهم، لا تلزمهم الجمعة، بل لا تصح منهم، لعدم الاستيطان.


[ 73 ]

(و) رابعها: وقوعها (في وقت ظهر) فلو ضاق الوقت عنها وعن خطبتيها، أو شك في ذلك، صلوا ظهرا، ولو خرج الوقت يقينا، أو ظنا، وهم فيها، ولو قبيل السلام، وإن كان ذلك بإخبار عدل، على الاوجه، وجب الظهر، بناء على ما مضى، وفاتت الجمعة، بخلاف ما لو شك في خروجه، لان الاصل بقاؤء. ومن شروطهما أن لا يسبقها بتحرم، ولا يقارنها فيه جمعة بمحلها، إلا أن كثر أهله، وعسر اجتماعهم بمكان واحد منه – ولو غير


[ 74 ]

مسجد – من غير لحوق مؤذ فيه، كحر وبرد شديدين، فيجوز حينئذ تعددها للحاجة بحسبها.


[ 75 ]

(فرع) لا يصح ظهر من لا عذر له قبل سلام الامام، فإن صلاها جاهلا انعقدت نفلا، ولو تركها أهل بلد فصلوا الظهر لم يصح، ما لم يضق الوقت عن أقل واجب الخطبتين والصلاة، وإن علم من عادتهم أنهم لا يقيمون الجمعة. (و) خامسها: (وقوعها) أي الجمعة، (بعد خطبتين) بعد زوال، لما في الصحيحين: أنه (ص) لم يصل


[ 76 ]

الجمعة إلا بخطبتين (بأركانهما) أي يشترط وقوع صلاة الجمعة بعد خطبتين مع إتيان أركانهما الآتية، (وهي) خمسة. أحدها: (حمد الله تعالى).


[ 77 ]

(و) ثانيها: (صلاة على النبي) (ص) (بلفظهما): أي حمد الله والصلاة على رسول الله (ص)، كالحمد لله، أو أحمد الله، فلا يكفي: الشكر لله، أو الثناء لله، ولا: الحمد للرحمن، أو للرحيم، وكاللهم صل، أو صلى الله، أو أصلي على محمد، أو أحمد، أو الرسول، أو النبي أو الحاشر أو نحوه فلا يكفي: اللهم سلم على محمد وارحم محمدا، ولا صلى الله عليه، بالضمير. وإن تقدم له ذكر يرجع إليه الضمير، كما صرح به جمع محققون. وقال الكمال الدميري: وكثيرا ما يسهو الخطباء في ذلك. انتهى. فلا تغتر بما تجده مسطورا في بعض الخطب النباتية على خلاف ما عليه محققو المتأخرين. (و) ثالثها: (وصية بتقوى الله) ولا يتعين لفظها ولا تطويلها، بل يكفي نحو أطيعوا الله – مما فيه حث على


[ 78 ]

طاعة الله، أو زجر عن معصية، لانها المقصود من الخطبة، فلا يكفي مجرد التحذير من غرور الدنيا، وذكر الموت وما فيه من الفظاعة والالم. قال ابن الرفعة: يكفي فيها ما اشتملت على الامر بالاستعداد للموت. ويشترط أن يأتي بكل من الاركان الثلاثة (فيهما)، أي في كل واحدة من الخطبتين. ويندب أن يرتب الخطيب الاركان الثلاثة، وما بعدها، بأن يأتي أولا بالحمد، فالصلاة، فالوصية، فبالقراءة، فبالدعاء. (و) رابعها: (قراءة آية) مفهمة (في إحداهما)، وفي الاولى أولى. وتسن – بعد فراغها – قراءة ق أو بعضها في كل جمعة، للاتباع.


[ 79 ]

(و) خامسها: (دعاء) أخروي للمؤمنين إن لم يتعرض للمؤمنات، خلافا للاذرعي، (ولو) بقوله: (رحمكم الله)، وكذا بنحو: اللهم أجرنا من النار – إن قصد تخصيص الحاضرين (في) خطبة (ثانة) لاتباع السلف والخلف. والدعاء للسلطان بخصوصه لا يسن اتفاقا، إلا مع خشية فتنة، فيجب، ومع عدمها لا بأس


[ 80 ]

به، حيث لا مجازفة في وصفه، ولا يجوز وصفه بصفة كاذبة إلا لضرورة. ويسن الدعاء لولاة الصحابة قطعا، وكذا لولاة المسلمين وجيوشهم، بالصلاح، والنصر، والقيام بالعدل. وذكر المناقب لا يقطع الولاة، ما لم يعد به معرضا عن الخطبة. وفي التوسط يشترط أن لا يطيله إطالة تقطع الموالاة، كما يفعله كثير من الخطباء الجهال. قال شيخنا: ولو شك في ترك فرض من الخطبة بعد فراغها لم يؤثر كما لا يؤثر الشك في ترك فرض


[ 81 ]

بعد الصلاة، أو الوضوء. (وشرط فيهما)، الخطبتين، (إسماع أربعين) أي تسعة وثلاثين سواه، ممن تنعقد بهم الجمعة (الاركان) لا جميع الخطبة. قال شيخنا: لا تجب الجمعة على أربعين بعضهم أصم، ولا تصح مع وجود لغط يمنع سماع ركن الخطبة على المعتمد فيهما، وإن خالف فيه جمع كثيرون، فلم يشترطوا إلا الحضور فقط. وعليه يدل كلام الشيخين في بعض المواضع، ولا يشترط كونهم بمحل الصلاة، ولا فهمهم لما


[ 82 ]

يسمعونه. (و) شرط فيهما (عربية) لاتباع السلف والخلف. وفائدتها بالعربية – مع عدم معرفتهم لها – العلم بالوعظ في الجملة. قاله القاضي. وإن لم يمكن تعلمها بالعربية قبل ضيق الوقت خطب منهم واحد بلسانهم، وإن أمكن تعلمها وجب كل على الكفاية، (وقيام قادر عليه، وطهر) من حدث أكبر وأصغر، وعن نجس غير معفو عنه، في ثوبه، وبدنه، ومكانه. (وستر) للعورة. (و) شرط (جلوس بينهما) بطمأنينة فيه، وسن أن يكون


[ 83 ]

بقدر سورة الاخلاص، وأن يقرأها فيه. ومن خطب قاعدا لعذر فصل بينهما بسكتة وجوبا. وفي الجواهر: لو لم يجلس حسبتا واحدة، فيجلس ويأتي بثالثة. (وولاء) بينهما وبين أركانهما، وبينهما وبين الصلاة، بأن لا يفصل طويلا عرفا. وسيأتي أن اختلال الموالاة بين المجموعتين بفعل ركعتين، بل بأقل مجزئ، فلا يبعد الضبط


[ 84 ]

بهذا هنا، ويكون بيانا للعرف. (وسن لمريدها) أي الجمعة، وإن لم تلزمه، (غسل) بتعميم البدن والرأس بالماء، فإن عجز، سن تيمم بنية الغسل، (بعد) طلوع (فجر). وينبغي لصائم خشي منه مفطرا تركه، وكذا


[ 85 ]

سائر الاغسال المسنونة، وقربه من ذهابه إليها أفضل. ولو تعارض الغسل والتبكير، فمراعاة الغسل أولى، للخلاف في وجوبه، ومن ثم كره تركه. ومن الاغسال المسنونة: غسل العيدين، والكسوفين، والاستسقاء، وأغسال الحج، وغسل غاسل الميت، والغسل للاعتكاف، ولكل ليلة من رمضان، ولحجامة، ولتغير الجسد،


[ 86 ]

وغسل الكافر إذا أسلم – للامر به – ولم يجب، لان كثيرين أسلموا ولم يؤمروا به. وهذا إذا لم يعرض له في الكفر ما يوجب الغسل – من جنابة أو نحوها – وإلا وجب الغسل. وإن اغتسل في الكفر، لبطلان نيته. وآكدها غسل الجمعة ثم من غسل الميت. (تنبيه) قال شيخنا: يسن قضاء غسل الجمعة – كسائر الاغسال المسنونة – وإنما طلب قضاؤه لانه إذا علم


[ 87 ]

أنه يقضى داوم على أدائه، واجتنب تفويته. (وبكور) – لغير خطيب – إلى المصلى من طلوع الفجر، لما في الخبر الصحيح: إن للجائي بعد اغتساله غسل الجنابة – أي كغسلها، وقيل حقيقة بأن يكون جامع، لانه يسن


[ 88 ]

ليلة الجمعة أو يومها – في الساعة الاولى بدنة، وفي الثانية: بقرة، وفي الثالثة: كبشا أقرن، والرابعة: دجاجة، والخامسة: عصفورا، والسادسة: بيضة. والمراد أن ما بين الفجر وخروج الخطيب ينقسم ستة أجزاء متساوية، سواء أطال اليوم، أم قصر. أما الامام فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة، للاتباع. ويسن الذهاب إلى


[ 89 ]

المصلى في طريق طويل، ماشيا بسكينة، والرجوع في طريق آخر قصير، وكذا في كل عبادة. ويكره عدو إليها، كسائر العبادات، إلا لضيق وقت، فيجب، إذا لم يدركها إلا به. (وتزين بأحسن ثيابه) وأفضلها الابيض، ويلي


[ 90 ]

الابيض ما صبغ قبل نسجه. قال شيخنا: ويكره ما صبغ بعده، ولو بغير الحمرة. اه‍. ويحرم التزين بالحرير،


[ 91 ]

ولو قزا، وهو نوع منه كمد اللون، وما أكثره وزنا – من الحرير، لا ما أقله منه، ولا ما استوى فيه الامران. ولو شك في الاكثر، فالاصل الحل، على الاوجه. (فرع) يحل الحرير لقتال، إن لم يجد غيره، أو لم يقم مقامه في دفع السلاح. وصحح في الكفاية قول جمع: يجوز القباء وغيره مما يصلح للقتال وإن وجد غيره، إرهابا للكفار، كتحلية السيف بفضة. ولحاجة كجرب إن آذاه غيره، أو كان فيه نفع لا يوجد في غيره، وقمل لم يندفع بغيره، ولامرأة ولو بافتراش، لا له، بلا


[ 92 ]

حائل. ويحل منه – حتى للرجل – خيط السبحة، وزر الجيب، وكيس المصحف والدراهم، وغطاء العمامة، وعلم الرمح، لا الشرابة التي برأس السبحة. ويجب لرجل لبسه حيث لم يجد ساتر العورة غيره، حتى في


[ 93 ]

الخلوة. ويجوز لبس الثوب المصبوغ بأي لون كان، إلا المزعفر. ولبس الثوب المتنجس في غير نحو الصلاة، حيث لا رطوبة، لا جلد ميتة، بلا ضرورة، كافتراش جلد سبع كأسد، وله إطعام ميتة لنحو طير، لا كافر،


[ 94 ]

ومتنجس لدابة، ويحل مع الكراهة، استعمال العاج في الرأس واللحية حيث لا رطوبة، وإسراج بمتنجس بغير مغلظ إلا في مسجد، وإن قل دخانه – خلافا لجمع -. وتسميد أرض بنجس، لا اقتناء كلب – إلا لصيد أو حفظ


[ 95 ]

مال – ويكره – ولو لامرأة – تزيين غير الكعبة، كمشهد صالح بغير حرير، ويحرم به. (وتعمم) لخبر: إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة، ويسن لسائر الصلوات. وورد في حديث ضعيف ما يدل على أفضلية كبرها. وينبغي ضبط طولها وعرضها بما يليق بلابسها عادة، في زمانه، فإن زاد فيها على ذلك كره، وتنخرم مروأة فقيه بلبس عمامة سوقي لا تليق به، وعكسه. قال الحفاظ: لم يتحرر شئ في طول عمامته (ص)


[ 96 ]

وعرضها. قال الشيخان: من تعمم فله فعل العذبة، وتركها، ولا كراهة في واحد منهما. زاد النووي: لانه لم يصح في النهي عن ترك العذبة شئ. انتهى. لكن قد ورد في العذبة أحاديث صحيحة وحسنة، وقد صرحوا بأن أصلها سنة. قال شيخنا: وإرسالها بين الكتفين أفضل منه على الايمن. ولا أصل في اختيار إرسالها على الايسر. وأقل ما ورد في طولها أربعة أصابع، وأكثره ذراع. قال ابن الحاج المالكي: عليك أن تتعمم قائما، وتتسرول قاعدا. قال في المجموع: ويكره أن يمشي في نعل واحدة، ولبسها قائما، وتعليق جرس فيها.


[ 97 ]

ولمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله تعالى فيه. (وتطيب) لغير صائم – على الاوجه – لما في الخبر الصحيح: أن الجمع بين الغسل، ولبس الاحسن، والتطيب، والانصات، وترك التخطي، يكفر ما بين الجمعتين. والتطيب بالمسك أفضل، ولا تسن الصلاة عليه (ص) عند شمه، بل حسن الاستغفار عنده – كما قال شيخنا -، وندب تزين بإزالة ظفر من يديه، ورجليه، لا إحداهما، فيكره. وشعر نحو إبطه وعانته لغير مريد التضحية في عشر ذي الحجة، وذلك للاتباع. وبقص شاربه حتى تبدو حمرة الشفة وإزالة ريح كريه، ووسخ.


[ 98 ]

والمعتمد في كيفية تقليم اليدين: أن يبتدئ بمسبحة يمينه إلى خنصرها، ثم إبهامها، ثم خنصر يسارها إلى إبهامها على التوالي، والرجلين: أن يبتدئ بخنصر اليمنى إلى خنصر اليسرى على التوالي، وينبغي البدار بغسل محل القلم، ويسن فعل ذلك يوم الخميس أو بكرة الجمعة. وكره المحب الطبري نتف شعر الانف، قال: بل يقصه، لحديث فيه. قال الشافعي – رضي الله عنه -: من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد


[ 99 ]

عقله. (و) سن (إنصات) أي سكوت مع إصغاء (لخطبة)، ويسن ذلك، وإن لم يسمع الخطبة، نعم، الاولى – لغير السامع – أن يشتغل بالتلاوة والذكر سرا، ويكره الكلام، ولا يحرم، خلافا للائمة الثلاثة: حالة الخطبة،


[ 100 ]

لاقبلها، ولو بعد الجلوس على المنبر، ولا بعدها، ولا بين الخطبتين، ولا حال الدعاء للمملوك، ولا لداخل مسجد، إلا إن اتخذ له مكانا واستقر فيه. ويكره للداخل السلام، وإن لم يأخذ لنفسه مكانا، لاشتغال المسلم عليهم، فإن سلم لزمهم الرد، ويسن تشميت العاطس، والرد عليه، ورفع الصوت – من غير مبالغة – بالصلاة والسلام عليه (ص) عند ذكر الخطيب اسمه أو وصفه (ص). قال شيخنا: ولا يبعد ندب الترضي عن الصحابة، بلا


[ 101 ]

رفع صوت. وكذا التأمين لدعاء الخطيب. اه‍. وتكره تحريما – ولو لمن لم تلزمه الجمعة بعد جلوس الخطيب على المنبر: وإن لم يسمع الخطبة – صلاة فرض، ولو فائتة تذكرها الآن، وإن لزمته فورا، أو نفل، ولو في حال الدعاء للسلطان. والاوجه أنها لا تنعقد كالصلاة بالوقت المكروه، بل أولى. ويجب على من بصلاة تخفيفها، بأن يقتصر على أقل مجزئ عند جلوسه على المنبر. وكره لداخل تحية فوتت تكبيرة الاحرام إن


[ 102 ]

صلاها، إلا فلا تكره، بل تسن، لكن يلزمه تخفيفها بأن يقتصر على الواجبات – كما قاله شيخنا – وكره احتباء حالة الخطبة للنهي عنه، وكتب أوراق حالتها في آخر جمعة من رمضان، بل وإن كتب فيها نحو اسماء سريانية يجهل معنا حرم. (و) سن (قراءة) سورة (كهف) يوم الجمعة وليلتها، لاحاديث فيها. وقراءتها نهارا آكد،


[ 103 ]

وأولاه بعد الصبح، مسارعة للخير، وأن يكثر منها، ومن سائر القرآن فيهما. ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيره إن حصل به تأذ لمصل أو نائم – كما صرح النووي في كتبه – وقال شيخنا في شرح العباب: ينبغي حرمة الجهر بالقراءة في المسجد. وحمل كلام النووي بالكراهة: على ما إذا خف التأذي، وعلى كون القراءة في غير المسجد، وإكثار صلاة على النبي (ص) (يومها وليلتها) للاخبار الصحيحة الآمرة بذلك، فالاكثار منها أفضل من


[ 104 ]

إكثار ذكر لم يرد بخصوصه. قاله شيخنا. (ودعاء) في يومها، رجاء أن يصادف ساعة الاجابة، وأرجاها، من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة. وهي لحظة لطيفة. وصح أنها آخر ساعة بعد العصر، وفي ليلتها لما جاء عن


[ 105 ]

الشافعي – رضي الله عنه – أنه بلغه أن الدعاء يستجاب فيها، وأنه استحبه فيها. وسن إكثار فعل الخير فيهما – كالصدقة وغيرها – وأن يشتغل – في طريقه وحضوره محل الصلاة – بقراءة، أو ذكر، أفضله الصلاة على النبي (ص) قبل الخطبة، وكذا حالة الخطبة إن لم يسمعها – كما مر – للاخبار المرغبة في ذلك. وأن يقرأ عقب سلامه من الجمعة – قبل أن يثني رجليه، وفي رواية: قبل أن يتكلم – الفاتحة، والاخلاص، والمعوذتين، سبعا


[ 106 ]

سبعا، لما ورد أن من قرأها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الاجر بعدد من آمن بالله ورسوله.. (مهمة) يسن أن يقرأها، وآية الكرسي، و * (شهد الله) *، بعد كل مكتوبة وحين يأوي إلى فراشه، مع


[ 107 ]

أواخر البقرة، والكافرون، ويقرأ خواتيم الحشر وأول غافر – إلى إليه المصير و * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) * إلى آخرها، صباحا ومساء، مع أذكارهما، وأن يواظب كل يوم على قراءة آلم، السجدة، ويس، والدخان، والواقعة، وتبارك، والزلزلة، والتكاثر وعلى الاخلاص مائتي مرة، والفجر في عشر ذي الحجة، ويس، والرعد عند المحتضر. ووردت في كلها أحاديث غير موضوعة.


[ 108 ]

(وحرم تخط) رقاب الناس، للاحاديث الصحيحة فيه، والجزم بالحرمة ما نقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي، واختارها في الروضة، وعليها كثيرون. لكن قضية كلام الشيخين: الكراهة، وصرح بها في المجموع (لا لمن وجد فرجة قدامه) فله – بلا كراهة – تخطي صف واحد أو اثنين، ولا لامام لم يجد طريقا إلى المحراب إلا بتخطي، ولا لغيره إذا أذنوا له فيه لا حياء على الاوجه، ولا لمعظم ألف موضعا. ويكره


[ 109 ]

تخطي المجتمعين لغير الصلاة، ويحرم أن يقيم أحدا – بغير رضاه – ليجلس مكانه. ويكره إيثار غيره بمحله، إلا إن انتقل لمثله أو أقرب منه إلى الامام. وكذا الايثار بسائر القرب. وله تنحية سجادة غيره – بنحو رجله – والصلاة في محلها، ولا يرفعها – ولو بغير يده – لدخولها في ضمانه. (و) حرم على من تلزمه الجمعة (نحو مبايعة) كاشتغال بصنعة (بعد) شروع في (أذان خطبة)، فإن عقد صح العقد، ويكره قبل الاذان بعد


[ 110 ]

الزوال. (و) حرم على من تلزمه الجمعة – وإن لم تنعقد به – (سفر) تفوت به الجمعة، كأن ظن أنه لا يدركها في طريقه أو مقصده، ولو كان السفر طاعة مندوبا، أو واجبا، (بعد فجرها) أي فجر يوم الجمعة، إلا خشي


[ 111 ]

من عدم سفره ضررا، كانقطاعه عن الرفقة، فلا يحرم إن كان غير سفر معصية، ولو بعد الزوال، ويكره السفر ليلة الجمعة، لما روي بسند ضعيف: من سافر ليلتها دعا عليه ملكاه. أما المسافر لمعصية فلا تسقط عنه الجمعة مطلقا. قال شيخنا: وحيث حرم عليه السفر هنا لم يترخص ما لم تفت الجمعة، فيحسب ابتداء سفره من وقت فوتها. (تتمة) يجوز لمسافر سفرا طويلا قصر رباعية، مؤداة، وفائتة سفر قصر فيه، وجمع


[ 114 ]

العصرين والمغربين تقديما وتأخيرا، بفراق سور خاص ببلد سفر، وإن احتوى على خراب ومزارع. ولو جمع قريتين، فلا يشترط مجاوزته، بل لكل حكمه، فبنيان وإن تخلله خراب أو نهر أو ميدان. ولا يشترط


[ 115 ]

مجاوزة بساتين وإن حوطت واتصلت بالبلد، والقريتان إن اتصلتا عرفا كقرية، وإن اختلفتا اسما، فلو انفصلتا – ولو يسيرا – كفى مجاوزة قرية المسافر، لا لمسافر لم يبلغ سفره مسيرة يوم وليلة بسير الاثقال مع النزول المعتاد لنحو استراحة وأكل وصلاة، ولا لآبق، ومسافر عليه دين حال قادر عليه من غير إذن دائنه، ولا لمن


[ 116 ]

سافر لمجرد رؤية البلاد – على الاصح -. وينتهي السفر بعوده إلى وطنه، وإن كان مارا به، أو إلى موضع


[ 117 ]

آخر، ونوى إقامته به مطلقا، أو أربعة أيام صحاح، أو علم أن إربه لا ينقضي فيها، ثم إن كان يرجو حصوله كل وقت: قصر ثمانية عشر يوما. وشرط لقصر نية قصر في تحرم، وعدم اقتداء – ولو لحظة – بمتم ولو مسافرا


[ 118 ]

وتحرز عن منافيها دواما، ودوام سفره في جميع صلاته، ولجمع تقديم، نية جمع في الاولى – ولو مع التحلل منها – وترتيب، وولاء عرفا، فلا يضر فصل يسير بأن كان دون قدر ركعتين، ولتأخير نية جمع في وقت


[ 119 ]

الاولى ما بقي قدر ركعة، وبقاء سفر إلى آخر الثانية. (فرع) يجوز الجمع بالمرض تقديما وتأخيرا – على المختار – ويراعي الارفق، فإن كان يزداد مرضه –


[ 120 ]

كأن كان يحم مثلا وقت الثانية قدمها بشروط جمع التقديم، أو وقت الاولى أخرها بنية الجمع في وقت الاولى. وضبط جمع متأخرون المرض هنا بأنه ما يشق معه فعل كل فرض في وقته، كمشقة المشي في المطر، بحيث تبتل ثيابه. وقال آخرون: لا بد من مشقة ظاهرة زيادة على ذلك، بحيث تبيح الجلوس في الفرض. وهو الاوجه.


[ 121 ]

(خاتمة) قال شيخنا في شرح المنهاج: من أدى عبادة مختلفا في صحتها من غير تقليد للقائل بها، لزمه إعادتها، لان إقدامه على فعلها عبث.


[ 122 ]

فصل (في الصلاة على الميت)


[ 123 ]

وشرعت بالمدينة. وقيل هي من خصائص هذه الامة. (صلاة الميت) أي الميت المسلم غير الشهيد (فرض كفاية) للاجماع والاخبار، (كغسله، ولو غريقا)


[ 124 ]

لانا مأمورون بغسله، فلا يسقط الفرض عنا إلا بفعلنا، وإن شاهدنا الملائكة تغسله. ويكفي غسل كافر،


[ 125 ]

ويحصل أقله (بتعميم بدنه بالماء) مرة حتى ما تحت قلفة الاقلف – على الاصح – صبيا كان الاقلف أو بالغا. قال العبادي وبعض الحنفية: لا يجب غسل ما تحتها. فعلى المرجح لو تعذر غسل ما تحت القلفة بأنها لا تتقلص إلا بجرح، يمم عما تحتها. كما قاله شيخنا، وأقره غيره. وأكمله: تثليثه، وأن يكون في خلوة،


[ 126 ]

وقميص، وعلى مرتفع بماء بارد – إلا لحاجة كوسخ وبرد، فالمسخن حينئذ أولى. والمالح أولى من العذب. ويبادر بغسله إذا تيقن موته، ومتى شك في موته وجب تأخيره إلى اليقين، بتغير ريح ونحوه. فذكرهم العلامات الكثيرة له إنما تفيد، حيث لم يكن هناك شك. ولو خرج منه بعد الغسل نجس لم ينقض الطهر، بل تجب إزالته فقط إن خرج قبل التكفين، لا بعده. ومن تعذر غسله – لفقد ماء أو لغيره: كاحتراق، ولو غسل تهرى – يمم وجوبا.


[ 127 ]

(فرع) الرجل أولى بغسل الرجل، والمرأة أولى بغسل المرأة، وله غسل حليلة، ولزوجة لا أمة غسل زوجها، ولو نكحت غيره، بلا مس، بل بلف خرقة على يد. فإن خالف صح الغسل. فإن لم يحضر إلا أجنبي في المرأة أو أجنبية في الرجل، يمم الميت. نعم، لهما غسل من لا يشتهى من صبي أو صبية، لحل


[ 128 ]

نظر كل ومسه. وأولى الرجال به أولاهم بالصلاة – كما يأتي. (وتكفينه بساتر عورة) مختلفة بالذكورة والانوثة، دون الرق والحرية، فيجب في المرأة – ولو أمة – ما يستر غير الوجه والكفين. وفي الرجل ما يستر ما


[ 129 ]

بين السرة والركبة. والاكتفاء بساتر العورة هو ما صححه النووي في أكثر كتبه، ونقله عن الاكثرين، لانه حق لله تعالى. وقال آخرون: يجب ستر جميع البدن – ولو رجلا -. وللغريم منع الزائد على ساتر كل البدن، لا الزائد على ساتر العورة، لتأكد أمره، وكونه حقا للميت بالنسبة للغرماء، وأكمله للذكر ثلاثة يعم كل منها البدن، وجاز أن يزاد تحتها قميص وعمامة، وللانثى إزار، فقميص، فخمار فلفافتان. ويكفن الميت بما له


[ 130 ]

لبسه حيا، فيجوز حرير ومزعفر للمرأة والصبي، مع الكراهة. ومحل تجهيزه: التركة، إلا زوجة وخادمها: فعلى زوج غني عليه نفقتهما، فإن لم يكن له تركة فعلى من عليه نفقته، من قريب، وسيد، فعلى بيت


[ 131 ]

المال، فعلى مياسير المسلمين. ويحرم التكفين في جلد إن وجد غيره، وكذا الطين، والحشيش، فإن لم يوجد ثوب وجب جلد، ثم حشيش، ثم طين – فيما استظهره شيخنا -. ويحرم كتابة شئ من القرآن واسماء الله تعالى على الكفن. ولا بأس بكتابته بالريق، لانه لا يثبت. وأفتى ابن الصلاح بحرمة ستر الجنازة بحرير


[ 132 ]

– ولو امرأة – كما يحرم تزيين بيتها بحرير. وخالفه الجلال البلقيني، فجوز الحرير فيها وفي الطفل، واعتمده جمع، مع أن القياس الاول. (ودفنه في حفرة تمنع) بعد طمها (رائحة) أي ظهورها، (وسبعا) أي نبشه لها، فيأكل الميت. وخرج بحفرة: وضعه بوجه الارض ويبنى عليه ما يمنع ذينك، حيث لم يتعذر الحفر. نعم، من مات بسفينة وتعذر البر جاز إلقاؤه في البحر، وتثقيله ليرسب، وإلا فلا. وبتمنع ذينك ما يمنع أحدهما


[ 133 ]

– كأن اعتادت سباع ذلك المحل الحفر عن موتاه – فيجب بناء القبر، بحيث يمنع وصولها إليه. وأكمله قبر واسع عمق أربعة أذرع ونصف بذراع اليد. ويجب اضطجاعه للقبلة. ويندب الافضاء بخده الايمن – بعد تنحية الكفن عنه – إلى نحو تراب، مبالغة في الاستكانة والذل، ورفع رأسه بنحو لبنة. وكره صندوق – إلا


[ 134 ]

لنحو نداوة فيجب – ويحرم دفنه بلا شئ يمنع وقوع التراب عليه ويحرم دفن اثنين من جنسين بقبر، إن لم يكن بينهما محرمية، أو زوجية، ومع أحدهما كره – كجمع متحدي جنس فيه بلا حاجة. ويحرم أيضا: إدخال ميت على آخر، وإن اتحدا جنسا، قبل بلاء جميعه، ويرجع فيه لاهل الخبرة بالارض. ولو وجد


[ 135 ]

بعض عظمه قبل تمام الحفر وجب رد ترابه، أو بعده فلا. ويجوز الدفن معه، ولا يكره الدفن ليلا – خلافا للحسن البصري – والنهار أفضل للدفن منه، ويرفع القبر قدر شبر ندبا، وتسطيحه أولى من تسنيمه. ويندب لمن على شفير القبر أن يحثي ثلاث حثيات بيديه قائلا مع الاولى: * (منها خلقناكم) *. ومع الثانية: * (وفيها نعيدكم) *. ومع الثالثة: * (ومنها نخرجكم تارة أخرى) *. (مهمة) يسن وضع جريدة خضراء على القبر، للاتباع، ولانه يخفف عنه ببركة تسبيحها. وقيس بها


[ 136 ]

ما اعتيد من طرح نحو الريحان الرطب. ويحرم أخذ شئ منهما ما لم ييبسا لما في أخذ الاولى من تفويت حظ الميت المأثور عنه (ص)، وفي الثانية من تفويت حق الميت بارتياح الملائكة النازلين لذلك. قاله شيخانا ابن حجر وزياد. (وكره بناء له) أي للقبر، (أو عليه) لصحة النهي عنه بلا حاجة، كخوف نبش، أو حفر


[ 137 ]

سبع أو هدم سيل. ومحل كراهة البناء، إذا كان بملكه، فإن كان بناء نفس القبر بغير حاجة مما مر، أو نحو قبة عليه بمسبلة، وهي ما اعتاد أهل البلد الدفن فيها، عرف أصلها ومسبلها أم لا، أو موقوفة، حرم، وهدم وجوبا، لانه يتأبد بعد انمحاق الميت، ففيه تضييق على المسلمين بما لا غرض فيه. (تنبيه) وإذا هدم، ترد الحجارة المخرجة إلى أهلها إن عرفوا، أو يخلى بينهما، وإلا فمال ضائع، وحكمه معروف – كما قاله بعض أصحابنا – وقال شيخنا الزمزمي: إذا بلي الميت وأعرض ورثته عن الحجارة، جاز الدفن


[ 138 ]

مع بقائها، إذا جرت العادة بالاعراض عنها، كما في السنابل. (و) كره (وطئ عليه) أي على قبر مسلم، ولو مهدرا قبل بلاء (إلا لضرورة)، كأن لم يصل لقبر ميته بدونه، وكذا ما يريد زيارته ولو غير قريب. وجزم شرح مسلم – كآخرين – بحرمة القعود عليه والوطئ، لخبر فيه يرده أن المراد بالجلوس عليه جلوسه لقضاء الحاجة، كما بينته رواية أخرى. (ونبش) وجوبا قبر من دفن بلا طهارة (لغسل) أو تيمم. نعم، إن تغير ولو بنتن، حرم. ولاجل مال غير، كأن دفن في ثوب مغصوب، أو أرض مغصوبة، إن طلب المالك، ووجد ما يكفن أو يدفن فيه، وإلا لم يجز النبش أو سقط فيه متمول وإن لم يطلبه مالكه، لا للتكفين إن دفن بلا كفن، ولا للصلاة بعد


[ 139 ]

إهالة التراب عليه. (ولا تدفن امرأة) ماتت (في بطنها جنين حتى يتحقق موته)، أي الجنين. ويجب شق جوفها والنبش له إن رجي حياته بقول القوابل، لبلوغه ستة أشهر فأكثر، فإن لم يرج حياته حرم الشق، لكن يؤخر


[ 140 ]

الدفن حتى يموت – كما ذكر – وما قيل إنه يوضع على بطنها شئ ليموت غلط فاحش. (ووري) أي ستر بخرقة (سقط ودفن) وجوبا، كطفل كافر نطق بالشهادتين، ولا يجب غسلهما، بل يجوز. وخرج بالسقط العلقة والمضغة، فيدفنان ندبا من غير ستر. ولو انفصل بعد أربعة أشهر غسل، وكفن، ودفن وجوبا. (فإن اختلج) أو استهل بعد انفصاله (صلي عليه) وجوبا.


[ 141 ]

(وأركانها) أي الصلاة على الميت، سبعة: أحدهما: (نية) كغيرها، ومن ثم وجب فيها ما يجب في نية سائر الفروض، من نحو اقترانها بالتحرم، والتعرض للفرضية، وإن لم يقل فرض كفاية، ولا يجب تعيين الميت، ولا معرفته، بل الواجب أدنى مميز، فيكفي أصلي الفرض على هذا الميت. قال جمع: يجب تعيين الميت الغائب بنحو اسمه. (و) ثانيها: (قيام) لقادر عليه، فالعاجز يقعد، ثم يضطجع. (و) ثالثها: (أربع


[ 142 ]

تكبيرات) مع تكبيرة التحرم – للاتباع، فإن خمس، لم تبطل صلاته. ويسن رفع يديه في التكبيرات حذو منكبيه، ووضعهما تحت صدره بين كل تكبيرتين. (و) رابعها: (فاتحة)، فبدلها، فوقوق بقدرها. والمعتمد أنها تجزئ بعد غير الاولى – خلافا للحاوي، كالمحرر – وإن لزم عليه جمع ركنين في تكبيرة وخلو الاولى عن ذكر. ويسن


[ 143 ]

إسرار بغير التكبيرات، والسلام، وتعوذ، وترك افتتاح، وسورة، إلا على غائب أو قبر. (و) خامسها: (صلاة على النبي) (ص) (بعد تكبيرة ثانية) أي عقبها، فلا تجزئ في غيرها. ويندب ضم السلام للصلاة، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقبها، والحمد قبلها. (و) سادسها: (دعاء لميت) بخصوصه ولو طفلا، بنحو: اللهم اغفر له وارحمه، (بعد ثالثة)، فلا يجزئ بعد غيرها قطعا.


[ 144 ]

ويسن أن يكثر من الدعاء له، ومأثوره أفضل، وأولاه ما رواه مسلم عنه (ص) وهو: اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وفتنته ومن عذاب النار. ويزيد عليه، ندبا: اللهم اغفر لحينا وميتنا إلى آخره. ويقول


[ 145 ]

في الطفل مع هذا: اللهم اجعله فرطا لابويه، وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره. قال شيخنا: وليس قوله: اللهم اجعله فرطا – إلى آخره – مغنيا عن الدعاء له، لانه دعاء باللازم، وهو لا يكفي، لانه إذا لم يكف الدعاء له بالعموم الشامل كل


[ 146 ]

فرد، فأولى هذا. ويؤنث الضمائر في الانثى، ويجوز تذكيرها بإرادة الميت أو الشخص، ويقول في ولد الزنا: اللهم اجعله فرطا لامه. والمراد بالابدال في الاهل والزوجة، إبدال الاوصاف لا الذوات، لقوله تعالى: * (ألحقنا بهم ذريتهم) * ولخبر الطبراني وغيره: إن نساء الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين. انتهى. (و) سابعها: (سلام) كغيرها (بعد رابعة)، ولا يجب في هذه ذكر غير السلام، لكن يسن: اللهم لا تحرمنا أجره


[ 147 ]

– أي أجر الصلاة عليه، أو أجر المصيبة – ولا تفتنا بعده – أي بارتكاب المعاصي – واغفر لنا وله. ولو تخلف عن إمامه بلا عذر بتكبيرة حتى شرع إمامه في أخرى بطلت صلاته. ولو كبر إمامه تكبيرة أخرى قبل قراءة المسبوق الفاتحة تابعه في تكبيره، وسقطت القراءة عنه. وإذا سلم الامام تدارك المسبوق ما بقي عليه مع الاذكار. ويقدم في الامامة في صلاة الميت – ولو امرأة -: أب، أو نائبه، فأبوه، ثم ابن فابنه، ثم أخ لابوين فلاب، ثم ابنهما، ثم


[ 148 ]

العم كذلك، ثم سائر العصبات، ثم معتق، ثم ذو رحم، ثم زوج (وشرط لها) أي للصلاة على الميت – مع شروط سائر الصلوات – (تقدم طهره) – أي الميت – بماء فتراب، فإن وقع بحفرة أو بحر وتعذر إخراجه وطهره لم


[ 149 ]

يصل عليه – على المعتمد (وأن لا يتقدم) المصلى (عليه) – أي الميت -، إن كان حاضرا، ولو في قبر، أما الميت الغائب فلا يضر فيه كونه وراء المصلي. ويسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر، للخبر الصحيح: من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب – أي غفر له – ولا يندب تأخيرها لزيادة المصلين، إلا لولي. واختار بعض


[ 150 ]

المحققين أنه إذا لم يخش تغيره، ينبغي انتظاره مائة أو أربعين رجي حضورهم قريبا، للحديث. وفي مسلم: ما من مسلم يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه ولو صلي عليه فحضر من لم يصل، ندب له الصلاة عليه، وتقع فرضا، فينويه، ويثاب ثوابه. والافضل له فعلها بعد الدفن، للاتباع. ولا يندب لمن صلاها – ولو منفردا – إعادتها مع جماعة. فإن أعادها وقعت نفلا. وقال بعضهم: الاعادة خلاف الاولى. (وتصح) الصلاة (على) ميت (غائب) عن بلد، بأن يكون الميت بمحل بعيد عن البلد بحيث لا ينسب


[ 151 ]

إليها عرفا، أخذا من قول الزركشي: إن خارج السور القريب منه كداخله. (لا) على غائب عن مجلسه (فيها) وإن كبرت. نعم، لو تعذر الحضور لها بنحو حبس أو مرض: جازت حينئذ – على الاوجه – (و) تصح على حاضر (مدفون) – ولو بعد بلائه (غير نبي) فلا تصح على قبر نبي، لخبر الشيخين. (من أهل فرضها وقت موته)


[ 152 ]

فلا تصح من كافر وحائض يومئذ، كمن بلغ أو أفاق بعد الموت، ولو قبل الغسل، كما اقتضاه كلام الشيخين. (وسقط الفرض) فيها (بذكر) ولو صبيا مميزا، ولو مع وجود بالغ، وإن لم يحفظ الفاتحة، ولا غيرها، بل وقف بقدرها، ولو مع وجود من يحفظها، لا بأنثى مع وجوده. وتجوز على جنائز صلاة واحدة، فينوي الصلاة عليهم


[ 153 ]

إجمالا. وحرم تأخيرها عن الدفن، بل يسقط الفرض بالصلاة على القبر. (وتحرم صلاة) على كافر، لحرمة الدعاء له بالمغفرة. قال تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) *. ومنهم أطفال الكفار، سواء أنطقوا بالشهادتين أم لا، فتحرم الصلاة عليهم. و (على شهيد) وهو بوزن فعيل، بمعنى مفعول، لانه مشهود له


[ 154 ]

بالجنة، أو فاعل، لان روحه تشهد الجنة قبل غيره. ويطلق لفظ الشهيد على من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو شهيد الدنيا والآخرة. وعلى من قاتل لنحو حمية، فهو شهيد الدنيا. وعلى مقتول ظلما وغريق، وحريق، ومبطون – أي من قتله بطنه – كاستسقاء أو إسهال. فهم الشهداء في الآخرة فقط. (كغسله) أي الشهيد، ولو جنبا، لانه (ص) لم يغسل قتلى أحد. ويحرم إزالة دم شهيد. (وهو من مات في قتال كفار) أو كافر


[ 155 ]

واحد، قبل انقضائه، وإن قتل مدبرا (بسببه) أي القتال، كأن أصابه سلاح مسلم آخر خطأ، أو قتله مسلم استعانوا به، أو تردى ببئر حال قتال، أو جهل ما مات به، وإن لم يكن به أثر دم (لا أسير قتل صبرا) فإنه ليس


[ 156 ]

بشهيد على الاصح، لان قتله ليس بمقاتلة. ولا من مات بعد انقضائه، وقد بقي فيه حياة مستقرة، إن قطع بموته بعد من جرح به. أما من حركته حركة مذبوح عند انقضائه فشهيد جزما. والحياة المستقرة ما تجوز أن يبقى يوما أو يومين – على ما قاله النووي والعمراني -. ولا من وقع بين كفار فهرب منهم فقتلوه، لان ذلك ليس بقتال – كما أفتى به شيخنا ابن زياد رحمه الله تعالى -. ولا من قتله اغتيالا حربي دخل بيننا. نعم، إن قتله عن مقاتلة كان شهيدا – كما نقله السيد السمهودي عن الخادم – (وكفن) ندبا (شهيد في ثيابه) التي مات فيها، والملطخة بالدم


[ 157 ]

أولى، للاتباع، ولو لم تكفه بأن لم تستر كل بدنه تممت وجوبا، (لا) في (حرير) لبسه لضرورة الحرب، فينزع وجوبا. (ويندب) أن يلقن محتضر – ولو مميزا على الاوجه – الشهادة: أي لا إله إلا الله، فقط – لخبر مسلم: لقنوا موتاكم – أي من حضره الموت – لا إله إلا الله مع الخبر الصحيح: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة، أي مع الفائزين. وإلا فكل مسلم – ولو فاسقا – يدخلها، ولو بعد عذاب، وإن طال. وقول جمع: يلقن محمد رسول الله أيضا، لان القصد موته على الاسلام، ولا يسمى مسلما إلا بهما مردود بأنه مسلم، وإنما القصد ختم كلامه بلا إله إلا الله ليحصل له ذلك الثواب. وبحث تلقينه الرفيق الاعلى، لانه آخر ما تكلم به


[ 158 ]

رسول الله (ص)، مردود بأن ذلك لسبب لم يوجد في غيره، وهو أن الله خيره فاختاره. وأما الكافر فيلقنهما قطعا، مع لفظ أشهد، لوجوبه أيضا – على ما سيأتي فيه – إذ لا يصير مسلما إلا بهما. وأن يقف جماعة بعد الدفن عند القبر ساعة يسألون له التثبيت ويستغفرون له، و (تلقين بالغ، ولو شهيدا) كما اقتضاه إطلاقهم – خلافا للزركشي


[ 159 ]

– (بعد) تمام (دفن) فيقعد رجل قبالة وجهه ويقول: يا عبد الله ابن أمة الله: اذكر العهد الذي خرجت عليه من


[ 160 ]

الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد (ص) نبيا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. ربي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم. قال شيخنا: ويسن تكراره ثلاثا، والاولى للحاضرين الوقوف، وللملقن القعود. ونداؤه بالام فيه – أي إن عرفت، وإلا فبحواء – لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم، لان كليهما


[ 161 ]

توقيف، لا مجال للرأي فيه. والظاهر أنه يبدل العبد بالامة في الانثى، ويؤنث الضمائر. انتهى. (و) يندب (زيارة قبور لرجل) لا لانثى، فتكره لها. نعم، يسن لها زيارة قبر النبي (ص). قال بعضهم: وكذا سائر الانبياء،


[ 162 ]

والعلماء، والاولياء. ويسن – كما نص عليه – أن يقرأ من القرآن ما تيسر على القبر، فيدعو له مستقبلا للقبلة. (وسلام) لزائر على أهل المقبرة عموما، ثم خصوصا، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين – عند أول


[ 163 ]

المقبرة -. ويقول عند قبر أبيه – مثلا -: السلام عليك يا والدي. فإن أراد الاقتصار على أحدهما أتى بالثانية، لانه أخص بمقصوده، وذلك لخبر مسلم: أنه (ص) قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. والاستثناء للتبرك، أو للدفن بتلك البقعة، أو للموت على الاسلام. (فائدة) ورد أن من مات يوم الجمعة أو ليلتها أمن من عذاب القبر وفتنته. وورد أيضا: من قرأ قل هو الله أحد، في مرض موته مائة مرة، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر،


[ 164 ]

وجاوز الصراط على أكف الملائكة. وورد أيضا: من قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين – أربعين مرة – في مرضه فمات فيه، أعطي أجر شهيد، وإن برئ برئ مغفورا له. غفر الله لنا، وأعاذنا من عذاب القبر وفتنته.


[ 168 ]

باب الزكاة هي لغة: التطهير والنماء. وشرعا: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن، على الوجه الآتي. وفرضت زكاة المال في السنة الثانية من الهجرة بعد صدقة الفطر. ووجبت في ثمانية أصناف من المال: النقدين، والانعام،


[ 169 ]

والقوت، والتمر، والعنب لثمانية أصناف من الناس. ويكفر جاحد وجوبها، ويقاتل الممتنع عن أدائها، وتؤخذ منه – وإن لم يقاتل – قهرا (تجب على) كل (مسلم) ولو غير مكلف، فعلى الولي إخراجها من ماله. وخرج


[ 170 ]

بالمسلم الكافر الاصلي، فلا يلزمه إخراجها، ولو بعد الاسلام (حر) معين، فلا تجب على رقيق لعدم ملكه، وكذا المكاتب لضعف ملكه، ولا تلزم سيده، لانه غير مالك في (ذهب) ولو غير مضروب، خلافا لمن زعم


[ 171 ]

اختصاصها بالمضروب (بلغ) قدر خالصه (عشرين مثقالا) بوزن مكة تحديدا. فلو نقص في ميزان وتم في آخر فلا زكاة، للشك. والمثقال: اثنان وسبعون حبة شعير متوسطة. قال الشيخ زكريا: ووزن نصاب الذهب بالاشرفي: خمسة وعشرون وسبعان وتسع. وقال تلميذه – شيخنا – والمراد بالاشرفي: القايتبايي. (و) في (فضة بلغت مائتي درهم) بوزن مكة: وهو خمسون حبة وخمسا حبة. فالعشرة دراهم: سبعة مثاقيل ولا وقص فيهما


[ 172 ]

كالمعشرات، فيجب في العشرين، والمائتين، وفيما زاد على ذلك، ولو ببعض حبة: (ربع عشر) للزكاة، ولا يكمل أحد النقدين بالآخر، ويكمل كل نوع من جنس بآخر منه. ويجزئ جيد، وصحيح عن ردئ ومكسر، بل هو أفضل، لا عكسهما. وخرج بالخالص المغشوش، فلا زكاة فيه حتى يبلغ خالصه نصابا. (ك‍) – ما يجب


[ 173 ]

ربع عشر قيمة العرض في (مال تجارة) بلغ النصاب في آخر الحول، وإن ملكه بدون نصاب. ويضم الربح


[ 174 ]

الحاصل في أثناء الحول إلى الاصل في الحول إن لم ينض، أما إذا نض بأن صار ذهبا أو فضة وأمسكه إلى آخر الحول فلا يضم إلى الاصل، بل يزكي الاصل بحوله، ويفرد الربح بحول ويصير عرض التجارة للقنية بنيتها، فينقطع الحول بمجرد نية القنية، لا عكسه. ولا يكفر منكر وجوب زكاة التجارة – للخلاف فيه -.


[ 175 ]

(وشرط) لوجوب الزكاة في الذهب والفضة، لا التجارة (تمام نصاب) لهما (كل الحول) بأن لا ينقص المال عنه في جزء من أجزاء الحول. أما زكاة التجارة فلا يشترط فيها تمامه، إلا آخره، لانه حالة وجوب. (وينقطع) الحول (بتخلل زوال ملك) أثناءه بمعاوضة أو غيرها. نعم، لو ملك نصابا ثم أقرضه آخر بعد ستة أشهر لم ينقطع الحول. فإن كان مليا أو عاد إليه أخرج الزكاة آخر الحول، لان الملك لم يزل بالكلية، لثبوت بدله في ذمة


[ 176 ]

المقترض. (وكره) أن يزيل ملكه ببيع أو مبادلة عما تجب فيه الزكاة (لحيلة) بأن يقصد به دفع وجوب الزكاة، لانه فرار من القربة. وفي الوجيز: يحرم. وزاد في الاحياء: ولا يبرئ الذمة باطنا، وأن هذا من الفقه الضار. وقال ابن الصلاح: يأثم بقصده، لا بفعله. قال شيخنا: أما لو قصده لا لحيلة، بل لحاجة، أو لها وللفرار، فلا كراهة. (تنبيه) لا زكاة على صيرفي بادل ولو للتجارة في أثناء الحول بما في يده من النقد غيره من جنسه أو غيره. وكذا لا زكاة على وارث مات مورثه عن عروض التجارة حتى يتصرف فيها بنيتها، فحينئذ يستأنف حولها. (ولا


[ 177 ]

زكاة في حلي مباح، ولو) اتخذه الرجل بلا قصد لبس أو غيره، أو اتخذه (لاجارة)، أو إعارة لامرأة، (إلا) إذا اتخذه (بنية كنز) فتجب الزكاة فيه. (فرع) يجوز للرجل تختم بخاتم فضة، بل يسن في خنصر يمينه أو يساره، للاتباع. ولبسه في اليمين


[ 178 ]

أفضل. وصوب الاذرعي ما اقتضاه كلام ابن الرفعة من وجوب نقصه عن مثقال للنهي عن اتخاذه مثقالا، وسنده حسن، لكن ضعفه النووي. فالاوجه أنه لا يضبط بمثقال بل بما لا يعد إسرافا عرفا. قال شيخنا: وعليه، فالعبرة بعرف أمثال اللابس. ولا يجوز تعدده، خلافا لجمع، حيث لم يعد إسرافا. وتحليته آلة حرب، كسيف ورمح، وترس، ومنطقة – وهي ما يشد بها الوسط – وسكين الحرب – دون


[ 179 ]

سكين المهنة – والمقلمة: بفضة، بلا سرف، لان ذلك إرهابا للكفار، لا بذهب، لزيادة الاسراف والخيلاء. والخبر المبيح له ضعفه ابن القطان، وإن حسنه الترمذي. وتحليته مصحفا. قال شيخنا: أي ما فيه قرآن، ولو للتبرك، كغلافه بفضة. وللمرأة تحليته بذهب إكراما


[ 180 ]

فيهما. وكتبه بالذهب حسن. ولو من رجل، لا تحلية كتاب غيره، ولو بفضة. والتمويه حرام قطعا مطلقا. ثم إن حصل منه شئ بالعرض على النار حرمت استدامته، وإلا فلا، وإن اتصل بالبدن، خلافا لجمع. ويحل الذهب والفضة – بلا سرف – لامرأة، وصبي – إجماعا – في نحو السوار، والخلخال، والنعل، والطوق. وعلى الاصح في المنسوج بهما. ويحل لهن التاج – وإن لم يعتدنه – وقلادة فيها دنانير معراة قطعا،


[ 181 ]

وكذا مثقوبة، ولا تجب الزكاة فيها. أما مع السرف: فلا يحل شئ من ذلك، كخلخال وزن مجموع فردتيه مائتا مثقال، فتجب الزكاة فيه. (و) تجب على من مر (في قوت) اختياري من حبوب (كبر)، وشعير، (وأرز)، وذرة،


[ 182 ]

وحمص، ودخن، وباقلاء، ودقسة. (و) في (تمر وعنب) من ثمار (بلغ) قدر كل منهما (خمسة أوسق) وهي بالكيل: ثلثمائة صاع. والصاع: أربعة أمداد. والمد: رطل وثلث (منقى) من تبن) وقشر لا يؤكل معه غالبا.


[ 183 ]

واعلم أن الارز مما يدخر في قشره ولا يؤكل معه، فتجب فيه إن بلغ عشرة أوسق (عشر) للزكاة. (إن سقي بلا مؤنة) كمطر، (وإلا) أي وإن سقي بمؤنة كنضح (فنصفه) أي نصف العشر. وسبب التفرقة: ثقل المؤنة في هذا، وخفتها في الاول، سواء أزرع ذلك قصدا، أم نبت اتفاقا – كما في المجموع – حاكيا فيه الاتفاق، وبه يعلم ضعف قول الشيخ زكريا في تحريره تبعا لاصله: يشترط لوجوبها أن يزرعه مالكه أو نائبه، فلا زكاة فيما


[ 184 ]

انزرع بنفسه، أو زرعه غيره بغير أذنه. ولا يضم جنس إلى آخر لتكميل النصاب، بخلاف أنواع الجنس، فتضم. وزرعا العام يضمان إن وقع حصادهما في عام. (فرع) لا تجب الزكاة في مال بيت المال، ولا في ريع موقوف من نخل أو أرض على جهة عامة


[ 185 ]

– كالفقراء والفقهاء والمساجد – لعدم تعين المالك. وتجب في موقوف على معين واحد، أو جماعة معينة – كأولاد زيد -، ذكره في المجموع. وأفتى بعضهم في موقوف على إمام المسجد أو المدرس بأنه يلزمه زكاته – كالمعين -. قال شيخنا: والاوجه خلافه، لان المقصود بذلك: الجهة: دون شخص معين. (تنبيه) قال الجلال البلقيني في حاشية الروضة، تبعا للمجموع: إن غلة الارض المملوكة أو الموقوفة على معين، إن كان البذر من مال مالكها أو الموقوف عليه: فتجب عليه الزكاة فيما أخرجته الارض. فإن كان البذر من مال العامل وجوزنا المخابرة، فتجب الزكاة على العامل، ولا شئ على صاحب الارض، لان الحاصل له أجرة أرضه. وحيث كان البذر من صاحب الارض، وأعطي منه شئ للعامل، لا شئ على العامل، لانه أجرة عمله. اه‍.


[ 186 ]

وتجب الزكاة لنبات الارض المستأجرة مع أجرتها على الزارع. ومؤنة الحصاد والدياس على المالك.


[ 187 ]

(و) تجب على من مر للزكاة (في كل خمس إبل شاة) جذعة ضأن لها سنة، أو ثنية معز لها سنتان، ويجزئ الذكر، وإن كانت إبله إناثا، لا المريض إن كانت إبله صحاحا (إلى خمس وعشرين) منها. ففي عشر شاتان، وخمسة عشر ثلاث، وعشرين إلى الخمس والعشرين أربع، فإذا كملت الخمس والعشرون (فبنت مخاض) لها سنة، هي واجبها إلى ست وثلاثين. سميت بذلك لان أمها آن لها أن تصير من المخاض – أي


[ 188 ]

الحوامل -. (وفي ست وثلاثين) إلى ست وأربعين (بنت لبون) لها سنتان. سميت بذلك لان لها أمها آن لها أن تضع ثانيا، وتصير ذات لبن. (و) في (ست وأربعين) إلى إحدى وستين: (حقة) لها ثلاث سنين، وسميت بذلك لانها استحقت أن تركب، ويحمل عليها، أو أن يطرقها الفحل. (و) في (إحدى وستين: جذعة) لها أربع سنين. سميت بذلك لانها يجذع مقدم أسنانها، أي يسقط. (و) في (ست وسبعين: بنتا لبون. و) في (إحدى وتسعين: حقتان. و) في (مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون. ثم) الواجب (في كل أربعين بنت لبون. و) في كل (خمسين حقة. و) يجب (في ثلاثين بقرة – إلى أربعين – تبيع) له سنة، سمي بذلك لانه يتبع أمه. (و) في


[ 189 ]

(أربعين) إلى ستين: (مسنة) لها سنتان، سميت بذلك لتكامل أسنانها. (و) في (ستين: تبيعان، ثم في كل ثلاثين: تبيع. و) في كل (أربيعن: مسنة. و) يجب (في أربعين غنما) إلى مائة وإحدى وعشرين: (شاة. و) في (مائة وإحدى وعشرين) إلى مائتين وواحدة (شاتان. و) في (مائتين وواحدة) إل ثلثمائة (ثلاث) من الشياه. (و) في (أربعمائة: أربع) منها، (ثم في كل مائة: شاة) جذعة ضأن لها سنة، أو ثنية معز لها سنتان. وما بين النصابين يسمى وقصا. ولا يؤخذ خيار كحامل ومسمنة للاكل. وربى وهي حديثة العهد بالنتاج بأن يمضي لها من ولادتها نصف شهر – إلا برضا مالك. (وتجب الفطرة) أي زكاة الفطر. سميت بذلك لان وجوبها به. وفرضت – كرمضان – في ثاني سني


[ 190 ]

الهجرة. وقول ابن اللبان بعدم وجوبها غلط – كما في الروضة – قال وكيع: زكاة الفطر لشهر رمضان – كسجدة السهو للصلاة – تجبر نقص الصوم، كما يجبر السجود نقص الصلاة – ويؤيده ما صح أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث. (على حر) فلا تلزم على رقيق عن نفسه، بل تلزم سيده عنه، ولا عن زوجته، بل إن كانت أمة فعلى سيدها، وإلا فعليها – كما يأتي -. ولا على مكاتب لضعف ملكه، ومن ثم لم تلزمه زكاة ماله ولا نفقة أقاربه، ولاستقلاله لم تلزم سيده عنه، (بغروب) شمس (ليلة فطر) من رمضان، أي بإدراك آخر جزء منه وأول


[ 191 ]

جزء من شوال. فلا تجب بما حدث بعد الغروب من ولد، ونكاح، وملك قن، وغنى، وإسلام. ولا تسقط بما يحدث بعده من موت، وعتق، وطلاق، ومزيل ملك. ووقت أدائها من وقت الوجوب إلى غروب شمس يوم الفطر. فيلزم الحر – المذكور – أن يؤديها قبل غروب شمسه، (عمن) أي عن كل مسلم (تلزمه نفقته) بزوجية،


[ 192 ]

أو ملك، أو قرابة، حين الغروب. (ولو رجعية) أو حاملا بائنا، ولو أمة، فيلزم فطرتهما كنفقتهما. ولا تجب عن زوجة ناشزة، لسقوط نفقتها عنه، بل تجب عليها إن كانت غنية. ولا عن حرة غنية غير ناشزة تحت معسر، فلا تلزم عليه لانتفاء يساره، ولا عليها لكمال تسليمها نفسها له. ولا عن ولد صغير غني، فتجب من ماله، فإن


[ 193 ]

أخرج الاب عنه من ماله جاز، ورجع إن نوى الرجوع. وفطرة ولد الزنا على أمه. ولا عن ولد كبير قادر على كسب. ولا تجب الفطرة عن قن كافر، ولاعن مرتد، إلا أن عاد للاسلام. وتلزم على الزوج فطرة خادمة الزوجة، إن كانت أمته، أو أمتها وأخدمها إياها، لا مؤجرة، ومن صحبتها، – ولو بأذنه، على المعتمد -. وعلى


[ 194 ]

السيد فطرة أمته المزوجة لمعسر، وعلى الحرة الغنية المزوجة لعبد – لا عليه ولو غنيا. قال في البحر: ولو غاب الزوج، فللزوجة اقتراض نفقتها للضرورة، لا فطرتها، لانه المطالب، وكذا بعضه المحتاج. وتجب الفطرة على من مر، عمن ذكر (إن فضل عن قوت ممون) له تلزمه مؤنتة من نفسه وغيره (يوم عيد وليلته) وعن ملبس،


[ 195 ]

ومسكن، وخادم يحتاج إليهما هو أو ممونه. (وعن دين) – على المعتمد، خلافا للمجموع – ولو مؤجلا، وإن رضي صاحبه بالتأخير. (ما يخرجه فيها) أي الفطرة. (وهي) أي زكاة الفطر (صاع) وهو أربعة أمداد، والمد، رطل، وثلث – وقدره جماعة بحفنة بكفين معتدلين – عن كل واحد (من غالب قوت بلده) أي بلد المؤدى عنه.


[ 196 ]

فلا تجزئ من غير غالب قوته، أو قوت مؤد، أو بلده، لتشوف النفوس لذلك. ومن ثم وجب صرفها لفقراء بلده مؤدى عنه. فإن لم يعرف – كأبق – ففيه آراء: منها: إخراجها حالا. ومنها: أنها لا تجب إلا إذا عاد. وفي قول: لا شئ.


[ 197 ]

(فرع) لا تجزئ قيمة ولا معيب ومسوس ومبلول – أي إلا إن جف وعاد لصلاحية الادخار والاقتيات -، ولا اعتبار لاقتياتهم المبلول إلا أن فقدوا غيره، فيجوز. (وحرم تأخيرها عن يومه) أي العبد – بلا عذر، كغيبة مال أو مستحق. ويجب القضاء – فورا – لعصيانه. ويجوز تعجيلها من أول رمضان، ويسن أن لا تؤخر عن الصلاة العيد، بل يكره ذلك. نعم، يسن تأخيرها


[ 198 ]

لانتظار نحو قريب أو جار ما لم تغرب الشمس.


[ 199 ]

فصل (في أداء الزكاة) (يجب أداءها) أي الزكاة، وإن كان عليه دين مستغرق حال لله أو لآدمي، فلا يمنع الدين وجوب الزكاة – في الاظهر – (فورا) ولو في مال صبي ومجنون، حاجة المستحقين إليها (بتمكن) من الاداء. فإن أخر أثم، وضمن، إن تلف بعده. نعم، إن أخر لانتظار قريب، أو جار، أو أحوج، أو أصلح، لم يأثم، لكنه يضمنه إن


[ 200 ]

تلف، كمن أتلفه، أو قصر في دفع متلف عنه، كأن وضعه في غير حرزه بعد الحول، وقبل التمكن. ويحصل التمكن (بحضور مال) غائب سائر أو قار بمحل عسر الوصول إليه، فإن لم يحضر لم يلزمه الاداء من محل آخر، وإن جوزنا نقل الزكاة (و) حضور (مستحقيها) أي الزكاة، أو بعضهم، فهو متمكن بالنسبة لحصته، حتى لو تلفت ضمنها. ومع فراغ من مهم ديني أو دنيوي – كأكل، وحمام – (وحلول دين) من نقد، أو عرض تجارة


[ 201 ]

(مع قدرة) على استيفائه، بأن كان على ملئ حاضر باذل، أو جاحد عليه بينة، أو يعلمه القاضي، أو قدر هو على خلاصه، فيجب إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقبضه، لانه قادر على قبضه. أما إذا تعذر استيفاؤه بإعسار، أو مطل، أو غيبة، أو جحود ولا بينة، فكمغصوب فلا يلزمه الاخراج إلا إن قبضه. وتجب الزكاة في مغصوب وضال، لكن لا يجب دفعها إلا بعد تمكن بعوده إليه. (ولو أصدقها نصاب نقد) وإن كان في الذمة، أو


[ 202 ]

سائمة معينة (زكته) وجوبا، إذا تم حول من الاصداق، وإن لم تقبضه ولا وطئها. لكن يشترط – إن كان النقد في الذمة – إمكان قبضه، بكونه موسرا حاضرا. (تنبيه) الاظهر أن الزكاة تتعلق بالمال تعلق شركة. وفي قول قديم – اختاره الريمي -: لانها تتعلق بالذمة، لا بالعين. فعلى الاول أن المستحق للزكاة شريك بقدر الواجب، وذلك لانه لو امتنع من إخراجها أخذها الامام منه قهرا. كما يقسم المال المشترك قهرا إذا امتنع بعض الشركاء من قسمته. ولم يفرقوا في الشركة بين


[ 203 ]

العين والدين، فلا يجوز لربه أن يدعي ملك جميعه، بل إنه يستحق قبضه. ولو قال: بعد حول إن أبرأتني من صداقك فأنت طالق، فأبرأته منه لم تطلق، لانه لم يبرأ من جميعه، بل مما عدا قدر الزكاة، فطريقها أن يعطيها ثم تبرئه. ويبطل البيع، والرهن في قدر الزكاة فقط، فإن فعل أحدهما بالنصاب، أو ببعضه بعد الحول صح لا في قدر الزكاة – كسائر الاموال المشتركة على الاظهر -. نعم، يصح في قدرها في مال التجارة، لا الهبة في قدرها فيه. (فرع) تقدم الزكاة ونحوها من تركة مديون ضاقت عن وفاء ما عليه من حقوقه الآدمي وحقوق الله


[ 204 ]

– كالكفارة، والحج والنذر والزكاة -. كما إذا اجتمعتا على حي لم يحجر عليه. ولو اجمتعت فيها حقوق الله فقط قدمت الزكاة إن تعلقت بالعين، بأن بقي النصاب، وإلا بأن تلف بعد الوجوب والتمكن استوت مع غيرها، فيوزع عليها. (وشرط له) أي أداء الزكاة، شرطان. أحدهما: (نية) بقلب، لا نطق (كهذا زكاة) مالي. ولو بدون


[ 205 ]

فرض، إذ لا تكون إلا فرضا (أو صدقة مفروضة). أو هذا زكاة مالي المفروضة. ولا يكفي: هذا فرض مالي، لصدقه بالكفارة والنذر. ولا يجب تعيين المال المخرج عنه في النية. ولو عين لم يقع عن غيره، وإن بان المعين تالفا، لانه لم ينو ذلك الغير. ومن ثم لو نوى إن كان تالفا فعن غيره فبان تالفا وقع عن غيره. بخلاف ما لو قال: هذه زكاة مالي الغائب إن كان باقيا، أو صدقة، لعدم الجزم بقصد الفرض. وإذا قال فإن كان تالفا


[ 206 ]

فصدقة. فبان تالفا، وقع صدقة، أو باقيا، وقع زكاة. ولو كان عليه زكاة وشك في إخراجها، فأخرج شيئا ونوى: إن كان علي شئ من الزكاة فهذا عنه، وإلا فتطوع. فإن بان عليه زكاة أجزأه عنها، وإلا وقع له تطوعا – كما أفتى به شيخنا -. ولا يجزئ عن الزكاة قطعا، إعطاء المال للمستحقين بلا نية. (لا مقارنتها) أي النية (للدفع) فلا يشترط ذلك، (بل تكفي) النية قبل الاداء إن وجدت (عند عزل) قدر الزكاة عن المال (أو إعطاء وكيل) أو إمام، والافضل لهما أن ينويا أيضا عند التفرقة، (أو) وجدت (بعد أحدهما) أي بعد عزل قدر الزكاة أو التوكيل


[ 207 ]

(وقبل التفرقة) لعسر اقترانها بأداء كل مستحق. ولو قال لغيره: تصدق بهذا. ثم نوى الزكاة قبل تصدقه بذلك، أجزأه عن الزكاة. ولو قال لآخر: اقبض ديني من فلان، وهو لك زكاة، لم يكف، حتى ينوي هو بعد قبضه، ثم يأذن له في أخذها وأفتى بعضهم أن التوكيل المطلق في إخراجها يستلزم التوكيل في نيتها. قال شيخنا: وفيه نظر، بل المتجه أنه لا بد من نية المالك، أو تفويضها للوكيل. وقال المتولي وغيره: يتعين نية الوكيل إذا وقع


[ 208 ]

الفرض بماله، بأن قال له موكله أد زكاتي من مالك، لينصرف فعله عنه. وقوله له ذلك متضمن للاذن له في النية. وقال القفال: لو قال لغيره أقرضني خمسة أؤدها عن زكاتي، ففعل، صح. قال شيخنا: وهو مبني على رأيه بجواز اتحاد القابض والمقبض. (وجاز لكل) من الشريكين (إخراج زكاة) المال (المشترك بغير إذن) الشريك (الآخر) كما قاله الجرجاني، وأقره غيره، لاذن الشرع فيه. وتكفي نية الدافع منهما عن نية الآخر – على


[ 209 ]

الاوجه. (و) جاز (توكيل كافر، وصبي في إعطائها المعين) أي إن عين المدفوع إليه، لا مطلقا، ولا تفويض النية إليهما لعدم الاهلية. وجاز توكيل غيرهما في الاعطاء والنية معا. وتجب نية الولي في مال الصبي والمجنون، فإن صرف الولي الزكاة بلا نية ضمنها، لتقصيره. ولو دفعها المزكي للامام بلا نية ولا إذن منه له فيها لم تجزئه نيته. نعم، تجزئ نية الامام عند أخذها قهرا من الممتنع، وإن لم ينو صاحب المال. (و) جاز


[ 210 ]

للمالك – دون الولي – (تعجيلها) أي الزكاة (قبل) تمام (حول)، لا قبل تمام نصاب في غير التجارة، و (لا) تعجيلها (لعامين) في الاصح. وله تعجيل الفطرة من أول رمضان. أما في مال التجارة فيجزئ


[ 211 ]

التعجيل، وإن لم يملك نصابا. وينوي عند التعجيل: كهذه زكاتي المعجلة. (وحرم) تأخيرها – أي الزكاة – (بعد تمام الحول والتملك) وضمن إن تلف بعد تمكن، بحضور المال والمستحق، أو أتلفه بعد حول ولو قبل التمكن. كما مر بيانه. (و) ثانيهما: (إعطاؤها لمستحقيها) أي الزكاة. يعني من وجد من الاصناف الثمانية المذكورة في آية: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله، وابن السبيل) *.


[ 212 ]

والفقير: من ليس له مال ولا كسب لائق، يقع موقعا من كفايته وكفاية ممونه، ولا يمنع الفقر، مسكنه وثيابه – ولو للتجمل في بعض أيام السنة – وكتب يحتاجها، وعبده الذي يحتاج إليه للخدمة، وماله الغائب


[ 213 ]

بمرحلتين، أو الحاضر وقد حيل بينه وبينه والدين المؤجل والكسب الذي لا يليق به. وأفتى بعضهم أن حلي المرأة اللائق بها المحتاجة للتزين به عادة لا يمنع فقرها. وصوبه شيخنا. والمسكين: من قدر على مال أو كسب يقع موقعا من حاجته ولا يكفيه كمن يحتاج لعشرة وعنده ثمانية ولا


[ 214 ]

يكفيه الكفاية السابقة، وإن ملك أكثر من نصاب، حتى أن للامام، أن يأخذ زكاته ويدفعها إليه فيعطى كل منهما – إن تعود تجارة – رأس مال يكفيه ربحه غالبا، أو حرفة آلتها. ومن لم يحسن حرفة ولا تجارة يعطى كفاية العمر الغالب. وصدق مدعي فقر، ومسكنة، وعجز عن كسب – ولو قويا جلدا – بلا يمين، لا مدعي تلف مال عرف بلا بينة.


[ 215 ]

والعامل – كساع -: وهو من يبعثه الامام لاخذ الزكاة، وقاسم وحاشر، لا قاض. والمؤلفة: من أسلم ونيته ضعيفة، أو له شرف يتوقع بإعطائه إسلام غيره. والرقاب: المكاتبون كتابة صحيحة، فيعطى المكاتب – أو سيده – بإذنه دينه إن عجز عن الوفاء، وإن كان


[ 216 ]

كسوبا، لا من زكاة سيده لبقائه على ملكه. والغارم: من استدان لنفسه لغير معصية، فيعطي له إن عجز عن وفاء الدين، وإن كان كسوبا، إذ الكسب لا يدفع حاجته لوفائه إن حل الدين. ثم إن لم يكن معه شئ أعطي الكل، وإلا فإن كان بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن، ترك له مما معه ما يكفيه – أي العمر الغالب -. كما استظهره شيخنا. وأعطي ما يقضي به باقي


[ 217 ]

دينه، أو لاصلاح ذات البين، فيعطى ما استدانه لذلك ولو غنيا. أما إذا لم يستدن بل أعطي ذلك من ماله، فإنه لا يعطاه. ويعطى المستدين لمصلحة عامة كقري ضيف، وفك أسير، وعمارة نحو مسجد، وإن غنيا. أو للضمان. فإن كان الضامن والاصيل معسرين أعطي الضامن وفاءه. أو الاصيل موسرا دون الضامن، أعطي إن ضمن بلا إذن، أو عكسه أعطي الاصيل، لا الضامن، وإذا وفى من سهم الغارم لم يرجع على الاصيل وإن


[ 218 ]

ضمن بإذنه. ولا يصرف من الزكاة شئ لكفن ميت، أو بناء مسجد. ويصدق مدعي كتابة أو غرم بإخبار عدل وتصديق سيد، أو رب دين، أو اشتهار حال بين الناس. (فرع) من دفع زكاته لمدينه بشرط أن يردها له عن دينه، لم يجز، ولا يصح قضاء الدين بها. فإن نويا ذلك بلا شرط، جاز وصح، وكذا إن وعده المدين بلا شرط، فلا يلزمه الوفاء بالوعد. ولو قال لغريمه: جعلت ما عليك زكاة، لم يجزئ – على الاوجه – إلا إن قبضه ثم رده إليه. ولو قال: اكتل من طعامي عندك كذا. ونوى


[ 219 ]

به الزكاة، ففعل – فهل يجزئ ؟ وجهان، وظاهر كلام شيخنا ترجيح عدم الاجزاء. وسبيل الله: وهو القائم بالجهاد متطوعا، ولو غنيا. ويعطى المجاهد النفقة والكسوة له ولعياله ذهابا وإيابا، وثمن آلة الحرب. وابن السبيل: وهو مسافر مجتاز ببلد الزكاة، أو منشئ سفر مباح منها، ولو لنزهة، أو


[ 220 ]

كان كسوبا بخلاف المسافر لمعصية إلا إن تاب، والمسافر لغير مقصد صحيح – كالهائم – ويعطى كفايته، وكفاية من معه من ممونه – أي جميعها – نفقة، وكسوة، ذهابا، وإيابا، إن لم يكن له بطريقه – أو مقصده – مال، ويصدق في دعوى السفر، وكذا في دعوى الغزو، بلا يمين. ويسترد منه ما أخذه إن لم يخرج. ولا يعطى أحد بوصفين. نعم إن أخذ فقير بالغرم فأعطاه غريمه، أعطي بالفقر، لانه الآن محتاج.


[ 221 ]

(تنبيه) ولو فرق المالك الزكاة سقط سهم العامل، ثم إن انحصر المستحقون، ووفى بهم المال، لزم تعميمهم، وإلا لم يجب، ولم يندب. لكن يلزمه إعطاء ثلاثة من كل صنف، وإن لم يكونوا بالبلد وقت الوجوب، ومن المتوطنين أولى. ولو أعطى اثنين من كل صنف، والثالث موجود، لزمه أقل متمول غرما له من


[ 222 ]

ماله، ولو فقد بعض الثلاثة رد حصته على باقي صنفه، إن احتاجه، وإلا فعلى باقي الاصناف. ويلزم التسوية بين الاصناف، وإن كانت حاجة بعضهم أشد، لا التسوية بين آحاد الصنف، بل تندب. واختار جماعة – من أئمتنا – جواز صرف الفطرة إلى ثلاثة مساكين، أو غيرهم من المستحقين، ولو كان كل صنف – أو بعض الاصناف – وقت الوجوب محصورا في ثلاثة فأقل، استحقوها في الاولى. وما يخص


[ 223 ]

المحصورين في الثانية من وقت الوجوب، فلا يضر حدوث غنى أو موت أحدهم، بل حقه باق بحاله، فيدفع نصيب الميت لوارثه، وإن كان هو المزكي. ولا يشاركهم قادم عليهم ولا غائب عنهم وقت الوجوب. فإن زادوا على ثلاثة، لم يملكوا إلا بالقسمة. ولا يجوز لمالك نقل الزكاة عن بلد المال، ولو إلى مسافة قريبة، ولا


[ 224 ]

تجزئ، ولا دفع القيمة في غير مال التجارة، ولا دفع عينه فيه. ونقل عن عمر وابن عباس وحذيفة – رضي الله عنهم – جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد، وبه قال أبو حنيفة، ويجوز عنده نقل الزكاة – مع الكراهة – ودفع قيمتها. وعين مال التجارة. (ولو أعطاها) أي الزكاة – ولو الفطرة – (لكافر، أو من به رق) ولو مبعضا غير مكاتب (أو هاشمي، أو


[ 225 ]

مطلبي)، أو مولى لهما، لم يقع عن الزكاة، لان شرط الآخذ الاسلام، وتمام الحرية، وعدم كونه هاشميا، ولا مطلبيا، وإن انقطع عنهم خمس الخمس لخبر: إن هذه الصدقات – أي الزكوات – إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآله. قال شيخنا: وكالزكاة: كل واجب – كالنذر، والكفارة بخلاف التطوع


[ 226 ]

والهدية. (أو غني) وهو من له كفاية العمر الغالب – على الاصح -. وقيل: من له كفاية سنة. أو الكسب الحلال اللائق (أو مكفي بنفقة قريب) من أصل، أو فرع، أو زوج، بخلاف المكفي بنفقة متبرع (لم يجزئ) ذلك عن الزكاة، ولا تتأدى بذلك إن كان الدافع المالك وإن ظن استحقاقهم. ثم إن كان الدافع يظن الاستحقاق الامام: برئ المالك، ولا يضمن الامام، بل يسترد المدفوع، وما استرده صرفه للمستحقين. أما من لم يكتف


[ 227 ]

بالنفقة الواجبة له – من زوج، أو قريب – فيعطيه المنفق وغيره، حتى بالفقر. ويجوز للمكفي بها الاخذ بغير المسكنة والفقر إن وجد فيه، حتى ممن تلزمه نفقته. ويندب للزوجة إعطاء زوجها من زكاتها، حتى بالفقر والمسكنة وإن أنفقها عليها. قال شيخنا: والذي يظهر أن قريبه الموسر لو امتنع من الانفاق عليه وعجز عنه بالحاكم، أعطي حينئذ، لتحقق فقره أو مسكنته الآن.


[ 228 ]

(فائدة) أفتى النووي في بالغ تاركا للصلاة كسلا أنه لا يقبضها له إلا وليه – أي كصبي ومجنون – فلا تعطى له، وإن غاب وليه، خلافا لمن زعمه: بخلاف ما لو طرأ تركه لها أو تبذيره ولم يحجر عليه: فإنه يقبضها. ويجوز دفعها لفاسق – إلا إن علم أنه يستعين بها على معصية فيحرم وإن أجزأ. (تتمة) في قسمة الغنيمة. ما أخذناه من أهل حرب قهرا: فهو غنيمة، وإلا فهو فئ، ومن الاول:


[ 229 ]

ما أخذناه من دارهم اختلاسا، أو سرقة – على الاصح – خلافا للغزالي وإمامه: حيث قالا إنه مختص بالآخذ بلا تخميس، وادعى ابن الرفعة الاجماع عليه، ومن الثاني: جزية وعشر تجارة وتركة مرتد، ويبدأ في الغنيمة


[ 230 ]

بالسلب للقاتل المسلم بلا تخميس، وهو ملبوس القتيل، وسلاحه، ومركوبه، وكذا سوار، ومنطقة، وخاتم، وطوق. وبالمؤن: كأجرة حمال. ثم يخمس باقيها، فأربعة أخماسها، ولو عقارا، لمن حضر الوقعة، وإن لم


[ 231 ]

يقاتل، فما أحد أولى به من أحد – لا لمن لحقهم بعد انقضائها، ولو قبل جمع المال، ولا لمن مات في أثناء القتال قبل الحيازة على المذهب. وأربعة أخماس الفئ للمرصدين للجهاد وخمسهما يخمس: سهم


[ 232 ]

للمصالح: كسد ثغر، وعمارة حصن، ومسجد، وأرزاق القضاة، والمشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها – ولو مبتدئين – وحفاظ القرآن، والائمة، والمؤذنين. ويعطى هؤلاء مع الغنى ما رآه الامام. ويجب تقديم الاهم – مما ذكر – وأهمها: الاول. ولو منع هؤلاء حقوقهم من بيت المال وأعطي أحدهم منه شيئا: جاز له الاخذ، ما لم يزد على كفايته – على المعتمد – وسهم للهاشمي والمطلبي: للذكر منهما مثل حظ الانثيين، ولو أغنياء. وسهم


[ 233 ]

للفقراء، اليتامى، وسهم للمسكين، وسهم لابن السبيل الفقير. ويجب تعميم الاصناف الاربعة بالعطاء – حاضرهم، وغائبهم عن المحل – نعم، يجوز التفاوت بين آحاد الصنف غير ذوي القربى، لا بين الاصناف، ولو قل الحاصل، بحيث لو عم لم يسد مسدا: خص به الاحوج، ولا يعم – للضرورة. ولو فقد بعضهم: وزع سهمه على الباقين. ويجوز – عند الائمة الثلاثة – صرف جميع خمس الفئ إلى المصالح. ولا يصح شرط


[ 234 ]

الامام: من أخذ شيئا فهو له. وفي قول: يصح. وعليه الائمة الثلاثة. وعند أبي حنيفة ومالك: يجوز للامام أن يفضل بعضا. (فرع) لو حصل لاحد من الغانمين شئ مما غنموا قبل التخميس والقسمة الشرعية: لا يجوز التصرف فيه، لانه مشترك بينهم وبين أهل الخمس. والشريك لا يجوز له التصرف في المشترك بغير إذن شريكه (ويسن


[ 235 ]

صدقة تطوع) لآية: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) * وللاحاديث الكثيرة الشهيرة. وقد تجب: كأن يجد


[ 236 ]

مضطرا ومعه ما يطعمه، فاضلا عنه، ويكره بردئ، وليس منه: التصدق بالفلوس، والثوب الخلق، ونحوهما


[ 237 ]

– بل ينبغي أن لا يأنف من التصدق بالقليل. والتصدق بالماء أفضل: حيث كثر الاحتياج إليه – وإلا فالطعام. ولو تعارض الصدقة حالا، والوقف. فإن كان الوقت وقت حاجة وشدة: فالاول أولى، وإلا فالثاني لكثرة جدواه. قاله ابن عبد السلام وتبعه الزركشي، وأطلق ابن الرفعة ترجيح الاول، لانه قطع حظه من المتصدق به حالا وينبغي – للراغب في الخير – أن لا يخلي (كل يوم) من الايام من الصدقة (بما تيسر) وإن قل، وإعطاؤها (سرا) أفضل منه جهرا. أما الزكاة: فإظهارها أفضل – إجماعا – (و) إعطاؤها (برمضان): أي فيه – لا سيما في عشره


[ 238 ]

الاواخر – أفضل، ويتأكد أيضا: في سائر الازمنة، والامكنة، الفاضلة: كعشر ذي الحجة، والعيدين، والجمعة. وكمكة، والمدينة (و) إعطاؤها (لقريب) لا تلزمه نفقته أولى، الاقرب فالاقرب من المحارم، ثم الزوج أو الزوجة، ثم غير المحرم والرحم من جهة الاب ومن جهة الام سواء، ثم محرم الرضاع، ثم المصاهرة أفضل.


[ 239 ]

(و) صرفها بعد القريب إلى (جار، أفضل) منه لغيره. فعلم أن القريب البعيد الدار في البلد: أفضل من الجار الاجنبي، (لا) يسن التصدق (بما يحتاجه)، بل يحرم بما يحتاج إليه: لنفقة، ومؤنة. من تلزمه نفقته يومه وليلته، أو لوفاء دينه – ولو مؤجلا، وإن لم يطلب منه – ما لم يغلب على ظنه حصوله من جهة أخرى ظاهرة لان الواجب


[ 240 ]

لا يجوز تركه لسنة، وحيث حرمت الصدقة بشئ لم يملكه المتصدق عليه – على ما أفتى به شيخنا المحقق ابن زياد رحمه الله تعالى. لكن الذي جزم به شيخنا في شرح المنهاج أنه يملكه. والمن بالصدقة حرام محبط للاجر كالاذى.


[ 241 ]

(فائدة) قال في المجموع: يكره الاخذ ممن بيده حلال وحرام – كالسلطان الجائز. وتختلف الكراهة بقلة الشبهة وكثرتها، ولا يحرم إلا إن تيقن أن هذا من الحرام. وقول الغزالي: يحرم الاخذ ممن أكثر ماله حرام وكذا معاملته: شاذ.


[ 242 ]

باب الصوم وهو لغة: الامساك. وشرعا: إمساك عن مفطر بشروطه الآتية. وفرض في شعبان، في السنة الثانية من الهجرة. وهو من خصائصنا، ومن المعلوم من الدين بالضرورة (يجب صوم) شهر (رمضان) إجماعا، بكمال


[ 243 ]

شعبان ثلاثين يوما، أو رؤية عدل واحد، ولو مستورا هلاله بعد الغروب، إذا شهد بها عند القاضي، ولو مع إطباق غيم، بلفظ: أشهد أني رأيت الهلال، أو أنه هل. ولا يكفي: قوله: أشهد أن غدا من رمضان. ولا يقبل


[ 244 ]

على شهادته إلا بشهادة عدلين، وبثبوت رؤية هلال رمضان عند القاضي بشهادة عدل بين يديه – كما مر – ومع قوله ثبت عندي: يجب الصوم على جميع أهل البلد المرئي فيه، وكالثبوت عند القاضي: الخبر المتواتر برؤيته، ولو من كفار، لافادته العلم الضروري، وظن دخوله بالامارة الظاهرة التي لا تتخلف عادة: – كرؤية القناديل المعلقة بالمنائر – ويلزم الفاسق والعبد والانثى: العمل برؤية نفسه، وكذا من اعتقد صدق نحو فاسق


[ 245 ]

ومراهق في أخباره برؤية نفسه، أو ثبوتها في بلد متحد مطلعه: – سواء أول رمضان وآخره على الاصح – والمعتمد: أن له – بل عليه – اعتماد العلامات بدخول شوال، إذا حصل له اعتقاد جازم بصدقها – كما أفتى به شيخانا: ابن زياد وحجر، كجمع محققين – وإذا صاموا – ولو برؤية عدل – أفطروا بعد ثلاثين، وإن لم يروا الهلال ولم يكن غيم، لكمال العدة بحجة شرعية. ولو صام بقول من يثق، ثم لم ير الهلال بعد ثلاثين مع الصحو: لم يجز له الفطر، ولو رجع الشاهد بعد شروعهم في الصوم: لم يجز لهم الفطر. وإذا ثبت رؤيته ببلد


[ 246 ]

لزم حكمه البلد القريب – دون البعيد – ويثبت البعد باختلاف المطالع – على الاصح – والمراد باختلافها: أن يتباعد المحلان – بحيث لو رؤي في أحدهما: لم ير في الآخر غالبا، قاله في الانوار. وقال التاج التبريزي – وأقره


[ 247 ]

غيره -: لا يمكن اختلافها في أقل من أربعة وعشرين فرسخا. ونبه السبكي – وتبعه غيره -: على أنه يلزم من الرؤية في البلد الغربي من غير عكس، إذ الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل. وقضية كلامهم أنه متى رؤي في شرقي: لزم كل غربي – بالنسبة إليه – العمل بتلك الرؤية، وإن اختلفت المطالع. وإنما يجب صوم رمضان


[ 248 ]

(على) كل مكلف – أي بالغ – عاقل، (مطيق له) أي للصوم حسا، وشرعا، فلا يجب على صبي، ومجنون، ولا على من لا يطيقه – لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، ويلزمه مد لكل يوم: ولا على حائض، ونفساء، لانهما لا تطيقان شرعا. (وفرضه) أي الصوم (نية) بالقلب، ولا يشترط التلفظ بها، بل يندب، ولا يجزئ عنها التسحر


[ 249 ]

– وإن قصد به التقوي على الصوم – ولا الامتناع من تناول مفطر، خوف الفجر، ما لم يخطر بباله الصوم بالصفات التي يجب التعرض له في النية (لكل يوم): فلو نوى أول ليلة رمضان صوم جميعه: لم يكف لغير اليوم الاول. قال شيخنا: لكن ينبغي ذلك، ليحصل له صوم اليوم الذي نسي النية فيه عند مالك، كما تسن له أول اليوم الذي نسيها فيه، ليحصل له صومه عند أبي حنيفة. وواضح أن محله: إن قلد، وإلا كان متلبسا بعبادة


[ 250 ]

فاسدة في اعتقاده (وشرط لفرضه) أي الصوم – ولو نذرا، أو كفارة، أو صوم استسقاء أمر به الامام – (تبييت) أي إيقاع النية ليلا: أي فيما غروب الشمس وطلوع الفجر، ولو في صوم المميز. قال شيخنا: ولو شك – هل وقعت نيته قبل الفجر أو بعده ؟ لم تصح، لان الاصل عدم وقوعها ليلا، إذ الاصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن – بخلاف ما لو نوى ثم شك: هل طلع الفجر أو لا ؟ لان الاصل عدم طلوعه، للاصل المذكور أيضا.


[ 251 ]

انتهى. ولا يبطلها نحو أكل وجماع بعدها وقبل الفجر. نعم، لو قطعها قبله، احتاج لتجديدها قطعا. (وتعيين) لمنوي في الفرض كرمضان، أو نذر أو كفارة – بأن ينوي كل ليلة أنه صائم غدا عن رمضان، أو النذر، أو الكفارة – وإن لم يعين سببها. فلو نوى الصوم عن فرضه، أو فرض وقته: لم يكف. نعم، من عليه قضاء رمضانين، أو نذر، أو كفار من جهات مختلفة: لم يشترط التعيين لاتحاد الجنس. واحترز باشتراط التبييت في الفرض عن النفل، فتصح فيه – ولو مؤقتا – النية قبل الزوال: للخبر الصحيح، وبالتعيين فيه النفل أيضا، فيصح


[ 252 ]

– ولو مؤقتا – بنية مطلقة – كما اعتمده غير واحد. نعم، بحث في المجموع اشتراط التعيين في الرواتب كعرفة وما معها فلا يحصل غيرها معها، وإن نوى، بل مقتضى القياس – كما قال الاسنوي – أن نيتهما مبطلة، كما لو نوى الظهر وسنته، أو سنة الظهر وسنة العصر – فأقل النية المجزئة: نويت صوم رمضان، ولو بدون الفرض على المعتمد – كما صححه في المجموع، تبعا للاكثرين، لان صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضا. ومقتضى


[ 253 ]

كلام الروضة والمنهاج وجوبه، أو بلا غد – كما قال الشيخان – لان لفظ الغد، اشتهر في كلامهم في تفسير التعيين وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين، فلا يجب التعرض له بخصوصه، بل يكفي دخوله في صوم الشهر المنوي لحصول التعيين حينئذ، لكن قضية كلام شيخنا – كالمزجد -: وجوبه (وأكملها) أي النية: (نويت صوم غد عن أداء فرض رمضان) بالجر لاضافته لما بعده (هذه السنة لله تعالى) لصحة النية حينئذ اتفاقا، وبحث


[ 254 ]

الاذرعي أنه لو كان عليه مثل الاداء كقضاء رمضان قبله: لزمه التعرض للاداء، أو تعيين السنة (ويفطر عامد) لاناس للصوم، وإن كثر منه نحو جماع وأكل (عالم) لا جاهل، بأن ما تعاطاه مفطر لقرب إسلامه، أو نشئه


[ 255 ]

ببادية بعيدة عمن يعرف ذلك (مختار)، لا مكره لم يحصل منه قصد، ولا فكر، ولا تلذذ (بجماع) وإن لم ينزل (واستمناء) ولو بيده أو بيد حليلته، أو بلمس لما ينقض لمسه بلا حائل (لا ب‍) – قبلة و (ضم) لامرأة (بحائل): أي معه، وإن تكرر بشهوة، أو كان الحائل رقيقا، فلو ضم امرأة أو قبلها بلا ملامسة بدن بلا بحائل بينهما فأنزل:


[ 256 ]

لم يفطر، لانتفاء المباشرة – كالاحتلام. والانزال بنظر وفكر، ولو لمس محرما أو شعر امرأة فأنزل: لم يفطر – لعدم النقض به. ولا يفطر بخروج مذي: خلافا للمالكية (واستقاءة) أي استدعاء قئ وإن لم يعد منه شئ لجوفه: بأن تقيأ منكسا أو عاد بغير اختياره، فهو مفطر لعينه، أما إذا غلبه ولم يعد منه – أو من ريقه المتنجس به –


[ 257 ]

شئ إلى جوفه بعد وصوله لحد الظاهر، أو عاد بغير اختياره: فلا يفطر به – للخبر الصحيح بذلك (لا بقلع نخامة) من الباطن أو الدماغ إلى الظاهر، فلا يفطر به إن لقطها لتكرر الحاجة إليه، أما لو ابتلعها مع القدرة على لفظها بعد وصولها لحد الظاهر – وهو مخرج الحاء المهملة – فيفطر قطعا. ولو دخلت ذبابة جوفه: أفطر بإخراجها


[ 258 ]

مطلقا، وجاز له – إن ضره – بقاوها مع القضاء: كما أفتى به شيخنا (و) يفطر (بدخول عين) وإن قلت إلى ما يسمى (جوفا): أي جوف من مر: كباطن أذن، وإحليل، – وهو مخرج بول – ولبن – وإن لم يجاوز الحشفة أو الحلمة ووصول أصبع المستنجية إلى وراء ما يظهر من فرجها عند جلوسها على قدميها: مفطر، وكذا وصول بعض الانملة إلى المسربة، كذا أطلقه القاضي، وقيده السبكي بما إذا وصل شئ منها إلى المحل المجوف


[ 259 ]

منها، بخلاف أولها المنطبق فإنه لا يسمى جوفا، وألحق به أول الاحليل الذي يظهر عند تحريكه، بل أولى. قال ولده: وقول القاضي: الاحتياط أن يتغوط بالليل: مراده أن إيقاعه فيه خير منه في النهار، لئلا يصل شئ إلى جوف مسربته، لا أنه يؤمر بتأخيره إلى الليل، لان أحدا لا يؤمر بمضرة في بدنه، ولو خرجت مقعدة مبسور: لم يفطر بعودها، وكذا إن أعادها بأصبعه، لاضطراره إليه. ومنه يؤخذ – كما قال شيخنا – أنه لو اضطر لدخول الاصبع إلى الباطن لم يفطر، وإلا أفطر وصول الاصبع إليه. وخرج بالعين: الاثر – كوصول الطعم بالذوق إلى


[ 260 ]

حلقه -. وخرج بمن مر – أي العامد العالم المختار – الناسي للصوم، والجاهل المعذور بتحريم إيصال شئ إلى الباطن، وبكونه مفطرا والمكره، فلا يفطر كل منهم بدخول عين جوفه، وإن كثر أكله، ولو ظن أن أكله ناسيا مفطر فأكل جاهلا بوجوب الامساك: أفطر. ولو تعمد فتح فمه في الماء فدخل جوفه أو وضعه فيه فسبقه أفطر. أو


[ 261 ]

وضع في فيه شيئا عمدا وابتلعه ناسيا، فلا. ولا يفطر بوصول شئ إلى باطن قصبة أنف حتى يجاوز منتهى الخيشوم، وهو أقصى الانف. و (لا) يفطر (بريق طاهر صرف) أي خالص ابتلعه (من معدنه) وهو جميع الفم، ولو بعد جمعه على الاصح، وإن كان بنحو مصطكى. أما لو ابتلع ريقا اجتمع بلا فعل، فلا يضر قطعا. وخرج بالطاهر: المتنجس بنحو دم لثته فيفطر بابتلاعه، وإن صفا، ولم يبق فيه أثر مطلقا، لانه لما حرم ابتلاعه لتنجسه صار بمنزلة عين أجنبية. قال شيخنا: ويظهر العفو عمن ابتلي بدم لثته بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه. وقال


[ 262 ]

بعضهم: متى ابتلعه المبتلى به مع علمه به وليس له عنده بد، فصومه صحيح، وبالصرف المختلط بطاهر آخر، فيفطر من ابتلع ريقا متغيرا بحمرة نحو تنبل، وإن تعسر إزالتها، أو بصبغ خيط فتله بفمه، وبمن معدنه ما إذا خرج من الفم لا على لسانه ولو إلى ظاهر الشفة ثم رده بلسانه وابتلعه، أو بل خيطا أو سواكا بريقه أو بماء فرده إلى فمه وعليه رطوبة تنفصل وابتلعها: فيفطر. بخلاف ما لو لم يكن على الخيط ما ينفصل لقلته أو لعصره أو


[ 263 ]

لجفافه، فإنه لا يضر، كأثر ماء المضمضة، وإن أمكن مجه لعسر التحرز عنه، فلا يكلف تنشيف الفم عنه. (فرع) لو بقي طعام بين أسنانه فجرى به ريقه بطبعه لا بقصده: لم يفطر إن عجز عن تمييزه ومجه، وإن ترك التخلل ليلا مع علمه ببقائه وبجريان ريقه به نهارا، لانه إنما يخاطب بهما إن قدر عليهما حال الصوم، لكن يتأكد التخلل بعد التسحر، أما إذا لم يعجز أو ابتلعه قصدا: فإنه مفطر جزما، وقول بعضهم يجب غسل الفم مما أكل ليلا وإلا أفطر: رده شيخنا. (ولا يفطر بسبق ماء جوف مغتسل عن) نحو (جنابة) كحيض، ونفاس إذا كان


[ 264 ]

الاغتسال (بلا انغماس) في الماء، فلو غسل أذنيه في الجنابة فسبق الماء من إحداهما لجوفه: لم يفطر، وإن أمكنه إمالة رأسه أو الغسل قبل الفجر. كما إذا سبق الماء إلى الداخل للمبالغة في غسل الفم المتنجس لوجوبها: بخلاف ما إذا اغتسل منغمسا فسبق الماء إلى باطن الاذن أو الانف، فإنه يفطر، ولو في الغسل الواجب، لكراهة الانغماس: كسبق ماء المضمضة بالمبالغة إلى الجوف مع تذكره للصوم، وعلمه بعدم مشروعيتها، بخلافه بلا مبالغة. وخرج بقولي عن نحو جنابة: الغسل المسنون، وغسل التبرد، فيفطر بسبق ماء فيه، ولو بلا انغماس.


[ 265 ]

(فروع) يجوز للصائم، الافطار بخبر عدل بالغروب، وكذا بسماع أذانه، ويحرم للشاك الاكل آخر النهار حتى يجتهد ويظن انقضاءه، ومع ذلك الاحوط: الصبر لليقين. ويجوز الاكل إذا ظن بقاء الليل، باجتهاد أو إخبار، وكذا لو شك، لان الاصل بقاء الليل، لكن يكره، ولو أخبره عدل طلوع الفجر: اعتمده، وكذا فاسق


[ 266 ]

ظن صدقه. ولو أكل باجتهاد أولا وآخرا فبان أنه أكل نهارا، بطل صومه، إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه، فإن لم يبن شئ: صح. ولو طلع الفجر وفي فمه طعام فلفظه قبل أن ينزل منه شئ لجوفه: صح صومه، وكذا لو كان مجامعا عند ابتداء طلوع الفجر فنزع في الحال – أي عقب طلوعه – فلا يفطر وإن أنزل، لان النزع ترك للجماع. فإن لم ينزع حالا: لم ينعقد الصوم، وعليه القضاء والكفارة (ويباح فطر) في صوم واجب (بمرض مضر) ضررا


[ 267 ]

يبيح التيمم، كأن خشي من الصوم بطء برء، (وفي سفر قصر) دون قصير وسفر معصية. وصوم المسافر بلا ضرر. أحب من الفطر (ولخوف هلاك) بالصوم من عطش أو جوع وإن كان صحيحا مقيما. وأفتى الاذرعي


[ 268 ]

بأنه يلزم الحصادين – أي ونحوهم – تبييت النية كل ليلة، ثم من لحقه منهم مشقة شديدة – أفطر، وإلا فلا. (ويجب قضاء) ما فات ولو بعذر من الصوم الواجب، ك‍ (- رمضان) ونذر وكفارة بمرض أو سفر، أو ترك نية أو بحيض أو نفاس، لا بجنون وسكر لم يتعد به. وفي المجموع أن قضاء يوم الشك على الفور، لوجوب إمساكه. ونظر فيه جمع بأن تارك النية يلزمه الامساك مع أن قضاءه على التراخي قطعا. (و) يجب (إمساك) عن مفطر (فيه)


[ 269 ]

أي رمضان فقط، دون نحو نذر وقضاء، (إن أفطر بغير عذر) من مرض أو سفر، (أو بغلط) كمن أكل ظانا بقاء الليل، أو نسي تبييت النية، أو أفطر يوم الشك وبان من رمضان، لحرمة الوقت. وليس الممسك في صوم شرعي، لكنه يثاب عليه، فيأثم بجماع، ولا كفارة. وندب إمساك لمريض شفي، ومسافر قدم أثناء النهار مفطرا، وحائض طهرت أثناءه (و) يجب (على من أفسده) أي صوم رمضان (بجماع) أثم به لاجل الصوم،


[ 270 ]

لا باستمناء وأكل: (كفارة) متكررة بتكرر الافساد، وإن لم يكفر عن السابق (معه) أي مع قضاء ذلك الصوم.


[ 271 ]

والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فصوم شهرين مع التتابع إن عجز عنه، فإطعام ستين مسكينا أو فقيرا إن عجز عن الصوم – لهرم أو مرض – بنية كفارة، ويعطى لكل واحد مد من غالب القوت، ولا يجوز صرف الكفارة لمن تلزمه مؤنته (و) يجب (على من أفطر) في رمضان (لعذر لا يرجى زواله) – ككبر ومرض لا يرجى برؤه: (مد)


[ 272 ]

لكل يوم منه إن كان موسرا حينئذ (بلا قضاء) وإن قدر عليه بعد، لانه غير مخاطب بالصوم، فالفدية في حقه واجبة ابتداء، لا بدلا، ويجب المد – مع القضاء – على: حامل، ومرضع، أفطرتا للخوف على الولد،


[ 273 ]

(و) يجب (على مؤخر قضاء) لشئ من رمضان حتى دخل رمضان آخر (بلا عذر) في التأخير: بأن خلا عن


[ 274 ]

السفر والمرض قدر ما عليه (مد لكل سنة) فيتكرر بتكرر السنين، على المعتمد -. وخرج بقولي بلا عذر: ما إذا كان التأخير بعذر – كأن استمر سفره أو مرضه، أو إرضاعها إلى قابل – فلا شئ عليه ما بقي العذر، وإن استمر سنين. ومتى أخر قضاء رمضان – مع تمكنه – حتى دخل آخر فمات: أخرج من تركته لكل يوم مدان: مد للفوات، ومد للتأخير إن لم يصم عنه قريبه أو مأذونه، وإلا وجب مد واحد للتأخير. والجديد: عدم جواز الصوم


[ 275 ]

عنه مطلقا، بل يخرج من تركته لكل يوم مد طعام، وكذا صوم النذر والكفارة، وذهب النووي – كجمع محققين – إلى تصحيح القديم القائل: بأنه لا يتعين الاطعام فيمن مات، بل يجوز للولي أن يصوم عنه ثم إن خلف تركة، وجب أحدهما، وإلا ندب. ومصرف الامداد: فقير، ومسكين، وله صرف أمداد لواحد.


[ 276 ]

(فائدة) من مات وعليه صلاة، فلا قضاء، ولا فدية. وفي قول – كجمع مجتهدين – أنها تقضى عنه، لخبر البخاري وغيره، ومن ثم اختاره جمع من أئمتنا، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه، ونقل ابن برهان عن القديم أنه يلزم الولي – إن خلف تركه – أن يصلي عنه، كالصوم. وفي وجه – عليه كثيرون من أصحابنا – أنه يطعم عن كل صلاة مدا. وقال المحب الطبري: يصل للميت كل عبادة تفعل عنه: واجبة أو مندوبة. وفي شرح المختار لمؤلفه: مذهب أهل السنة أن للانسان أن يجعل ثواب عمله وصلاته لغيره ويصله. (وسن) لصائم رمضان وغيره (تسحر)، وتأخيره، ما لم يقع في شك، وكونه على تمر لخبر فيه، ويحصل ولو بجرعة ماء، ويدخل وقته بنصف


[ 277 ]

الليل. وحكمته: التقوي، أو مخالفة أهل الكتاب ؟ وجهان. وسن تطيب وقت سحر، (و) سن (تعجيل فطر) إذا تيقن الغروب. ويعرف في العمران والصحارى التي بها جبال بزوال الشعاع من أعالي الحيطان والجبال، وتقديمه على الصلاة، إن لم يخش من تعجيله فوات الجماعة أو تكبيرة الاحرام. (و) كونه (بتمر) للامر به،


[ 278 ]

والاكمل أن يكون بثلاث، (ف‍) – إن لم يجده فعلى حسوات (ماء)، ولو من زمزم، فلو تعارض التعجيل على الماء، والتأخير على التمر، قدم الاول، فيما استظهره شيخنا، وقال أيضا: يظهر في تمر قويت شبهته وماء حفت شبهته، أن الماء أفضل. قال الشيخان: لا شئ أفضل بعد التمر غير الماء، فقول الروياني: الحلو أفضل من


[ 279 ]

الماء – ضعيف، كقول الاذرعي: الزبيب أخو التمر، وإنما ذكره لتيسره غالبا بالمدينة. ويسن أن يقول عقب الفطر: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت ويزيد – من أفطر بالماء -: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الاجر إن شاء الله تعالى. (و) سن (غسل عن نحو جنابة قبل فجر) لئلا يصل الماء إلى باطن نحو أذنه أو دبره. قال شيخنا: وقضيته أن وصوله لذلك مفطر، وليس عمومه مرادا – كما هو ظاهر أخذا مما مر: إن سبق ماء نحو المضمضة المشروع، أو غسل الفم المتنجس: لا يفطر، لعذره، فليحمل هذا على مبالغة منهي عنها.


[ 280 ]

(و) سن (كف) نفس عن طعام فيه شبهة، و (شهوة) مباحة. من مسموع، ومبصر، ومس طيب، وشمه. ولو


[ 281 ]

تعارضت كراهة مس الطيب للصائم، ورد الطيب: فاجتناب المس أولى، لان كراهته تؤدي إلى نقصان العبادة. قال في الحلية: الاولى للصائم ترك الاكتحال. ويكره سواك بعد الزوال، وقت غروب، وإن نام أو أكل كريها ناسيا. وقال جمع: لم يكره، بل يسن إن تغير الفم بنحو نوم. ومما يتأكد للصائم: كف اللسان عن كل محرم


[ 282 ]

– ككذب وغيبة، ومشاتمة – لانه محبط للاجر، كما صرحوا به، ودلت عليه الاخبار الصحيحة، ونص عليه الشافعي والاصحاب، وأقرهم في المجموع، وبه يرد بحث الاذرعي حصوله وعليه إثم معصيته. وقال بعضهم: يبطل أصل صومه، وهو قياس مذهب أحمد في الصلاة في المغصوب. ولو شتمه أحد فليقل – ولو في نفل – إني صائم، مرتين أو ثلاثا – في نفسه – تذكيرا لها، وبلسانه: حيث لم يظن رياء، فإن اقتصر على أحدهما: فالاولى


[ 283 ]

بلسانه (و) سن مع التأكيد (برمضان)، وعشره الاخير آكد، (إكثار صدقة)، وتوسعة على عيال، وإحسان على الاقارب والجيران – للاتباع – وأن يفطر الصائمين – أي يعشيهم – إن قدر، وإلا فعلى نحو شربة، (و) إكثار (تلاوة) للقرآن في غير نحو الحش، ولو نحو طريق، وأفضل الاوقات للقراءة من النهار: بعد الصبح، ومن


[ 284 ]

الليل: في السحر،. فبين العشاءين. وقراءة الليل أولى. وينبغي أن يكون شأن القارئ: التدبر. قال أبو الليث


[ 285 ]

في البستان: ينبغي للقارئ أن يختم القرآن في السنة مرتين – إن لم يقدر على الزيادة -. وقال أبو حنيفة: من قرأ


[ 288 ]

القرآن في كل سنة مرتين: فقد أدى حقه، وقال أحمد: يكره تأخير ختمة أكثر من أربعين يوما – بلا عذر – لحديث ابن عمر. (و) إكثار عبادة و (اعتكاف) للاتباع (سيما) بتشديد الياء، وقد يخفف، والافصح جر ما بعدها،


[ 289 ]

وتقديم لا عليها. وما زائدة وهي دالة على أن ما بعدها أولى بالحكم مما قبلها (عشر آخره) فيتأكد له إكثار الثلاثة المذكورة للاتباع – ويسن أن يمكث معتكفا إلى صلاة العيد، وأن يعتكف قبل دخول العشر، ويتأكد إكثار العبادات المذكورة فيه رجاء مصادفة ليلة القدر، أي الحكم والفصل – أو الشرف، والعمل فيها خير من العمل


[ 290 ]

في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهي منحصرة عندنا فيه، فأرجاها: أو تاره، وأرجى أوتاره عند الشافعي: ليلة الحادي أو الثالث والعشرين، واختار النووي – وغيره – انتقالها. وهي أفضل ليالي السنة، وصح: من قام ليلة


[ 291 ]

القدر إيمانا – أي تصديقا بأنها حق وطاعة – واحتسابا – أي طلبا لرضا الله تعالى وثوابه – غفر له ما تقدم من ذنبه وفي رواية: وما تأخر. وروى البيهقي خبر من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان:


[ 292 ]

فقد أخذ من ليلة القدر بحظ وافر. وروى أيضا: من شهد العشاء الاخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر. وشذ من زعم أنها ليلة النصف من شعبان. (تتمة) يسن اعتكاف كل وقت، وهو لبث فوق قدر طمأنينة الصلاة، ولو مترددا في مسجد أو رحبته التي لم


[ 293 ]

يتيقن حدوثها بعده، وأنها غير مسجد بنية اعتكاف. ولو خرج – ولو لخلاء – من لم يقدر الاعتكاف – المندوب أو


[ 294 ]

المنذور – بمدة بلا عزم عود جدد النية وجوبا – إن أراده -. وكذا إذا عاد بعد الخروج لغير نحو خلاء من قيده بها، كيوم. فلو خرج عازما لعود فعاد لم يجب تجديد النية. ولا يضر الخروج في اعتكاف نوى تتابعه، كأن نوى


[ 295 ]

اعتكاف أسبوع، أو شهر متتابع، وخرج لقضاء حاجة – ولو بلا شدتها – وغسل جنابة، وإزالة نجس وإن أمكنهما في المسجد، لانه أصون لمروءته ولحرمة المسجد، أكل طعام، لانه يستحيا منه في المسجد، وله الوضوء بعد قضاء الحاجة تبعا له. لا الخروج له قصدا، ولا لغسل مسنون، ولا يضر بعد موضعها، إلا أن يكون لذلك موضع أقرب منه، أو يفحش البعد، فيضر، ما لم يكن الاقرب غير لائق به، ولا يكلف المشي على غير سجيته،


[ 296 ]

وله صلاة على جنازة إن لم ينتظر. ويخرج جوازا في إعتكاف متتابع لما استثناه من غرض دنيوي: – كلقاء أمير – أو أخروي – كوضوء، وغسل مسنون، وعيادة مريض، وتعزية مصاب، وزيارة قادم من سفر – ويبطل بجماع –


[ 297 ]

وإن استثناه – أو كان في طريق قضاء الحاجة، وإنزال مني بمباشرة بشهوة – كقبلة – وللمعتكف الخروج من التطوع لنحو عيادة مريض. وهل هو أفضل، أو تركه، أو سواء ؟ وجوه، والاوجه – كما بحث البلقيني – أن الخروج لعيادة نحو رحم وجار وصديق، أفضل. واختار ابن الصلاح الترك، لانه (ص) كان يعتكف ولم يخرج لذلك.


[ 298 ]

(مهمة) قال في الانوار: يبطل ثواب الاعكتاف بشتم، أو غيبة. أو أكل حرام.


[ 299 ]

فصل (في صوم التطوع) وله من الفضائل والمثوبة ما لا يحصيه إلا الله تعالى، ومن ثم، أضافه تعالى إليه دون غيره من العبادات، فقال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به. وفي الصحيحين: من صام يوما في سبيل


[ 300 ]

الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا. (ويسن) متأكدا (صوم يوم عرفة) لغير حاج، لانه يكفر السنة التي هو فيها والتي بعدها – كما في خبر مسلم – وهو تاسع ذي الحجة، والاحوط صوم الثامن مع عرفة. والمكفر: الصغائر التي لا تتعلق بحق الآدمي، إذ الكبائر لا يكفرها إلا التوبة الصحيحة. وحقوق الآدمي متوقفة على رضاه، فإن لم تكن له صغائر زيد في حسناته. ويتأكد صوم الثمانية قبله: للخبر الصحيح فيها، المقتضي


[ 301 ]

لافضلية عشرها على عشر رمضان الاخير. (و) يوم (عاشوراء): وهو عاشر المحرم، لانه يكفر السنة الماضية – كما في مسلم -. (وتاسوعاء): وهو تاسعه، لخبر مسلم: لئن بقيت إلى قابل لاصومن التاسع. فمات قبله. والحكمة: مخالفة اليهود، ومن ثم سن لمن لم يصمه: صوم الحادي عشر، بل إن صامه، لخبر فيه. وفي الام: لا بأس أن يفرده. وأما أحاديث الاكتحال والغسل، والتطيب في يوم عاشوراء، فمن وضع الكذابين (و) صوم


[ 303 ]

(ستة) أيام (من شوال) لما في الخبر الصحيح أن صومها مع صوم رمضان كصيام الدهر. واتصالها بيوم العيد


[ 304 ]

أفضل: مبادرة للعبادة، (وأيام) الليالي (البيض) وهي: الثالث عشر وتالياه، لصحة الامر بصومها، لان صوم الثلاثة كصوم الشهر، إذ لحسنة بعشر أمثالها، ومن ثم تحصل السنة بثلاثة وغيرها، لكنها أفضل، ويبدل – على الاوجه – ثالث عشر ذي الحجة بسادس عشره، وقال الجلال البلقيني: لا بل يسقط. ويسن صوم أيام السود:


[ 305 ]

وهي الثامن والعشرون وتالياه، (و) صوم (الاثنين والخميس) للخبر الحسن أنه (ص) كان يتحرى صومهما وقال: تعرض فيهما الاعمال، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم والمراد عرضها على الله تعالى. وأما رفع الملائكة لها: فإنه مرة بالليل ومرة بالنهار، ورفعها في شعبان محمول، على رفع أعمال العام مجملة. وصوم الاثنين أفضل من صوم الخميس – لخصوصيات ذكروها فيه، وعد الحليمي اعتياد صومهما مكروه: شاذ.


[ 306 ]

(فرع) أفتى جمع متأخرون بحصول ثواب عرفة وما بعده بوقوع صوم فرض فيها، خلاف للمجموع. وتبعه الاسنوي فقال: إن نواهما لم يحصل له شئ منهما. قال شيخنا – كشيخه – والذي يتجه أن القصد وجود


[ 307 ]

صوم فيها، فهي كالتحية، فإن نوى التطوع أيضا، حصلا، وإلا سقط عنه الطلب. (فرع) أفضل الشهور للصوم بعد رمضان: الاشهر الحرم. وأفضلها المحرم، ثم رجب، ثم الحجة، ثم القعدة، ثم شهر شعبان. وصوم تسع ذي الحجة أفضل من صوم عشر المحرم اللذين يندب صومهما.


[ 308 ]

(فائدة) من تلبس بصوم تطوع أو صلاته، فله قطعهما – لا نسك تطوع – ومن تلبس بقضاء واجب، حرم قطعه ولو موسعا، ويحرم على الزوجة أن تصوم، تطوعا أو قضاء موسعا وزوجها حاضر إلا بإذنه أو علم رضاه. (تتمة) يحرم الصوم في أيام التشريق والعيدين، وكذا يوم الشك لغير ورد، وهو يوم ثلاثي شعبان، وقد


[ 309 ]

شاع الخبر بين الناس برؤية الهلال ولم يثبت، وكذ بعد نصف شعبان، ما لم يصله بما قبله، أو لم يوافق عادته، أو لم يكن عن نذر أو قضاء، ولو عن نفل.


[ 310 ]

باب الحج


[ 311 ]

وهو: بفتح أوله وكسره – لغة: القصد، أو كثرته إلى من يعظم. وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي. وهو من الشرائع القديمة. وروي أن آدم عليه السلام حج أربعين حجة من الهند ماشيا، وأن جبريل قال له: إن


[ 312 ]

الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة. قاب ابن إسحاق: لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم عليه


[ 313 ]

الصلاة والسلام إلا حج. والذي صرح به غيره: أنه ما من نبي إلا حج، خلافا لمن استثنى هودا وصالحا.


[ 314 ]

والصلاة أفضل منه، خلافا للقاضي. وفرض في السنة السادسة على الاصح، حج (ص) قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة حججا لا يدرى عددها،


[ 315 ]

وبعدها حجة الوداع لا غير. وورد: من حج هذا البيت، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال شيخنا في حاشية


[ 316 ]

الايضاح: قوله: كيوم ولدته أمه – يشمل التبعات. وورد التصريح به في رواية، وأفتى به بعض مشايخنا، لكن ظاهر كلامهم يخالفه، والاول أوفق بظواهر السنة، والثاني أوفق بالقواعد. ثم رأيت بعض المحققين نقل


[ 317 ]

الاجماع عليه، وبه يندفع الافتاء المذكور تمسكا بالظواهر. (والعمرة) وهي لغة: زيادة مكان عامر. وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي. (يجبان) أي الحج والعمرة – ولا يغني عنها الحج وإن اشتمل عليها. وخبر: سئل (ص) عن العمرة، أواجبة هي ؟ قال: لا ضعيف اتفاقا، وإن صححه الترمذي. (على) كل مسلم، (مكلف) أي بالغ، عاقل، (حر): فلا يجبان على صبي ومجنون،


[ 318 ]

ولا على رقيق. فنسك غير المكلف – ومن فيه رق – يقع نفلا – لا فرضا (مستطيع) للحج، بوجدان الزاد ذهابا


[ 319 ]

وإيابا، وأجرة خفير – أي مجير يأمن معه – والراحلة – أو ثمنها: إن كان بينه وبين مكة مرحلتان أو دونهما وضعف عن المشي – مع نفقة من يجب عليه نفقته وكسوته إلى الرجوع. ويشترط أيضا للوجوب: أمن الطريق على


[ 320 ]

النفس والمال، ولو من رصدي، وإن قل ما يأخذه، وغلبة السلامة لراكب البحر، فإن غلب الهلاك – لهيجان الامواج في بعض الاحوال – أو استويا: لم يجب، بل يحرم الركوب فيه له ولغيره. وشرط للوجوب على المرأة – مع ما ذكر – أن يخرج معها محرم، أو زوج، أو نسوة ثقات، ولو إماء، وذلك


[ 321 ]

لحرمة سفرها وحدها، وإن قصر، أو كانت في قافلة عظيمة، ولها – بلا وجوب – أن تخرج مع امرأة ثقة لاداء فرض الاسلام، وليس لها الخروج لتطوع، ولو مع نسوة كثيرة، وإن قصر السفر، أو كانت شوهاء. وقد صرحوا بأنه يحرم على المكية التطوع بالعمرة من التنعيم مع النساء، خلافا لمن نازع فيه (مرة) واحدة في العمر (بتراخ) لا على الفور. نعم، إنما يجوز التأخير بشرط العزم على الفعل في المستقبل، وأن لا يتضيقا عليه


[ 322 ]

بنذر، أو قضاء، أو خوف عضب، أو تلف مال بقرينة، ولو ضعيفة. وقيل يجب – على القادر – أن لا يترك الحج في كل خمس سنين – لخبر فيه. (فرع) تجب إنابة عن ميت عليه نسك من تركته – كما تقضى منه ديونه – فلو لم تكن له تركة، سن لوارثه أن


[ 323 ]

يفعله عنه، فلو فعله أجنبي، جاز، ولو بلا إذن، وعن آفاقي معضوب عاجز عن النسك بنفسه: لنحو زمانة، أو مرض لا يرجى برؤه – بأجرة مثل فضلت عما يحتاجه المعضوب يوم الاستئجار، وعما عدا مؤنة نفسه وعياله


[ 324 ]

بعده، ولا يصح أن يحج عن معضوب بغير إذنه، لان الحج يفتقر للنية، والمعضوب أهل لها وللاذن. (أركانه) أي الحج: ستة. أحدها: (إحرام) به، أي بنية دخول فيه، لخبر: إنما الاعمال بالنيات. ولا يجب تلفظ بها، وتلبية، بل يسنان فيقول بقلبه ولسانه: نويت الحج، وأحرمت به لله تعالى – لبيك اللهم لبيك إلى آخره.


[ 325 ]

(و) ثانيها: (وقوف بعرفة) أي حضوره بأي جزء منها ولو لحظة، وإن كان نائما، أو مارا، لخبر الترمذي: الحج عرفة وليس منها: مسجد إبراهيم عليه السلام، ولا نمرة. والافضل للذكر تحري موقفه (ص)، وهو عند الصخرات المعروفة. وسميت عرفة، قيل: لان آدم وحواء تعارفا بها، وقيل غير ذلك. ووقته (بين زوال)


[ 326 ]

للشمس يوم عرفة، وهو تاسع ذي الحجة، (و) بين طلوع (فجر) يوم (نحر). وسن له الجمع بين الليل والنهار، وإلا أراق دم تمتع – ندبا. (و) ثالثها: (طواف إفاضة) ويدخل وقته بانتصاف ليلة النحر، وهو أفضل الاركان، حتى من الوقوف، خلافا للزركشي.


[ 327 ]

(و) رابعها: (سعي) بين الصفا والمروة (سبعا) – يقينا – بعد طواف قدوم ما لم يقف بعرفة، أو بعد طواف إفاضة. فلو اقتصر على ما دون السبع لم يجزه، ولو شك في عددها قبل فراغه أخذ بالاقل، لانه المتيقن. ومن


[ 328 ]

سعى بعد طواف القدوم لم يندب له إعادة السعي بعد طواف الافاضة، بل يكره. ويجب أن يبدأ فيه في المرة الاولى بالصفا ويختم بالمروة – للاتباع – فإن بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها إلى الصفا وذهابه من الصفا إلى المروة مرة وعوده منها إليه مرة أخرى. ويسن – للذكر – أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة. وأن يمشي أول


[ 329 ]

السعي وآخره، ويعدو – الذكر – في الوسط، ومحلهما معروف. (و) خامسها: (إزالة شعر) من الرأس، بحلق أو تقصير، لتوقف التحلل عليه – وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات، فتعميمه (ص) لبيان الافضل، خلافا لمن أخذ منه وجوب التعميم. وتقصير المرأة أولى من حلقها، ثم


[ 330 ]

يدخل مكة بعد رمي جمرة العقبة والحلق، ويطوف للركن فيسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم – كما هو الافضل – والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها. ويكره تأخيرها عن يوم النحر، وأشد منه: تأخيرها عن أيام التشريق، ثم عن خروجه من مكة.


[ 331 ]

(و) سادسها: (ترتيب) بين معظم أركانه – بأن يقدم الاحرام على الجميع، والوقوف على طواف الركن والحلق والطواف على السعي – إن لم يسع بعد طواف القدوم – ودليله الاتباع. (ولا تجبر) أي الاركان، (بدم). وسيأتي ما يجبر بالدم. (وغير وقوف) من الاركان الستة (أركان العمرة) لشمول الادلة لها، وظاهر أن الحلق يجب تأخيره عن سعيها، فالترتيب فيها في جميع الاركان. (تنبيه) يؤديان بثلاثة أوجة: إفراد: بأن يحج ثم يعتمر. وتمتع: بأن يعتمر ثم يحج. وقران: بأن يحرم بهما


[ 332 ]

معا. وأفضلها: إفراد – إن اعتمر عامه – ثم تمتع. وعلى كل من المتمتع والقارن: دم – إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام – وهم من دون مرحلتين.


[ 333 ]

(وشروط الطواف) ستة: أحدها: (طهر) عن حدث وخبث. (و) ثانيها: (ستر) لعورة قادر، فلو زالا فيه جدد، وبنى على طوافه، وإن تعمد ذلك، وطال الفصل.


[ 334 ]

(و) ثالثها: (نيته): أي الطواف، (إن استقل) بأن لم يشمله نسك كسائر العبادات، وإلا فهي سنة. (و) رابعها: (بدؤه بالحجر الاسود محاذيا له) في مروره (ببدنه): أي بجميع شقه الايسر. وصفة


[ 335 ]

المحاذاة: أن يقف بجانبه من جهة اليماني – بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه – ثم ينوي، ثم يمشي مستقبلة حتى يجاوزه، فحينئذ ينفتل ويجعل يساره للبيت، ولا يجوز استقبال البيت إلا في هذا.


[ 336 ]

(و) خامسها: (جعل البيت عن يساره) مارا تلقاء وجهه، فيجب كونه خارجا بكل بدنه حتى بيده عن شاذروانه وحجره – للاتباع – فإن خالف شيئا من ذلك لم يصح طوافه، وإذا استقبل الطائف – لنحو دعاء – فليحترز عن أن يمر منه أدنى جزء قبل عوده إلى جعل البيت عن يساره. ويلزم من قبل الحجر أن يقر قدميه في


[ 337 ]

محلهما حتى يعتدل قائما، فإن رأسه – حال التقبيل – في جزء من البيت. (و) سادسها: (كونه سبعا) يقينا، ولو في الوقت المكروه، فإن ترك منها شيئا – وإن قل – لم يجزئه. (وسن أن يفتتح) الطائف (باستلام الحجر) الاسود بيده، (و) أن (يستلمه في كل طوفة)، وفي الاوتار


[ 338 ]

آكد، وأن يقبله، ويضع جبهته عليه، (و) يستلم (الركن) اليماني، ويقبل يده بعد استلامه، (و) أن (يرمل


[ 339 ]

– ذكر) في الطوفات (الثلاث الاول من طواف بعده سعي) بإسراع مشيه مقاربا خطاه، وأن يمشي في الاربعة الاخيرة على هيئته – للاتباع – ولو ترك الرمل في الثلاث الاول: لا يقضيه في البقية. ويسن أن يقرب – الذكر – من البيت، ما لم يؤذ أو يتأذ بزحمة، فلو تعارض القرب منه والرمل: قدم، لان ما يتعلق بنفس العبادة، أولى من المتعلق بمكانها، وأن يضطبع في طواف يرمل فيه، وكذا في السعي: وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الايمن،


[ 340 ]

وطرفيه على الايسر – للاتباع – وأن يصلي بعده ركعتين خلف المقام، ففي الحجر. (فرع) يسن أن يبدأ كل من الذكر والانثى بالطواف عند دخول المسجد للاتباع، رواه الشيخان – إلا أن


[ 341 ]

يجد الامام في مكتوبة، أو يخاف فوت فرض، أو راتبة مؤكدة فيبدأ بها – لا بالطواف. (وواجباته) أي الحج خمسة، وهو ما يجب بتركه الفدية (إحرام من ميقات) فميقات الحج لمن بمكة: هي. وهو للحج والعمرة للمتوجه من المدينة: ذو الحليفة المسماة ببئر علي. ومن الشام ومصر والمغرب: الجحفة. ومن تهامة اليمن:


[ 342 ]

يلملم، ومن نجد اليمن والحجاز: قرن. ومن المشرق: ذات عرق. وميقات العمرة لمن بالحرم الحل،


[ 343 ]

وأفضله الجعرانة، فالتنعيم، فالحديبية. وميقات من لا ميقات له في طريقه: محاذاة الميقات الوارد إن حاذاه في بر أو بحر، وإلا فمرحلتان من مكة، فيحرم الجائي في البحر من جهة اليمين من الشعب المحرم الذي يحاذي يلملم، ولا يجوز له تأخير إحرامه إلى الوصول إلى جدة، خلافا لما أفتى به شيخنا من جواز تأخيره إليها، وعلل


[ 344 ]

بأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم إليها. ولو أحرم من دون الميقات لزمه دم – ولو ناسيا، أو جاهلا – ما لم يعد إليه قبل تلبسه بنسك، ولو طواف قدوم، وأثم غيرهما (ومبيت بمزدلفة) ولو ساعة من نصف ثان من ليلة النحر،


[ 345 ]

(و) مبيت (بمنى) معظم ليالي أيام التشريق. نعم، إن نفر قبل غروب شمس اليوم الثاني، جاز وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمي يومها، وإنما يجب المبيت في لياليها لغير الرعاء وأهل السقاية (وطواف الوداع) لغير


[ 346 ]

حائض، ومكي – إن لم يفارق مكة بعد حجه – (ورمي) إلى جمرة العقبة بعد انتصاف ليلة النحر، سبعا، وإلى


[ 347 ]

الجمرات الثلاث بعد زوال كل يوم من أيام التشريق سبعا سبعا، مع ترتيب بين الجمرات (بحجر) أي بما


[ 348 ]

يسمى به، ولو عقيقا وبلورا. ولو ترك رمي يوم، تداركه في باقي أيام التشريق، وإلا لزمه دم، بترك ثلاث رميات فأكثر. (وتجبر) أي الواجبات بدم، وتسمى هذه أبعاضا. (وسننه) أي الحج (غسل)، فتيمم (لاحرام ودخول مكة) ولو حلالا – بذي طوى، (وقوف) بعرفة


[ 349 ]

عشيتها، وبمزدلفة، ولرمي أيام التشريق، (وتطيب) البدن، والثوب ولو بما له جرم (قبيله) أي الاحرام وبعد الغسل، ولا يضر استدامته بعد الاحرام، ولا انتقاله بعرق (وتلبية) وهي: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك


[ 350 ]

لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك. ومعنى لبيك: أنا مقيم على طاعتك. ويسن الاكثار منها، والصلاة على النبي (ص) وسؤال الجنة، والاستعاذة من النار، بعد تكرير التلبية ثلاثا. وتستمر التلبية إلى


[ 351 ]

رمي جمرة العقبة. لكن لا تسن في طواف القدوم، والسعي بعده، لورود أذكار خاصة فيهما، (وطواف قدوم)


[ 352 ]

لانه تحية البيت، وإنما يسن لحاج أو قارن دخل مكة قبل الوقوف. ولا يفوت بالجلوس، ولا بالتأخير. نعم، يفوت بالوقوف بعرفة (ومبيت بمنى ليلة عرفة، ووقوف بجمع) المسمى الآن بالمشعر الحرام وهو جبل في آخر مزدلفة، فيذكرون في وقوفهم، ويدعون إلى الاسفار مستقبلين القبلة – للاتباع -. (وأذكار)، وأدعية مخصوصة


[ 354 ]

بأوقات وأمكنة معينة، وقد استوعبها الجلال السيوطي في وظائف اليوم والليلة – فليطلبه. (فائدة) يسن – متأكدا – زيارة قبر النبي (ص)، ولو لغير حاج ومعتمر، لاحاديث وردت في فضلها. وشرب


[ 357 ]

ماء زمزم مستحب، ولو لغيرهما. وورد أنه أفضل المياه، حتى من الكوثر.


[ 359 ]

فصل (في محرمات الاحرام) (يحرم بإحرام) على رجل وأنثى (وطئ) آية: * (فلا رفث) * أي لا ترفثوا. والرفث مفسر بالوطئ. ويفسد


[ 360 ]

به الحج والعمرة. (وقبلة)، ومباشرة بشهوة. (واستمناء بيد) – بخلاف الانزال بنظر أو فكر – (ونكاح)، لخبر


[ 361 ]

مسلم: لا ينكح المحرم ولا ينكح (وتطيب) في بدن أو ثوب بما يسمى طيبا، كمسك وعنبر، وكافور حي أو


[ 362 ]

ميت، وورد ومائه، ولو بشد نحو مسك بطرف ثوبه، أو بجعله في جيبه. ولو خفيت رائحة الطيب، كالكاذي والفاغية – وهي تمر الحناء – فإن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت، حرم، وإلا فلا، (ودهن) بفتح أوله (شعر) رأس، أو لحية بدهن، ولو غير مطيب، كزيت وسمن. (وإزالته) أي الشعر ولو واحدة من رأسه أو لحيته أو بدنه،


[ 363 ]

نعم، إن احتاج إلى حلق شعر – بكثرة قمل أو جراحة – فلا حرمة، وعليه الفدية، فلو نبت شعر، بعينه أو غطاها فأزال ذلك، فلا حرمة، وفلا فدية. (وقلم) لظفر، ولو بعضه من يد أو رجل. نعم، له قطع ما انكسر من ظفره إن


[ 364 ]

تأذى به ولو أدنى تأذ. (ويحرم ستر رجل) – لا امرأة – (بعض رأس بما يعد ساترا) عرقا من مخيط أو غير – كقلنسوة، وخرقة – إما ما لا يعد ساترا – كخيط رقيق، وتوسد نحو عمامة، ووضع يد لم يقصد بها الستر – فلا يحرم، بخلاف ما إذا قصده على نزاع فيه، وكحمل نحو زنبيل لم يقصد به ذلك أيضا، واستظلال بمحمل وإن


[ 365 ]

مس رأسه، (ولبسه) أي الرجل (مخيطا) بخياطة: كقميص، وقباء، أو نسج، أو عقد في سائر بدنه، (بلا عذر)


[ 366 ]

فلا يحرم على الرجل ستر رأس لعذر – كحر وبرد، ويظهر ضبطه هنا بما لا يطيق الصبر عليه، وإن لم يبح التيمم، فيحل مع الفدية، قياسا على وجوبها في الحلق مع العذر. ولا لبس مخيط إن لم يجد غيره، ولا قدر


[ 367 ]

على تحصيله، ولو بنحو استعارة. بخلاف الهبة – لعظم المنة – فيحل ستر العورة بالمخيط بلا فدية، ولبسه في باقي بدنه لحاجة نحو حر وبرد مع فدية. ويحل الارتداء والالتحاف بالقميص والقباء، وعقد الازار، وشد خيط عليه ليثبت: لا وضع طوق القباء على رقبته، وإن لم يدخل يده (و) يحرم (ستر امرأة – لا رجل – بعض وجه) بما


[ 368 ]

يعد ساترا (وفدية) ارتكاب واحد م‍ (- ما يحرم) بالاحرام غير الجماع (ذبح شاة) مجزئة في الاضحية، وهي


[ 369 ]

جذعة ضأن، أو ثنية معز، (أو تصدق بثلاثة آصع لستة) من مساكين الحرم الشاملين للفقراء، لكل واحد نصف


[ 370 ]

صاع، (أو صوم ثلاثة) أيام. فمرتكب المحرم مخير في الفدية بين الثلاثة المذكورة. (فرع) لو فعل شيئا من المحرمات ناسيا أو جاهلا بتحريمه، وجبت الفدية إن كان إتلافا – كحلق شعر، وقلم ظفر، وقتل صيد – ولا تجب إن كان تمتعا – كلبس، وتطيب – والواجب في إزالة ثلاث شعرات أو أظفار ولا اتحاد زمان ومكان عرفا فدية كاملة، وفي واحدة: مد طعام. وفي اثنتين: مدان (ودم ترك مأمور) كإحرام


[ 371 ]

من الميقات، ومبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الاحجار، وطواف الوداع، كدم التمتع والقران. (ذبح) أي ذبح شاة تجزئ أضحية في الحرم، (ف‍) – الواجب على العاجز عن الذبح فيه ولو لغيبة ماله – وإن وجد من يقرضه، أو وجده بأكثر من ثمن المثل – (صوم) أيام (ثلاثة) فورا بعد إحرام، (وقبل) يوم (نحر) – ولو مسافرا – فلا يجوز


[ 372 ]

تأخير شئ منها عنه، لانها تصير قضاء. ولا تقديمه على الاحرام بالحج، الآية. (و) يلزمه أيضا صوم (سبعة بوطنه) أي إذا رجع إلى أهله. ويسن تواليها – كالثلاثة – قال تعالى: * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج،


[ 373 ]

وسبعة إذا رجعتم) *. (ويجب على مفسد نسك) من حج وعمرة (بوطئ: بدنة) بصفة الاضحية، وإن كان النسك، نفلا، والبدنة المرادة الواحد من الابل – ذكرا كان أو أنثى – فإن عجز عن البدنة فبقرة، فإن عجز عنها فسبع شياه، ثم يقوم البدنة، ويتصدق بقيمتها طعاما. ثم يصوم عن كل مد يوما. ولا يجب شئ على المرأة، بل


[ 374 ]

تأثم. وعلم من قولي بمسد نسك: أنه يبطل بوطئ، ومع ذلك يجب مضي في فاسده. (وقضاء فورا)، وإن كان نسكه نفلا، لانه – وإن كان وقته موسعا – تضيق عليه بالشروع فيه. والنفل من ذلك يصير بالشروع فيه فرضا: أي


[ 375 ]

واجب الاتمام كالفرض، بخلاف غيره من النفل. (تتمة) يسن لقاصد مكة، وللحاج – آكد – أن يهدي شيئا من النعم يسوقه من بلده، وإلا فيشتريه من الطريق ثم من مكة، ثم من عرفة، ثم من منى. وكونه سمينا حسنا، ولا يجب إلا بالنذر. (مهمات) يسن – متأكدا – لحر قادر، تضحية بذبح جذع ضأن له سنة، أو سقط سنه – ولو قبل تمامها – أو


[ 376 ]

ثني معز أو بقر لهما سنتان، أو إبل له خمس سنين بنية أضحية عند ذبح أو تعيين. وهي أفضل من الصدقة.


[ 377 ]

ووقتها من راتفاع شمس نحر إلى آخر أيام التشريق. ويجزئ سبع بقر أو إبل عن واحد، ولا يجزئ عجفاء ومقطوعة بعض ذنب أو أذن أبين – وإن قل – وذات عرج وعور ومرض بين، ولا يضر شق أذن، أو خرقها.


[ 378 ]

والمعتمد عدم إجزاء التضحية بالحامل – خلافا لما صححه ابن الرفعة -. ولو نذر التضحية بمعيبة أو صغيرة، أو قال: جعلتها أضحية، فإنه يلزم ذبحها، ولا تجزئ أضحية، وإن اختص ذبحها بوقت الاضحية، وجرت مجراها في الصرف. ويحرم الاكل من أضحية أو هدي وجبا بنذره. ويجب التصدق – ولو على فقير واحد – بشئ نيئا


[ 379 ]

– ولو يسيرا – من المتطوع بها. والافضل: التصدق بكله إلا لقما يتبرك بأكلها، وأن تكون من الكبد، وأن لا يأكل فوق ثلاث، والتصدق بجلدها. وله إطعام أغنياء – لا تمليكهم – ويسن أن يذبح الرجل بنفسه. وأن يشهدها من


[ 380 ]

وكل به. وكره – لمريدها – إزالة نحو شعر في عشر ذي الحجة وأيام التشريق حتى يضحي. ويندب لمن تلزمه


[ 381 ]

نفقة فرعه: أن يعق عنه من وضع إلى بلوغ، وهي كضحية، ولا يكسر عظم. والتصدق بمطبوخ يبعثه إلى


[ 382 ]

الفقراء: أحب من ندائهم إليها ومن التصدق نيئا. وأن يذبح سابع ولادته، ويسمى فيه، وإن مات قبله، بل يسن تسمية سقط بلغ زمن نفخ الروح. وأفضل الاسماء: عبد الله، وعبد الرحمن. ولا يكره اسم نبي، أو ملك، بل


[ 383 ]

جاء في التسمية بمحمد فضائل علية. ويحرم التسمية بملك الملوك، وقاضي القضاة، وحاكم الحكام. وكذا عبد النبي، وجار الله، والتكني بأبي القاسم.


[ 384 ]

وسن أن يحلق رأسه – ولو أنثى – في السابع، ويتصدق بزنته ذهبا، أو فضة، وأن يؤذن، ويقرأ سورة الاخلاص، وآية: * (إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) * بتأنيث الضمير – ولو في الذكر – في أذنه


[ 385 ]

اليمنى، ويقام في اليسرى عقب الوضع. وأن يحنكه رجل، فامرأة – من أهل الخير – بتمر، فحلو – لم تمسه النار – حين يولد. ويقرأ عندها – وهي تطلق – آية الكرسي و * (إن ربكم الله) * الآية، والمعوذتان، والاكثار من دعاء الكرب. قال شيخنا: أما قراءة سورة الانعام، إلى: * (رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * يوم يعق عن المولود، فمن مبتدعات العوام الجهلة، فينبغي الانكفاف عنها، وتحذير الناس منها – ما أمكن -. انتهى.


[ 386 ]

(فرع) يسن لكل أحد، الادهان غبا، والاكتحال بالاثمد وترا عند نومه، وخضب شيب رأسه ولحيته: بحمرة أو صفرة. ويحرم حلق لحية، وخضب يدي الرجل ورجليه بحناء، خلافا لجمع فيهما. وبحث الاذرعي


[ 387 ]

كراهة حلق ما فوق الحلقوم من الشعر. وقال غيره إنه مباح. ويسن الخضب للمفترشة، ويكره للخلية. ويحرم وشر الاسنان ووصل الشعر بشعر نجس، أو شعر آدمي، وربطه به – لا بخيوط الحرير، أو الصوف – ويستحب أن يكف الصبيان أول ساعة من الليل، وأن يغطي الاواني – ولو بنحو عود يعرض عليها – وأن يغلق الابواب مسميا الله فيهما، وأن يطفى المصابيح عند النوم.


[ 388 ]

(واعلم) أن ذبح الحيوان البري المقدور عليه بقطع كل حلقوم – وهو مخرج النفس – وكل مرئ – وهو مجرى الطعام تحت الحلقوم – بكل محدد يجرح غير عظم، وسن، وظفر – كحديد – وقصب، وزجاج،


[ 389 ]

وذهب، وفضة – يحرم ما مات بثقل ما أصابه من محدد أو غيره – كبندقة – وإن أنهر الدم وأبان الرأس أو ذبح بكال لا يقطع إلا بقوة الذابح، فلذا ينبغي الاسراع بقطع الحلقوم بحيث لا ينتهي إلى حركة المذبوح قبل تمام القطع. ويحل الجنين بذبح أمه إن مات في بطنها، أو خرج في حركة مذبوح، ومات حالا. أما غير المقدور عليه


[ 390 ]

بطيرانه أو شدة عدوه، وحشيا كان أو إنسيا كجمل، أو جدي – نفر شاردا، ولم يتيسر لحوقه حالا – وإن كان لو صبر سكن وقدر عليه – وإن لم يخف عليه نحو سارق – فيحل بالجرح المزهق بنحو سهم أو سيف في أي محل كان، ثم إن أدركه وبه حياة مستقرة، ذبحه – فإن تعذر ذبحه من غير تقصير منه حتى مات – كأن اشتغل بتوجيهه


[ 391 ]

للقبلة، أو سل السكين فمات قبل الامكان، حل، وإلا كأن لم يكن معه سكين، أو علق في الغمد بحيث تعسر إخراجه، فلا. ويحرم قطعا رمي الصيد بالبندق المعتاد الآن – وهو ما يصنع بالحديد ويرمى بالنار – لانه محرق مذفف سريعا غالبا. قال شيخنا: نعم، إن علم حاذق أنه إنما يصيب نحو جناح كبير: فيشقه فقط، احتمل الجواز. والرمي بالبندق المعتاد قديما – وهو ما يصنع من الطين – جائز – على المعتمد – خلافا لبعض المحقين.


[ 392 ]

وشرط الذابح أن يكون مسلما – أو كتابيا ينكح. ويسن أن يقطع الودجين – وهما عرقا صفحتي عنق وأن يحد شفرته، ويوجه ذبيحته لقبلة، وأن يكون الذابح رجلا عاقلا، فامرأة، فصبيا. ويقول – ندبا – عند الذبح،


[ 393 ]

وكذا عند رمي الصيد – ولو سمكا – وإرسال الجارحة: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد.


[ 394 ]

ويشترط في الذبيح – غير المريض – شيآن. أحدهما: أن يكون فيه حياة مستقرة أول ذبحه ولو ظنا، بنحو


[ 395 ]

شدة حركة بعده، ولو وحدها – على المعتمد – وانفجار دم، وتدفقه إذا غلب على الظن بقاؤها فيهما – فإن شك في استقرارها لفقد العلامات حرم. ولو جرح حيوان، أو سقط عليه نحو سيف أو عضه نحو هرة – فإن بقيت فيه حياة مستقرة فذبحه، حل. وإن تيقن هلاكه بعد ساعة، وإلا لم يحل – كما لو قطع بعد رفع السكين ولو لعذر،


[ 396 ]

ما بقي بعد انتهائها إلى حركة مذبوح. قال شيخنا في شرح المنهاج: وفي كلام بعضهم أنه لو رفع يده لنحو اضطرابه فأعادها فورا وأتم الذبح، حل، وقول بعضهم: لو رفع يده ثم أعادها لم يحل، مفرع على عدم الحياة المستقرة، عند إعادتها، أو محمول على ما إذا لم يعدها على الفور. ويؤيده إفتاء غير واحد فيما لو انفلتت شفرته فردها حالا، أنه يحل. انتهى. ولو انتهى لحركة مذبوح بمرض، وإن كان سببه أكل نبات مضر، كفى ذبحه في


[ 397 ]

آخر رمقه، إذ لم يوجد ما يحال عليه الهلاك من جرح أو نحوه. فإن وجد، كأن أكل نباتا يؤدي إلى الهلاك، اشترط فيه وجود الحياة المستقرة فيه عند ابتداء الذبح، ولو بالظن، بالعلامة المذكورة بعده. (فائدة) من ذبح تقريا لله تعالى لدفع شر الجن عنه لم يحرم، أو بقصدهم حرم. وثانيهما: كونه مأكولا – وهو من الحيوان البري: الانعام، والخيل، وبقر وحش، وحماره، وظبي،


[ 398 ]

وضبع، وضب، وأرنب، وثعلب، وسنجاب، وكل لقاط للحب. لا أسد، وقرد، وصقر، وطاوس، وحدأة،


[ 399 ]

وبوم، ودرة، وكذا غراب أسود ورمادي اللون، خلافا لبعضهم. ويكره جلالة – ولو من غير نعم – كدجاج إن


[ 400 ]

وجد فيها ريح النجاسة. ويحل أكل بيض غير المأكول، خلافا لجمع. ويحرم من الحيوان البحري: ضفدع، وتمساح، وسلحفاة، وسرطان. لا قرش، ودنليس على الاصح فيهما. قال في المجموع: الصحيح المعتمد أن


[ 401 ]

جميع ما في البحر يحل ميتته إلا الضفدع، ويؤيده نقل ابن الصباغ عن الاصحاب حل جميع ما فيه، إلا الضفدع.


[ 402 ]

ويحل أكل ميتة الجراد والسمك – إلا ما تغير في جوف غيره، ولو في صورة كلب أو خنزير. ويسن ذبح


[ 403 ]

كبيرهما الذي يطول بقاؤه. ويكره ذبح صغيرهما، وأكل مشوي سمك قبل تطييب جوفه، وما أنتن منه – كاللحم – وقلي حي في دهن مغلي. وحل أكل دود نحو الفاكهة – حيا كان أو ميتا – بشرط أن لا ينفرد عنه، وإلا لم يحل أكله، ولو معه – كنمل السمن – لعدم تولده منه – على ما قاله الرداد – خلافا لبعض أصحابنا.


[ 404 ]

ويحرم كل جماد مضر لبدن أو عقل – كحجر، وتراب، وسم – وإن قل، إلا لمن لا يضره – ومسكر، ككثير أفيون، وحشيش، وبنج. (فائدة) أفضل المكاسب الزراعة، ثم الصناعة، ثم التجارة. قال جمع: هي أفضلها – ولا تحرم معاملة


[ 405 ]

من أكثر ماله حرام، ولا الاكل منها – كما صححه في المجموع -. وأنكر النووي قول الغزالي بالحرمة، مع أنه تبعه في شرح مسلم. ولو عم الحرام الارض جاز أن يستعمل منه ما تمس حاجته إليه، دون ما زاد. هذا إن توقع معرفة أربابه. وإلا صار لبيت المال، فيأخذ منه بقدر ما يستحقه فيه – كما قاله شيخنا. (فرع) نذكر فيه ما يجب على المكلف بالنذر. وهو قربة – على ما اقتضاه كلام الشيخين، وعليه كثيرون –


[ 406 ]

بل بالغ بعضهم، فقال: دل على ندبه الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس. وقيل مكروه، للنهي عنه. وحمل الاكثرون النهي على نذر اللجاج، فإنه تعليق قربة بفعل شئ أو تركه – كإن دخلت الدار، أو إن لم أخرج منها،


[ 407 ]

فلله علي صوم أو صدقة بكذا. فيتخير – من دخلها أو لم يخرج – بين ما التزمه وكفارة يمين. ولا يتعين الملتزم – ولو حجا -. والفرع: ما اندرج تحت أصل كلي. (النذر: التزام) مسلم، (مكلف) رشيد: (قربة لم تتعين) – نفلا كانت أو فرض كفاية – كإدامة وتر، وعيادة مريض، وزيادة رجل قبرا، وتزوج حيث سن – خلافا لجمع – وصوم أيام البيض، والاثانين. فلو وقعت في


[ 408 ]

أيام التشريق أو الحيض، أو النفاس، أو المرض، لم يجب القضاء – وكصلاة جنازة، وتجهيز ميت. ولو نذر صوم يوم بعينه، لم يصم قبله، فإن فعل أثم – كتقديم الصلاة على وقتها المعين – ولا يجوز تأخيره عنه – كهي – بلا عذر، فإن فعل صح، وكان قضاء. ولو نذر صوم يوم خميس ولم يعين، كفاه أي خميس. ولو نذر صلاة: فيجب ركعتان بقيام قادر. أو صوما: فصوم يوم أو صوم أيام فثلاثة. أو صدقة، فمتمول،


[ 409 ]

ويجب صرفه لحر مسكين – ما لم يعين شخصا أو أهل بلد – وإلا تعين صرفه له. ولا يتعين لصوم وصلاة مكان عينه، ولا لصدقة زمان عينه. وخرج بالمسلم، المكلف: الكافر والصبي، والمجنون – فلا يصح نذرهم – كنذر السفيه -، وقيل يصح من الكافر. وبالقربة: المعصية – كصوم أيام التشريق


[ 410 ]

وصلاة لا سبب لها في وقت مكروه – فلا ينعقدان -. وكالمعصية: المكروه – كالصلاة عند القبر. والنذر لاحد أبويه أو أولاده فقط. وكذا المباح: كلله علي أن آكل أو أنام. وإن قصد تقوية على العبادة، أو النشاط لها – ولا


[ 411 ]

كفارة في المباح، على الاصح. وبلم تتعين: ما تعين عليه من فعل واجب عيني كمكتوبة وأداء ربع عشر مال تجارة وكترك محرم وإنما ينعقد النذر من المكلف (بلفظ منجز) بأن يلتزم قربة به من غير تعليق بشأ – وهذا نذر تبرر (كلله على كذا) من صلاة أو صوم أو نسك أو صدقة أو قراء أو اعتكاف (أو علي كذا) وإن لم يقل لله (أو نذرت كذا) وإن لم يذكر معها لله على المعتمد الذي صرح به البغوي وغيره من اضطراب طويل (أو) بلفظ (معلق) ويسمى نذر مجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة ما يرغب في حصوله من حدوث


[ 412 ]

نعمة أو اندفاع نقمة (كان شفاني الله أو سلمني الله فعلى كذا) أو ألزمت نفسي أو واجب على كذا وخرج بلفظ النية فلا يصح بمجرد النية كسائر العقود إلا باللفظ. وقيل يصح بالنية وحدها، (فيلزم) عليه (ما التزمه حالا في منجز وعند وجود صفة في معلق). وظاهر كلامهم أنه يلزمه الفور بأدائه عقب وجود المعلق عليه – خلافا لقضية كلام ابن عبد السلام – ولا يشترط قبول المنذور له في قسمي النذر ولا القبض، بل يشترط عدم رده.


[ 413 ]

ويصح النذر بما في ذمة المدين – ولو مجهولا – فيبرأ حالا، وإن لم يقبل – خلافا للجلال البلقيني – ولو نذر لغير أحد أصليه أو فروعه من ورثته بماله قبل مرض موته بيوم ملكه كله من غير مشارك، لزوال ملكه عنه، ولا يجوز للاصل الرجوع فيه. وينعقد معلقا في نحو: إذا مرضت فهو نذر قبل مرضي بيوم، وله التصرف قبل حصول المعلق عليه.


[ 414 ]

ويلغو قوله: متى حصل لي الامر الفلاني أجئ لك بكذا – ما لم يقترن به لفظ التزام، أو نذر. وأفتى جمع فيمن أراد أن يتبايعا فاتفقا على أن ينذر كل للآخر بمتاعه، ففعلا، صح، وإن زاد المبتدئ: إن نذرت لي بمتاعك. وكثيرا ما يفعل ذلك فيما لا يصح بيعه ويصح نذره. ويصح إبراء المنذور له الناذر – عما في ذمته. قال القاضي: ولا يشترط معرفة الناذر ما نذر به – كخمس ما


[ 415 ]

يخرج له مع معشر، وككل ولد، أو ثمرة يخرج من أمتي أو شجرتي هذه -. وذكر أيضا أنه لا زكاة في الخمس المنذور. وقال غيره: محله إن نذر قبل الاشتداد، ويصح النذر للجنين – كالوصية له، بل أولى، لا للميت – إلا لقبر الشيخ الفلاني، وأراد به قربة. ثم: كإسراج ينتفع به، أو اطرد عرف – فيحمل النذر له على ذلك. ويقع لبعض العوام: جعلت هذا للنبي (ص) فيصح – كما بحث – لانه اشتهر في عرفهم للنذر، ويصرف لمصالح الحجرة النبوية. قال السبكي: والاقرب عندي في الكعبة والحجرة الشريفة والمساجد الثلاثة، أن من خرج من ماله عن شئ لها واقتضى العرف صرفه في جهة من جهاتها: صرف إليها واختصت به. اه‍. قال


[ 416 ]

شيخنا: فإن لم يقتض العرف شيئا، فالذي يتجه أنه يرجع في تعيين المصرف رأي ناظرها. قال: وظاهر أن الحكم كذلك في النذر لمسجد غيرها. انتهى. وأفتى بعضهم في، إن قضى الله حاجتي فعلي للكعبة كذا، بأنه غيرها. انتهى يتعين لمصالحها، ولا يصرف لفقراء الحرم – كما دل عليه كلام المهذب وصرح به جمع متأخرون. ولو نذر شيئا للكعبة ونوى صرفه لقربة معينة – كالاسراج – تعين صرفه فيها، إن احتيج لذلك، وإلا بيع، وصرف لمصالحها – كما استظهره شيخنا -. ولو نذر


[ 417 ]

إسراج نحو شمع أو زيت بسمجد، صح – إن كان ثم من ينتفع به، ولو على ندور – وإلا فلا. ولو نذر إهداء منقول إلى مكة، لزمه نقله، والتصدق بعينه على فقراء الحرم ما لم يعين قربة أخرى – كتطييب الكعبة – فيصرفه إليها. وعلى الناذر مؤنة إيصال الهدي إلى الحرم – فإن كان معسرا، باع بعضه لنقل الباقي. فإن


[ 418 ]

تعسر نقله – كعقار، أو حجر رحى – باعه، ولو بغير إذن حاكم، ونقل ثمنه، وتصدق به على فقراء الحرم. وهل له إمساكه بقيمته أو لا ؟ وجهان. ولو نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة، أجزأ بعضها عن بعض – كالاعتكاف – ولا يجزئ ألف صلاة في غير مسجد المدينة عن صلاة نذرها فيه، كعكسه – كما لا يجزئ قراءة الاخلاص عن ثلث القرآن المنذور. ومن نذر إتيان سائر المساجد وصلاة التطوع فيه، صلى حيث شاء، ولو في بيته.


[ 419 ]

ولو نذر التصدق بدرهم لم يجزئ عنه جنس آخر. ولو نذر التصدق بمال بعينه، زال عن ملكه. فلو قال: علي أن أتصدق بعشرين دينارا وعينها على فلان، أو إن شفي مريضي فعلي ذلك: ملكها – وإن لم يقبضها ولا قبلها، بل وإن رد، فله التصرف فيها، وينعقد حول زكاتها من حين النذر. وكذا إن لم يعينها ولم يردها المنذور له فتصير دينا له عليه ويثبت لها أحكام الديون من زكاة وغيرها. ولو تلف المعين لم يضمنه، إلا أن قصر – على ما استظهره شيخنا -. ولو نذر أن يعمر مسجدا معينا أو في موضع معين، لم يجز له أن يعمر غيره بدلا عنه، ولا


[ 420 ]

في موضع آخر. كما لو نذر التصدق بدرهم فضة لم يجز التصدق بدله بدينار لاختلاف الاغراض. (تتمة) اختلف جمع من مشايخ شيوخنا في نذر مقترض مالا معينا لمقرضه ما دام دينه في ذمته فقال بعضهم لا يصح، لانه على هذا الوجه الخاص غير قربة، بل يتوصل به إلى ربا النسيئة. وقال بعضهم يصح، لانه في مقابلة حدوث نعمة ربح القرض إن اتجر به، أو فيه اندفاع نقمة المطالبة إن احتاج لبقائه في ذمته لاعسار أو


[ 421 ]

إنفاق، ولانه يسن للمقترض أن يرد زيادة عما اقترضه فإذا التزمها بنذر انعقد، ولزمته، فهو حينئذ مكافأة إحسان، لا وصلة للربا، إذ هو لا يكون إلا في عقد كبيع، ومن ثم لو شرط عليه النذر في عقد القرض، كان ربا. وقال شيخ مشايخنا العلامة المحقق الطنبداوي، فيما إذا نذر المديون للدائن منفعة الارض المرهونة مدة بقاء الدين في ذمته: والذي رأيته لمتأخري أصحابنا اليمنيين ما هو صريح في الصحة، وممن أفتى بذلك شيخ الاسلام محمد بن حسين القماط والعلامة الحسين بن عبد الرحمن الاهدل. (والله أعلم).

المليباري الهندي ج 4


[ 3 ]

فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين لزين الدين بن عبد العزيز المليباري الفناني الجزء الرابع دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع


[ 4 ]

جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الاولى 1418 ه‍ / 1997 م حارة حربك – شارع عبدالنور – برقيا: فكسي – صحب 7061 / 11 تلفون: 838305 / 838202 / 838136 فاكس 009611837898 دولي: 009611860962


[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فصل في الطلاق وهو لغة: حل القيد. وشرعا حل عقد النكاح باللفظ الآتي وهو إما واجب: كطلاق مول لم يرد الوطئ، أو


[ 6 ]

مندوب: كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها، أو تكون غير عفيفة ما لم يخش الفجور بها أو سيئة الخلق: أي بحيث لا يصبر على عشرتها عادة، فيما استظهره شيخنا، وإلا فمتى توجد امرأة غير سيئة الخلق. وفي الحديث: المرأة الصالحة في النساء كالغراب الاعصم كناية عن ندرة وجودها: إذ الاعصم هو أبيض الجناحين، أو يأمره به أحد والديه: أي من غير تعنت أو حرام كالبدعي، وهو طلاق مدخول بها في نحو


[ 7 ]

حيض بلا عوض منها أو في طهر جامعها فيه، وكطلاق من لم يستوف دورها من القسم، وكطلاق المريض بقصد الحرمان من الارث، ولا يحرم جمع ثلاث طلقات، بل يسن الاقتصار على واحدة أو مكروه بأن سلم الحال من ذلك كله، للخبر الصحيح: أبغض الحلال إلى الله الطلاق وإثبات بغضه تعالى له المقصود منه زيادة التنفير عنه لا حقيقته لمنافاتها لحله إنما (يقع لغير بائن) ولو رجعية لم تنقض عدتها فلا يقع لمختلعة


[ 8 ]

ورجعية انقضت عدتها (طلاق) مختار (مكلف) أي بالغ عاقل، فلا يقع طلاق صبي ومجنون (ومتعد بسكر) أي بشرب خمر وأكل بنج أو حشيش لعصيانه بإزالة عقل، بخلاف سكران لم يتعد بتناول مسكر كأن أكره عليه أو لم يعلم أنه مسكر فلا يقع طلاقه إذا صار بحيث لا يميز لعدم تعديه وصدق مدعي إكراه في تناوله بيمينه إن وجدت قرينة عليه، كحبس وإلا فلا بد من البينة، ويقع طلاق الهازل به بأن قصد لفظه دون معناه أو لعب به بأن


[ 9 ]

لم يقصد شيئا ولا أثر لحكاية طلاق الغير وتصوير الفقيه وللتلفظ به بحيث لا يسمع نفسه. واتفقوا على وقوع طلاق الغضبان، وإن ادعى زوال شعوره بالغضب، (لا) طلاق (مكره) بغير حق (بمحذور) مناسب كحبس طويل، وكذا قليل لذي مروءه وصفعة له في الملا وكإتلاف مال يضيق عليه، بخلاف نحو خمسة دراهم في حق


[ 10 ]

موسر وشرط الاكراه قدرة المكره على تحقيق ما هدد به عاجلا بولاية أو تغلب وعجز المكره عن دفعه بفرار أو استغاثة وظنه أنه إن امتنع فعل ما خوفه به ناجزا فلا يتحقق العجز بدون اجتماع ذلك كله، ولا يشترط التورية بأن ينوي غير زوجته أو يقول سرا عقبه إن شاء الله، فإذا قصد المكره الايقاع للطلاق وقع، كما إذا أكره بحق: كأن


[ 11 ]

قال مستحق القود طلق زوجتك وإلا قتلتك بقتلك أبي، أو قال رجل لآخر طلقها أو لاقتلنك غدا فطلق فيقع فيهما (ب‍) – صريح وهو ما لا يحتمل ظاهره غير الطلاق ك‍ (- مشتق طلاق) ولو من عجمي عرف أنه موضوع لحل عصمة


[ 12 ]

النكاح أو بعده عنها وإن لم يعرف معناه الاصلي، كما أفتى به شيخنا، (وفراق وسراح) لتكررها في القرآن كطلقتك وفارقتك وسرحتك أو زوجتي، وكأنت طالق أو مطلقة، بتشديد اللام، المفتوحة ومفارقة ومسرحة أما مصادرها فكناية كأنت طلاق أو فراق أو سراح. تنبيه: ويشترط ذكر مفعول مع نحو طلقت ومبتدأ مع نحو طالق فلو نوى أحدهما لم يوءثر كما لو قال: طالق ونوى أنت أو امرأتي ونوي لفظ طالق إلا إن سبق ذكرها في سؤال في نحو طلق امرأتك فقال: طلقت بلا مفعول


[ 13 ]

أو فوض إليها بطلقي نفسك فقالت: طلقت ولم تقل: نفسي فيقع فيهما (وترجمته) أي مشتق ما ذكر بالعجمية فترجمة الطلاق صريح على المذهب وترجمة صاحبيه صريح أيضا على المعتمد، ونقل الاذرعي عن جمع الجزم به (و) منه (أعطيت) أو قلت (طلاقك وأوقعت) أو ألقيت أو وضعت (عليك الطلاق) أو طلاقي ويا طالق ويا مطلقة – بتشديد اللام – لا أنت طلاق ولك الطلاق بل هما كنايتان: كإن فعلت كذا ففيه طلاقك أو فهو طلاقك – فيما استظهر شيخنا – لان المصدر لا يستعمل في العين إلا توسعا، ولا يضر الخطأ في الصيغة إذا لم يخل بالمعنى كالخطإ في الاعراب. فروع: لو قالت له طلقني فقال: هي مطلقة فلا يقبل إرادة غيرها لان تقدم سؤالها يصرف اللفظ إليها، ومن


[ 14 ]

ثم لو لم يتقدم لها ذكر رجع لنيته في نحو أنت طالق وهي غائبة أو هي طالق وهي حاضرة. قال البغوي: ولو قال ما كدت أن أطلقك كان إقرارا بالطلاق انتهى. ولو قال لوليها زوجها فمقر بالطلاق، قال المزجد: لو قال: هذه زوجة فلان حكم بارتفاع نكاحه وأفتى ابن الصلاح فيما لو قال رجل: إن غبت عنها سنة فما أنا لها بزوج بأنه إقرار في الظاهر بزوال الزوجية بعد غيبته السنة فلها بعدها ثم بعد انقضاء عدتها تزوج لغيره. ولو قال لآخر: أطلقت زوجتك ملتمسا الانشاء ؟ فقال: نعم أو إي وقع وكان صريحا، فإذا قال: طلقت فقط كان كناية لان نعم متعينة للجواب، وطلقت مستقلة، فاحتملت الجواب والابتداء. أما إذا قال له ذلك


[ 15 ]

مستخبرا فأجاب بنعم فإقرار بالطلاق ويقع عليه ظاهرا إن كذب ويدين وكذا لو جهل حال السؤال. فإن قال: أردت طلاقا ماضيا وراجعت صدق بيمينه لاحتماله، ولو قيل: لمطلق أطلقت زوجتك ثلاثا ؟ فقال طلقت وأراد واحدة صدق بيمينه لان طلقت محتمل للجواب والابتداء، ومن ثم لو قالت: طلقني ثلاثا فقال طلقتك ولم ينو عددا فواحدة ولو قال لام زوجته: ابنتك طالق وقال: أردت بنتها الاخرى صدق بيمنه، كما لو قال لزوجته: وأجنبية إحداكما طالق وقال: قصدت الاجنبية لتردد اللفظ بينهما فصحت إرادتها – بخلاف ما لو قال: زينب


[ 16 ]

طالق واسم زوجته زينب وقصد أجنبية اسمها زينب فلا يقبل قوله ظاهرا بل يدين ولو قال عامي أعطيت تلاق فلانة بالتاء أو طلاكها – بالكاف – أو دلاقها – بالدال – وقع به الطلاق وكان صريحا في حقه إن لم يطاوعه لسانه إلا على هذا اللفظ المبدل أو كان ممن لغته كذلك – كما صرح به الجلال البلقيني – واعتمده جمع متأخرون، وأفتى به جمع من مشايخنا، وإلا فهو كناية لان ذلك الابدال له أصل في اللغة (و) يقع (بكناية) وهي


[ 17 ]

ما يحتمل الطلاق وغيره إن كانت (مع نية) لايقاع الطلاق (مقترنة بأولها) أي الكناية وتعبيري بمقترنة بأولها هو ما رجحه كثيرون، واعتمده الاسنوي والشيخ زكريا تبعا لجمع محققين ورجح في أصل الروضة الاكتفاء بالمقارنة لبعض اللفظ ولو لآخره وهي (كأنت علي حرام) أو حرمتك أو حلال الله علي حرام ولو تعارفوه طلاقا – خلافا للرافعي – ولو نوى تحريم عينها أو نحو فرجها أو وطئها لم تحرم، وعليه مثل كفارة يمين وإن لم يطأ. ولو قال:


[ 18 ]

هذا الثوب أو الطعام حرام علي فلغو لا شئ فيه (و) أنت (خلية) أي من الزوج فعيلة بمعنى فاعلة أو بريئة منه (وبائن) أي مفارقة، (و) كأنت (حرة) ومطلقة بتخفيف اللام أو أطلقتك، (و) أنت (كأمي) أو بنتي أو أختي (و) ك‍ (- بنتي) لممكنة كونها بنته باحتمال السن وإن كانت معلومة النسب، (و) ك‍ (- أعتقتك وتركتك) وقطعت


[ 19 ]

نكاحك (وأزلتك وأحللتك) أي للازواج، وأشركتك مع فلانة وقد طلقت منه أو من غيره (و) ك‍ (- تزوجي) أي لاني طلقتك وأنت حلال لغيري بخلاف قوله للولي: زوجها فإنه صريح (واعتدي) أي لاني طلقتك وودعيني من الوداع: أي لاني طلقتك (و) ك‍ (- خذي طلاقك، ولا حاجة لي فيك) أي لاني طلقتك ولست زوجتي إن لم يقع في جواب دعوى، وإلا فإقرار (و) ك‍ (- ذهب طلاقك أو سقط طلاقك) إن فعلت كذا (و) ك‍ (- طلاقك واحد) وثنتان فإن قصد به الايقاع وقع، وإلا فلا، وكلك الطلاق أو طلقة، وكذا سلام عليك على ما قاله ابن صلاح، ونقله شيخنا في شرح المنهاج، (لا) منها (كطلاقك عيب أو نقص ولا قلت) أو أعطيت (كلمتك أو حكمك) فلا


[ 20 ]

يقع به الطلاق وإن نوى بها المتلفظ الطلاق لانها ليست من الكنايات التي تحتمل الطلاق بلا تعسف ولا أثر لاشتهارها في الطلاق في بعض القطر، كما أفتى به جمع من محققي مشايخ عصرنا، ولو نطق بلفظ من هذه الالفاظ الملغاة عند إرادة الفراق فقال له الآخر: مستخبرا أطلقت زوجتك ؟ فقال: نعم ظانا وقوع الطلاق باللفظ الاول لم يقع، كما أفتى به شيخنا. وسئل البلقيني عما لو قال لها: أنت علي حرام وظن أنها طلقت به ثلاثا فقال لها: أنت طالق ثلاثا ظانا وقوع الثلاث بالعبارة الاولى. فأجاب بأنه لا يقع عليه طلاق، بما أخبر به ثانيا على الظن المذكور. اه‍. ويجوز لمن ظن صدقه أن لا يشهد عليه. فرع لو كتب صريح طلاق أو كنايته ولم ينو إيقاع الطلاق فلغو ما لم يتلفظ حال الكتابة أو بعدها بصريح ما


[ 21 ]

كتبه نعم: يقبل قوله أردت قراءة المكتوب لا الطلاق لاحتماله، ولا يلحق الكناية بالصريح طلب المرأة الطلاق ولا قرينة غضب ولا اشتهار بعض ألفاظ الكنايات فيه (وصدق منكر نية) في الكناية (بيمينه) في أنه ما نوى بها طلاقا، فالقول في النية: إثباتا ونفيا قول: الناوي إذ لا تعرف إلا منه، فإن لم تمكن مراجعة نيته بموت أو فقد لم يحكم بوقوع الطلاق لان الاصل بقاء العصمة.


[ 22 ]

فروع قال في العباب: من اسم زوجته فاطمة مثلا فقال: ابتداء أو جوابا لطلبها الطلاق فاطمة طالق وأراد غيرها لم يقبل، ومن قال لامرأته: يا زينب، أنت طالق واسمها عمرة طلقت للاشارة، ولو أشار إلى أجنبية وقال: يا عمرة أنت طالق واسم زوجته عمرة لم تطلق، ومن قال: امرأتي طالق مشيرا لاحدى امرأتيه وأراد الاخرى قبل بيمينه، ومن له زوجتان اسم كل واحدة منهما فاطمة بنت محمد وعرف أحدهما بزيد فقال: فاطمة بنت محمد طالق ونوى بنت زيد قبل. انتهى. قال شيخنا: لم يقبل في المسألة الاولى أي ظاهرا بل يدين. نعم: يتجه قبول إرادته لمطلقة له اسمها فاطمة اه‍. ولو قال: زوجتي عائشة بنت محمد طالق وزوجته خديجة بنت محمد طلقت


[ 23 ]

لانه لا يضر الخطأ في الاسم، ولو قال لابنه المكلف قل لامك: أنت طالق ولم يرد التوكيل يحتمل التوكيل فإذا قاله لها: طلقت كما تطلق به لو أراد التوكيل، ويحتمل أنها تطلق وكون الابن مخبرا لها بالحال قال الاسنوي: ومدرك التردد أن الامر بالامر بالشئ إن جعلناه كصدور الامر من الاول كان الامر بالاخبار بمنزلة الاخبار من الاب فيقع وإلا فلا. اه‍. قال الشيخ زكريا: وبالجملة فينبغي أن يستفسر فإن تعذر استفساره عمل بالاحتمال الاول حتى لا يقع الطلاق بقوله: بل بقول الابن لامه: لان الطلاق لا يقع بالشك. (ولو قال: طلقتك ونوى


[ 24 ]

عددا) اثنتين أو واحدة (وقع منوي) ولو في غير موطوءة فإن لم ينوه وقع طلقة واحدة ولو شك في العدد الملفوظ أو المنوي فيأخذ بالاقل ولا يخفى الورع. فرع لو قال: طلقتك واحدة وثنتين فيقع به الثلاث – كما هو ظاهر – وبه أفتى بعض محققي علماء عصرنا. ولو قال للمدخول بها: أنت طالق طلقة بل طلقتين فيقع ثلاث، كما صرح به الشيخ زكريا في شرح الروض،


[ 25 ]

(ويقع طلاق الوكيل) في الطلاق (بطلقت) فلانة ونحوه وإن لم ينو عند الطلاق أنه مطلق لموكله (ولو قال لآخر: أعطيت) أو جعلت بيدك (طلاق زوجتي) أو قال له: رح بطلاقها وأعظها (فهو توكيل) يقع الطلاق بتطليق الوكيل لا بقول الزوج هذا اللفظ بل تحصل الفرقة من حين قول الوكيل: متى شاء طلقت فلانة لا بإعلامها الخبر بأن فلانا أرسل بيدي طلاقك ولا بإعلامها أن زوجك طلق، وإذا قال له: لا تعطه إلا في يوم كذا فيطلق في اليوم الذي عينه أو بعده لا قبله، ثم إن قصد التقييد بيوم طلق فيه لا بعده. (ولو قال لها) أي الزوجة المكلفة منجزا


[ 26 ]

(طلقي نفسك إن شئت فهو تمليك) للطلاق لا توكيل بذلك وبحث أن منه قوله: طلقيني فقالت: أنت طالق ثلاثا، لكنه كناية، فإن نوى التفويض إليها طلقت وإلا فلا. وخرج بتقييدي بالمكلفة غيرها لفساد عبارتها، وبمنجز المعلق، فلو قال: إذا جاء رمضان فطلقي نفسك لغا، وإذا قلنا أنه تمليك (فيشترط) لوقوع الطلاق المفوض إليها (تطليقها) ولو بكناية (فورا) بأن لا يتخلل فاصل بين تفويضه وإيقاعها نعم، لو قال: طلقي نفسك فقالت: كيف يكون تطليق نفسي ؟ ثم قالت: طلقت وقع لانه فصل يسير (بطلقت) نفسي أو طلقت فقط لا بقبلت، وقال بعضهم: – كمختصري الروضة – لا يشترط الفور في متى شئت فتطلق متى شاءت. وجزم به


[ 27 ]

صاحبا التنبيه والكفاية، لكن المعتمد، كما قال شيخنا: أنه يشترط الفورية وإن أتى بنحو متى، ويجوز له الرجوع قبل تطليقها كسائر العقود. فائدة: يجوز تعليق الطلاق كالعتق بالشروط ولا يجوز الرجوع فيه قبل وجود الصفة. ولا يقع قبل وجود


[ 28 ]

الشرط. ولو علقه بفعله شيئا ففعله ناسيا للتعلق أو جاهلا بأنه المعلق عليه لم تطلق. ولو علق الطلاق على ضرب زوجته بغير ذنب فشتمته فضربها لم يحنث إن ثبت ذلك، وإلا صدقت فتحلف. مهمة: يجوز الاستثناء بنحو إلا بشرط أن يسمع نفسه، وأن يتصل بالعدد الملفوظ: كطلقتك ثلاثا إلا


[ 29 ]

اثنتين فيقع طلقه أو إلا واحدة فطلقتان ولو قال: أنت طالق إن شاء الله لم تطلق. (وصدق مدعي إكراه) على طلاق (أو إغماء) حالته (أو سبق لسان) إلى لفظ الطلاق (بيمينه إن كان ثم قرينة) كحبس وغيره في دعوى كونه مكرها وكمرض واعتياد صرع في دعوى كونه مغشيا عليه وككون اسمها طالعا أو طالبا في دعوى سبق اللسان (وإلا) تكن هناك قرينة (فلا) يصدق إلا بيمينه. تتمة من قال لزوجته: يا كافرة مريدا حقيقة الكفر جرى فيها ما تقرر في الردة أو الشتم فلا طلاق وكذا إن لم


[ 30 ]

يرد شيئا لاصل بقاء العصمة، وجريان ذلك الشتم كثيرا مرادا به كفر النعمة. (فرع في حكم المطلقة بالثلاث، حرم لحر من طلقها) ولو قبل الوطئ (ثلاثا ولعبد من طلقها ثنتين) في نكاح أو أنكحة (حتى تنكح) زوج غيره بنكاح صحيح ثم يطلقها وتنقض عدتها منه كما هو معلوم (ويولج) بقبلها (حشفة) منه أو قدرها من فاقدها مع افتضاض لبكر، وشرط كون الايلاج (بانتشار) للذكر، أي معه وإن قل أو


[ 31 ]

أعين بنحو إصبع، ولا يشترط إنزال، وذلك للآية. والحكمة في اشتراط التحليل التنفير من استيفاء ما يملكه من الطلاق (ويقبل قولها) أي المطلقة (في تحليل) وانقضاء عدة عند إمكان (وإن كذبها الثاني) في وطئه لها لعسر إثباته (و) إذا ادعت نكاحا وانقضاء عدة وحلفت عليهما جاز (ل‍) – لزوج (الاول نكاحها) وإن ظن كذبها لان العبرة


[ 32 ]

في العقود بقول أربابها ولا عبرة بظن لا مستند له. ولو ادعى الثاني الوطئ وأنكرته لم تحل للاول ولو قالت: لم أنكح ثم كذبت نفسها وادعت نكاحا بشرطه جاز للاول نكاحها إن صدقها (ولو أخبرته) أي المطلقة زوجها الاول (أنها تحللت ثم رجعت) وكذبت نفسها (قبلت) دعواها (قبل عقد) عليها للاول فلا يجوز له نكاحها (لا بعده): أي لا يقبل إنكارها التحليل بعد عقد الاول، لان رضاها بنكاحه يتضمن الاعتراف بوجود التحليل فلا يقبل منها خلافه (وإن صدقها الثاني) في عدم الاصابة لان الحق تعلق بالاول فلم تقدر هي ولا مصدقها على رفعه كما أفتى به جمع من مشايخنا المحققين. تتمة إنما يثبت الطلاق كالاقرار به بشهادة رجلين حرين عدلين فلا يحكم بوقوعه بشهادة الاناث ولو مع


[ 33 ]

رجل أو كن أربعا ولا بالعبيد ولو صلحاء ولا بالفساق، ولو كان الفسق، بإخراج مكتوبة عن وقتها بلا عذر ويشترط للاداء والقبول أن يسمعاه ويبصر المطلق حين النطق به فلا يصح تحملها الشهادة اعتمادا على الصوت من غير أن يريا المطلق لجواز اشتباه الاصوات وأن يبينا لفظ الزوج من صريح أو كناية ويقبل فيه شهادة أبي المطلقة وابنها إن شهدا حسبة. ولو تعارضت بينتا تعليق وتنجيز قدمت الاولى لان معها زيادة علم بسماع التعليق.


[ 34 ]

فصل في الرجعة هي لغة المرة من الرجوع وشرعا رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة (صح رجوع مفارقة


[ 35 ]

بطلاق دون أكثره) فهو ثلاث لحر وثنتان لعبد (مجانا) بلا عوض (بعد وطئ) أي في عدة وطئ (قبل انقضاء عدة) فلا يصح رجوع مفارقة بغير طلاق كفسخ ولا مفارقة بدون ثلاث مع عوض كخلع لبينونتها ومفارقة قبل وطئ: إذ لا عدة عليها ولا من انقضت عدتها لانها صارت أجنبية. ويصح تجديد نكاحهن بإذن جديد وولي وشهود ومهر آخر ولا مفارقة بالطلاق الثلاث فلا يصح نكاحها إلا بعد التحليل، وإنما يصح الرجوع (براجعت) أو رجعت


[ 36 ]

(زوجتي) أو فلانة وإن لم يقل: إلي نكاحي أو إلي لكن يسن أن يزيد أحدهما مع الصيغة: ويصح برددتها إلى نكاحي وبأمسكتها، وأما عقد النكاح عليها بإيجاب وقبول فكناية تحتاج إلى نية. ولا يصح تعليقها كراجعتك إن شئت. ولا يشترط الاشهاد عليها بل يسن. فروع يحرم التمتع برجعية ولو بمجرد نظر ولاحد إن وطئ، بل يعزر وتصدق بيمينها في انقضاء العدة


[ 37 ]

بغير الاشهر من أقراء أو وضع إذا أمكن وإذا أنكره الزوج أو خالفت عادتها لان النساء مؤتمنات على أرحامهن ولو


[ 38 ]

ادعى رجعة العدة وهي منقضية ولم تنكح، فإن اتفقا على وقت الانقضاء كيوم الجمعة وقال: راجعت قبله فقالت بل بعده حلفت أنها لا تعلم أنه راجع فتصدق لان الاصل عدم الرجعة قبله، فلو اتفقتا على وقت الرجعة كيوم الجمعة وقالت: انقضت يوم الخميس وقال: بل انقضت يوم السبت صدق بيمينه أنها ما انقضت يوم الخميس لاتفاقهما على وقت الرجعة والاصل عدم انقضاء العدة قبله. (ولو تزوج) رجل (مفارقته) ولو بخلع (بدون ثلاث ولو بعد) أن نكحت ل‍ (- زوج آخر) ودخوله بها (عادت) إليه (ببقيته): أي بقية الثلاث فقط من ثنتين أو واحدة.


[ 39 ]

فصل الايلاء خلف زوج يتصور وطوه على امتناعه من وطؤه زوجته مطلقا أو فوق أربعة أشهر كأن يقول: لا أطوك


[ 40 ]

أو لا أطوك خمسة أشهر أو حتى يموت فلان، فإذا مضت أربعة أشهر من الايلاء بلا وطئ فلها مطالبته بالفيئة وهي


[ 41 ]

الوطئ أو بالطلاق، فإن أبى طلق عليه القاضي وينعقد الايلاء بالحلف بالله تعالى وبتعليق طلاق أو عتق أو التزام قربة، وإذا وطئ مختارا بمطالبة أو دونها لزمته كفارة يمين إن حلف بالله.


[ 42 ]

فصل


[ 43 ]

إنما يصح الظهار ممن يصح طلاقه وهو أن يقول لزوجته أنت كظهر أمي ولو بدون علي. وقوله أنت كأمي كناية وكالام محرم لم يطرأ تحريمها. وتلزمه كفارة ظهار بالعود وهو أن يمسكها زمنا يمكن فراقها فيه.


[ 45 ]

فصل في العدة هي مأخوذة من العدد لاشتمالها على عدد أقراء وأشهر غالبا وهي شرعا مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها من الحمل أو للتعبد. وهو إصطلاحا ما لا يعقل معناه عبادة كان أو غيرها ولتفجعها على زوج مات.


[ 46 ]

وشرعت أصالة صونا للنسب عن الاختلاط (تجب عدة لفرقة زوج حي) بطلاق أو فسخ نكاح حاضر أو غائب مدة طويلة (وطئ) في قبل أو دبر، بخلاف ما إذا لم يكن وطئ وإن وجدت خلوة (وإن تيقن براءة رحم) كما في صغيرة وصغير. (ولوطئ) حصل مع (شبهة) في حله كما في نكاح فاسد وهو كل ما لم يوجب حدا على الواطئ.


[ 47 ]

فرع: لا يستمتع بموطوءة بشبهة مطلقا ما دامت في عدة شبهة حملا كانت أو غيره حتى تنقضي بوضع أو غيره لاختلال النكاح بتعلق حق الغير. قال شيخنا: ومنه يوءخذ أنه يحرم عليه نظرها ولو بلا شهوة والخلوة بها، وإنما يجب لما ذكر عدة (بثلاثة قروء) والقرء هنا طهريين دمي حيضتين أو حيض ونفاس فلو طلق من لم تحض


[ 48 ]

أولا ثم حاضت لم يحسب الزمن الذي طلق فيه قرءا: إذ لم يكن بين دمين، بل لا بد من ثلاثة أطهار بعد الحيضة المتصلة بالطلاق ويحسب بقية الطهر طهرا في غيرها، وتجب العدة بثلاثة أقراء (على حرة تحيض) لقوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * فمن طلقت طاهرا وقد بقي من الطهر لحظة انقضت عدتها بالطعن في الحيضة الثالثة لاطلاق القرء على أقل لحظة من الطهر وإن وطئ فيه أو حائضا وإن لم يبق من زمن الحيض إلا لحظة فتنقضي عدتها بالطعن في الحيضة الرابعة وزمن الطعن في الحيضة ليس من العدة بل يتبين به انقضاؤها. (و) تجب عدة (بثلاثة أشهر) هلالية ما لم تطلق أثناء شهر، وإلا تمم المنكسر ثلاثين (إن لم


[ 49 ]

تحض) أي الحرة أصلا (أو) حاضت أولا ثم انقطع و (يئست) من الحيض ببلوغها إلى سن تيأس فيه النساء من الحيض غالبا، وهو اثنتان وستون سنة، وقيل خمسون ولو حاضت من لم تحض قط في أثناء العدة بالاشهر اعتدت بالاطهار أو بعدها أو تستأنف العدة بالاطهار، بخلاف الآيسة (ومن انقطع حيضها) بعد أن كانت تحيض (بلا علة) تعرف (لم تتزوج حتى تحيض أو تيأس) ثم تعتد بالاقراء أو الاشهر وفي القديم وهو مذهب مالك


[ 50 ]

وأحمد أنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد بثلاثة أشهر ليعرف فراغ الدم: إذ هي غالب مدة الحمل، وانتصر له الشافعي بأن عمر رضي الله عنه قضى به بين المهاجرين والانصار ولم ينكر عليه، ومن ثم أفتى به سلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام والبارزي والريمي وإسماعيل الحضرمي واختاره البلقيني وشيخنا ابن زياد رحمهم الله تعالى. أما من انقطع حيضها بعلة تعرف كرضاع ومرض فلا تتزوج اتفاقا حتى تحيض أو تيأس وإن طالت المدة (و) تجب العدة (لوفاة) زوج حتى (على) حرة (رجعية وغير موطوءة) لصغر أو غيره، وإن كانت ذات أقراء


[ 51 ]

(بأربعة أشهر وعشرة أيام) ولياليها للكتاب والسنة. وتجب على المتوفي عنها زوجها العدة بما ذكر (مع إحداد) يعني يجب الاحداد عليها أيضا بأي صفة كانت، للخبر المتفق عليه: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا أي فإنه يحل لها الاحداد عليه هذه المدة: أي يجب


[ 52 ]

لان ما جاز بعد امتناعه واجب وللاجماع على إرادته إلا ما حكي عن الحسن البصري، وذكر الايمان للغالب أو لانه أبعث على الامتثال، وإلا فمن لها أمان يلزمها ذلك أيضا ويلزم الولي أمر موليته به. تنبيه: الاحداد الواجب على المتوفي عنها زوجها ولو صغيرة ترك لبس مصبوع لزينة وإن خشن. ويباح إبريسم لم يصبغ، وترك التطيب ولو ليلا، والتحلي نهارا بحلي ذهب أو فضة. ولو نحو خاتم أو قرط أو تحت الثياب للنهي عنه، ومنه مموه بأحدهما ولؤلؤ ونحوه من الجواهر التي تتحلى بها، ومنها العقيق وكذا نحو نحاس


[ 53 ]

وعاج إن كانت من قوم يتحلون بهما وترك الاكتحال بإثمد إلا لحاجة وإن كانت سوداء، ودهن شعر رأسها لا سائر البدن وحل تنظف بغسل، وإزالة وسخ وأكل تنبل وندب إحداد لبائن بخلع أو فسخ أو طلاق ثلاث لئلا يفضي تزيينها لفسادها، وكذا الرجعية إن لم ترج عودة بالتزين فيندب. وتجب على المعتدة بالوفاة وبطلاق بائن


[ 54 ]

أو فسخ ملازمة مسكن كانت فيه عند الموت أو الفرقة إلى انقضاء عدة ولها الخروج نهارا لشراء نحو طعام وبيع غزل ولنحو احتطاب لا ليلا ولو أوله، خلافا لبعضهم لكن لها خروج ليلا إلى دار جاره الملاصق لغزل وحديث


[ 55 ]

ونحوهما لكن بشرط أن يكون ذلك بقدر العادة وأن لا يكون عندها من يحدثها ويؤنسها على الاوجه وأن ترجع وتبيت في بيتها. أما الرجعية فلا تخرج إلا بإذنه أو لضرورة لان عليه القيام بجميع مؤنها كالزوجة، ومثلها بائن حامل وتنتقل من المسكن لخوف على نفسها أو ولدها أو على المال ولو لغيرها كوديعة وإن قل وخوف هدم أو حرق أو سارق. أو تأذت بالجيران أذى شديدا، وعلى الزوج سكنى المفارقة ولو بأجرة ما لم تكن ناشزة وليس له


[ 56 ]

مساكنتها ولا دخول محل هي فيه مع انتفاء نحو المحرم فيحرم عليه ذلك ولو أعمى وإن كان الطلاق رجعيا لان ذلك يجر إلى الخلوة المحرمة بها، ومن ثم لزمها منعه إن قدرت عليه (و) كما تعتد حرة بما ذكر (تعتد غيرها) أي غير الحرة (بنصف) من عدة الحرة لانها على النصف في كثير من الاحكام (وكمل الطهر الثاني) إذ لا يظهر


[ 57 ]

نصفه إلا بظهور كله فلا بد من الانتظار إلى أن يعود الدم (وتعتدان) أي الحرة والامة لوفاة أو غيرها وإن كانتا تحيضان (بوضع حمل) حملتا لصاحب العدة ولو مضغة تتصور لو بقيت لا بوضع علقة. فرع: يلحق ذا العدة الولد إلى أربع سنين موقت طلاقه لا إن أتت به بعد نكاح لغير ذي العدة وإمكان


[ 58 ]

لان يكون منه بأن أتت به لستة أشهر بعد نكاحه. (وتصدق) المرأة (في) دعوى (انقضاء عدة) بغير أشهر إن (أمكن) انقضاوها وإن خالفت عدتها أو كذبها الزوج، إذ يعسر عليها إقامة البينة بذلك ولانها مؤتمنة على ما في رحمها وإمكان الانقضاء بالولادة ستة أشهر ولحظتان وبالاقراء لحرة طلقت في طهر اثنان وثلاثون يوما ولحظتان وفي حيض سبعة وأربعون يوما ولحظة. فائدة: ينبغي تحليف المرأة على انقضاء العدة (ولا يقبل دعواها) أي المرأة (عدم انقضائها) أي العدة (بعد تزوج الآخر) لان رضاها بالنكاح يتضمن الاعتراف بانقضاء العدة، فلو ادعت بعد الطلاق الدخول فأنكر


[ 59 ]

صدق بيمينه لان الاصل عدمه وعليها العدة مؤاخذة لها بإقرارها وإن رجعت وكذبت نفسها في دعوى الدخول لان الانكار بعد الاقرار غير مقبول. فرع: لو انقضت عدة الرجعية ثم نكحت آخر فادعى مطلقها عليها أو على الزوج الثاني الرجعية قبل انقضاء العدة فأثبت ذلك ببينة أو لم يثبت لكن أقرا: أي الزوجة، والثاني له به أخذها لانه قد ثبت بالبينة أو الاقرار ما يستلزم فساد النكاح ولها عليه بالوطئ مهر المثل، فلو أنكر الثاني الرجعة صدق بيمينه في إنكارها لان النكاح وقع صحيحا والاصل عدم الرجعة أو أقرت هي دون الثاني فلا يأخذها لتعلق حق الثاني حتى تبين من الثاني، إذ لا يقبل إقرارها عليه بالرجعة ما دامت في عصمته لتعلق حقه بها، أما إذا بانت منه فتسلم للاول بلا عقد وأعطت وجوبا الاول قبل بينونتها مهر المثل للحيلولة الصادرة منها بينه وبين حقه بالنكاح الثاني حتى لو زال أخذت المهر لارتفاع الحيلولة، ولو تزوجت امرأة كانت في حيالة زوج بأن ثبت ذلك ولو بإقرارها به قبل نكاح الثاني


[ 60 ]

فادعى عليها الاول بقاء نكاحه وأنه لم يطلقها وهي تدعي أنه طلقها وانقضت عدتها منه قبل أن تنكح الثاني ولا بينة بالطلاق فحلف أنه لم يطلقها أخذها من الثاني لانها أقرت له بالزوجية وهو إقرار صحيح، إذ لم يتفقا على الطلاق (وتنقطع عدة) بغير حمل (بمخالطة) مفارق لمفارقة (رجعية فيها) لا بائن ولو بخلع كمخالطة الزوج زوجته بأن كان يختلي بها، ويتمكن عليها ولو في الزمن اليسير سواء أحصل وطئ أم لا فلا تنقضي العدة لكن إذا زالت المعاشرة بأن نوى أنه لا يعود إليها كملت على ما مضى، وذلك لشبهة الفراش كما لو نكحها حائلا في


[ 61 ]

العدة فلا يحسب زمن استفراشه عنها بل تنقطع من حين الخلوة ولا يبطل بها ما مضى فتبني عليه إذا زالت ولا يحسب الاوقات المتخللة بين الخلوات، (و) لكن (لا رجعة) له عليها (بعدها) أي بعد العدة بالاقراء أو الاشهر على المعتمد وإن لم تنقض عدتها لكن يلحقها الطلاق إلى انقضائها، والذي رجحه البلقيني أنه لا مؤنة لها


[ 62 ]

بعدها. وجزم به غيره فقال: لا توارث بينهما ولا يحد بوطئها. تتمة: لو اجمتع عدتا شخص على امرأة بأن وطئ مطلقته الرجعية مطلقا أو البائن بشبهة تكفي عدة أخيرة منهما فتعتد هي من فراغ الوطئ وتندرج فيها بقية الاولى فإن كرر الوطئ استأنفت أيضا لكن لا رجعة حيث لم يبق من الاولى بقية. فرع: في حكم الاستبراء وهو شرعا تربص بمن فيها رق عند وجود سبب مما يأتي للعلم ببراءة رحمها أو


[ 63 ]

للتعبد. (يجب استبراء) لحل تمتع أو تزويج (بملك أمة) ولو معتدة بشراء أو إرث أو وصية أو هبة مع قبض أو


[ 64 ]

سبي بشرطه من القسمة أو اختيار تملك (وإن تيقن براءة رحم) كصغيرة وبكر وسواء أملكها من صبي أم امرأة أم من بائع استبرأها قبل البيع فيجب فيما ذكر بالنسبة لحل التمتع (وبزوال فراش) له (عن أمة موطوءة) غير مستولدة (أو مستولدة بعتقها): أي بإعتاق السيد كل واحدة منهما أو موته لا إن استبرأ قبيل إعتاق غير مستولدة


[ 65 ]

ممن زال عنها الفراش فلا يجب بل تتزوج حالا. إذ لا تشبه هذه منكوحة بخلاف المستولدة. (و) يحرم بل (لا يصح تزويج موطوءته) أي المالك (قبل) مضي (إستبراء) حذر من اختلاط الماءين، أما غير موطوءته فإن كانت غير موطوءة لاحد فله تزويجها مطلقا أو موطوءة غيره فله تزويجها ممن الماء منه وكذا من غيره إن كان الماء غير محترم أو مضت مدة الاستبراء منه. ولو أعتق موطوءته فله نكاحها بلا استبراء (وهو) أي الاستبراء (لذات أقراء حيضة) كاملة فلا تكفي بقيتها الموجودة حالة وجوب الاستبراء ولو وطئها في الحيض فحبلت منه، فإن كان قبل


[ 66 ]

مضي أقل الحيض انقطع الاستبراء وبقي التحريم إلى الوضع كما حبلت من وطئه وهي طاهرة وإن حبلت بعد مضي أقله كفى في الاستبراء لمضي حيض كامل لها قبل الحمل (ولذات أشهر) من صغيرة أو آيسة (شهر ولحامل لا تعتد بالوضع) أي بوضع الحمل وهي التي حملها من الزنا أو المسبية الحامل أو التي هي حامل من السيد وزال عنها فراشه بعتق سواء الحامل المستولدة وغيرها (وضعه) أي الحمل.


[ 67 ]

فرع: لو اشترى نحو وثنية أو مرتدة فحاضت ثم بعد فراغ الحيض أو في أثنائه ومثله الشهر في ذات الاشهر أسلمت لم يكف حيضها أو نحوه في الاستبراء لانه لا يستعقب حل التمتع الذي هو القصد في الاستبراء (وتصدق) المملوكة بلا يمين (في قولها) حضت لانه لا يعلم إلا منها (وحرم في غير مسبية تمتع) ولو بنحو نظر بشهوة ومس (قبل) تمام (استبراء) لادائه إلى الوطئ المحرم ولاحتمال أنها حامل بحر فلا يصح نحو بيعها نعم


[ 68 ]

تحل له الخلوة بها، أما في المسبية فيحرم الوطئ لا الاستمتاع بغيره من تقبيل ومس لانه (ص) لم يحرم منها غيره مع غلبة امتداد الاعين والايدي إلى مس الاماء سيما الحسان، ولان ابن عمر رضي الله عنه قبل أمة وقعت في سهمه من سبايا أوطاس، وألحق الماوردي وغيره بالمسبية في حل الاستمتاع بغير الوطئ كل من لا يمكن حملها كصبية وآيسة وحامل من زنا. فرع: لا تصير أمة فراشا لسيدها إلا بوطئ منه في قبلها ويعلم ذلك بإقراره به أو ببينة، فإذا ولدت للامكان من وطئه ولدا لحقه وإن لم يعترف به.


[ 70 ]

فصل في النفقة من الانفاق وهو الاخراج (يجب) المد الآتي وما عطف عليه (لزوجة) أو أمة ومريضة (مكنت) من الاستمتاع بها ومن نقلها إلى حيث شاء عند أمن الطريق والمقصد ولو بركوب بحر غلبت فيه السلامة، فلا تجب


[ 71 ]

بالعقد خلافا للقديم وإنما تجب بالتمكين يوما فيوما ويصدق هو بيمينه في عدم التمكين وهي في عدم النشوز والانفاق عليها، وإذا مكنت من يمكن التمتع بها ولو من بعض الوجوه وجبت مؤنها ولو كان الزوج طفلا لا يمكن جماعه: إذ لا منع من جهتها وإن عجزت عن وطئ بسبب غير الصغر كرتق أو مرض أو جنون، لا إن عجزت بالصغر، بأن كانت طفلة لا تحتمل الوطئ فلا نفقة لها وإن سلمها الولي إلى الزوج. إذ لا يمكن التمتع بها


[ 72 ]

كالناشزة، بخلاف من تحتمله ويثبت ذلك بإقراره وبشهادة البينة به أو بأنها في غيبته باذلة للطاعة ملازمة للمسكن ونحو ذلك ولها مطالبته بها إن أراد سفرا طويلا (ولو رجعية) وإن كانت حائلا أي يجب لها ما ذكر ما عدا آلة التنظيف لبقاء حبسه لها وقدرته على التمتع بها بالرجعة ولامتناعه عنها لم يجب لها آلة التنظيف ويسقط مؤنتها ما يسقط مؤنة الزوجة كالنشوز، وتصدق في قدر أقرائها بيمين إن كذبها وإلا فلا يمين، وتجب النفقة أيضا لمطلقة


[ 73 ]

حامل بائن بالطلاق الثلاث أو الخلع أو الفسخ بغير مقارن وإن مات الزوج قبل الوضع ما لم تنشز ولو أنفق بظنه فبان عدمه رجع عليها أما إذا بانت الحامل بموته فلا نفقة، وكذا لا نفقة لزوجة تلبست بعدة شبهة بأن وطئت بشبهة وإن لم تحبل لانتفاء التمكين. إذ يحال بينه وبينها إلى انقضاء العدة، ثم الواجب لنحو زوجة ممن مر (مد طعام) من غالب قوت محل إقامتها لا إقامته ويكفي دفعه من غير إيجاب وقبول كالدين في الذمة. قال شيخنا:


[ 74 ]

ومنه يؤخذ أن الواجب هنا عدم الصارف لا قصد الاداء، خلافا لابن المقري ومن تبعه (على معسر) ولو بقوله ما لم يتحقق له مال وهو من لا يملك ما يخرجه عن المسكنة (ولو مكتسبا) وإن قدر على كسب واسع (و) على (رقيق) ولو مكاتبا وإن كثر ماله (ومدان على موسر) وهو من لا يرجع بتكليفه مدين معسرا (ومد ونصف على


[ 75 ]

متوسط) وهو من يرجع بذلك معسر، وإنما تجب النفقة وقت طلوع فجر كل يوم فيوم (إن لم تؤاكله) على العادة برضاها وهي رشيدة، فلو أكلت معه دون الكفاية وجب لها تمام الكفاية على الاوجه، وتصدق هي في قدر


[ 76 ]

ما أكلته ولو كلفها مؤاكلته من غير رضاها أو واكلته غير رشيدة بلا إذن ولي فلا تسقط نفقتها به، وحينئذ هو متطوع فلا رجوع له بما أكلته، خلافا للبلقيني ومن تبعه، ولو زعمت أنه متطوع وزعم أنه مؤد عن النفقة صدق بيمينه على الاوجه. وفي شرح المنهاج: لو أضافها رجل إكراما له سقطت نفقتها ويكلف من أراد سفرا طويلا طلاقها وتوكيل من ينفق عليها من مال حاضر ويجب ما ذكر (بأدم) أي مع أدم اعتيد وإن لم تأكله كسمن وزيت وتمر ولو


[ 77 ]

تنازعا فيه أو في اللحم الآتي قدره قاض باجتهاده مفاوتا في قدر ذلك بين الموسر وغيره، وتقدير الحاوي كالنص بأوقية زيت أو سمن تقريب ويجب أيضا لحم اعتيد قدرا ووقتا بحسب يساره وإعساره وإن لم تأكله أيضا، فإن اعتيد مر في الاسبوع فالاولى كونه يوم الجمعة أو مرتين فالجمعة والثلاثاء والنص أيضا رطل لحم في الاسبوع على المعسر ورطلان على الموسر محمول على قلة اللحم في أيامه بمصر فيزاد بقدر الحاجة بحسب عادة المحل، والاوجه أنه لا أدم يوم اللحم إن كفاها غذاء وعشاء وإلا وجب (و) مع (ملح) وحطب (وماء شرب)


[ 78 ]

لتوقف الحياة عليه (و) مع (مؤنة) كأجرة طحن وعجن وخبز وطبخ ما لم تكن من قوم اعتادوا ذلك بأنفسهم، كما جزم به ابن الرفعة والاذرعي، وجزم غيرهما بأنه لا فرق (و) مع (آلة) لطبخ وأكل وشرب كقصعة وكوز وجرة وقدر ومغرفة وإبريق من خشب أو خزف أو حجر، ولا يجب من نحاس وصيني وإن كانت شريفة (و) يجب لها على الزوج ولو معسرا أول كل ستة أشهر كسوة تكفيها طولا وضخامة. فالواجب (قميص) ما لم تكن ممن اعتدن


[ 79 ]

الازار والرداء فيجبان دونه على الاوجه (وإزار) وسراويل (وخمار) أي مقنعة ولو لامة (ومكعب) أي ما يلبس في رجلها ويعتبر في نوعه عرف بلدها. نعم قال الماوردي إن كانت ممن يعتدن أن لا يلبسن في أرجلهن شيئا في البيوت لا يجب لارجلها شئ ويجب ذلك لها (مع لحاف للشتاء) يعني وقت البرد ولو في غير الشتاء ويزيد في الشتاء جبة محشوة. أما في غير وقت البرد ولو في وقت الشتاء في البلاد الحارة فيجب لها رداء أو نحوه إن كانوا ممن يعتادون فيه غطاء غير لباسهم أو ينامون عرايا كما هو السنة، فإن لم يعتادوا لنومهم غطاء لم يجب ذلك ولو


[ 80 ]

اعتادوا ثوبا للنوم وجب، كما جزم به بعضهم، ويختلف جودة الكسوة وضدها بيساره وضده ويجب عليه توابع ذلك من نحو تكة سراويل وزر نحو قميص وخيط وأجرة خياط وعليه فراش لنومها ومخدة ولو اعتادوا على السرير وجب.


[ 81 ]

فرع: يجب تجديد الكسوة التي لا تدوم سنة بأن تعطاها كل ستة أشهر من كل سنة، ولو تلفت أثناء الفصل ولو بلا تقصير لم يجب تجديدها، ويجب كونها جديدة (و) لها عليه (آلة تنظف) لبدنها وثوبها وإن غاب عنها، لاحتياجها إليه كالادم، فمنها سدر ونحوه (كمشط) وسواك وخلال (و) عليه (دهن) لرأسها وكذا لبدنها إن اعتيد من شيرج أو سمن فيجب الدهن كل أسبوع مرة فأكثر بحسب العادة، وكذا دهن لسراجها وليس لحامل بائن ومن


[ 82 ]

زوجها غائب إلا ما يزيل الشعث والوسخ على المذهب ويجب عليه الماء للغسل الواجب بسببه كغسل جماع ونفاس لا حيض واحتلام وغسل نجس ولا ماء وضوء إلا إذا نقضه بلمسه (لا) عليه (طيب) إلا لقطع ريح كريه ولا كحل (ودواء) لمرضها وأجرة طبيب، ولها طعام أيام المرض وأدمها وكسوتها وآلة تنظفها وتصرفه للدواء وغيره.


[ 83 ]

تنبيه: يجب لها في جميع ما ذكر من الطعام والادم وآلة ذلك والكسوة والفرش وآلة التنظيف أن يكون تمليكا بالدفع دون إيجاب وقبول وتملكه هي بالقبض فلا يجوز أخذه منها إلا برضاها أما المسكن فيكون إمتاعا حتى يسقط بمضي الزمان لانه لمجرد الانتفاع كالخادم وما جعل تمليكا يصير دينا بمضي الزمان ويعتاض عنه


[ 84 ]

ولا يسقط بموت أثناء الفصل، (و) لها (عليه مسكن) تأمن فيه لو خرج عنها على نفسها ومالها – وإن قل – للحاجة بل للضرورة إليه (يليق بها) عادة وإن كانت ممن لا يعتادون السكنى (ولو معارا) ومكترى. ولو سكن معها في منزلها بإذنها أو لامتناعها من النقلة معه أو في منزل منحو أبيها بإذنها لم يلزمه أجرة لان الاذن العرى عن ذكر


[ 85 ]

العوض ينزل على الاعارة والاباحة، (و) عليه ولو معسرا، خلافا لجمع، أو قنا (إخدام حرة) بواحدة لا أكثر لانه من المعاشرة بالمعروف، بخلاف الامة وإن كان جميلة (تخدم) أي يخدم مثلها عادة عند أهلها، فلا عبرة بترفهها في بيت زوجها، وإنما يجب عليه الاخدام ولو بحرة صحبتها أو مستأجرة أو بمحرم أو مملوك لها ولو عبدا أو


[ 86 ]

بصبي غير مراهق، فالواجب للخادم الذي عينه الزوج مد وثلث على موسر، ومد على معسر ومتوسط مع كسوة أمثال الخادم من قيمص وإزار ومقنعة، ويراد للخادمة خف وملحفة إذا كانت تخرج وإن كانت قنة اعتادت كشف الرأس، وإنما لم يجب الخف والملحفة للمخدومة، على المعتمد، لان له منعها من الخروج والاحتياج إليه لنحو الحمام نادر. تنبيه: ليس على خادمها إلا ما يخصها وتحتاج إليه. كحمل الماء للمستحم والشرب وصبه على بدنها


[ 87 ]

وغسل خرق الحيض والطبخ لاكلها أما ما لا يخصها كالطبخ لاكله وغسل ثيابه فلا يجب على واحد منهما بل هو على الزوج، فيوفيه بنفسه أو بغيره. مهمات: من شرح المنهاج لشيخنا: لو اشترى حليا أو ديباجا لزوجته وزينها به لا يصير ملكا لها بذلك، ولو اختلفت هي والزوج في الاهداء والعارية صدق ومثله وارثه، ولو جهز بنته بجهاز لم تملكه إلا بإيجاب وقبول والقول قوله في أنه لم يملكها. ويؤخذ مما تقرر أن ما يعطيه الزوج صلحة أو صباحية، كما اعتيد ببعض البلاد، لا تملكه إلا بلفظ أو قصد إهداء، خلافا لما مر عن فتاوى الحناطي وإفتاء غير واحد بأنه لو أعطاها مصروفا


[ 88 ]

للعرس ودفعا وصباحية فنشزت استرد الجميع غير صحيح، إذ التقييد بالنشوز لا يتأتى في الصباحية لما قررته فيها أنها كالصلحة لانه إن تلفط بإهداء أو قصده ملكته من غير جهة الزوجية، وإلا فهو ملكه وأما مصروف العرس فليس بواجب فإذا صرفته بإذنه ضاع عليه، وأما الدفع، أي المهر، فإن كان قبل الدخول استرده، وإلا فلا لتقرره به فلا يسترد بالنشوز. (وتسقط) المؤن كلها (بنشوز) منها إجماعا: أي بخروج عن طاعة الزوج وإن لم تأثم


[ 89 ]

كصغيرة ومجنونة ومكرهة (ولو ساعة) أو ولو لحظة فتسقط نفقة ذلك اليوهم وكسوة ذلك الفصل ولا توزع على زماني الطاعة والنشوز، ولو جهل سقوطها بالنشوز فأنفق رجع عليها إن كان ممن يخفى عليه ذلك، وإنما لم يرجع من أنفق في نكاح أو شراء فاسد وإن جهل ذلك لانه شرع في عقدهما على أن يضمن المؤن بوضع اليد ولا كذلك ههنا، وكذا من وقع عليه طلاق باطنا ولم يعلم به فأنفق مدة ثم علم فلا يرجع بما أنفقه – على الاوجه –


[ 90 ]

ويحصل النشوز (بمنع) الزوجة الزوو (من تمتع) ولو بنحو لمس أو بموضع عينه (لا) إن منعته عنه (لعذر) ككبر آلته بحيث لا تحتمله ومرض بها يضر معه الوطئ وقرح في فرجها وكنحو حيض، ويثبت كبر آلته بإقراره أو برجلين من رجال الختان ويحتالان لانتشار ذكره بأي حيلة، غير إيلاج ذكره في فرج محرم أو دبر أو بأربع نسوة فإن لم يمكن معرفته إلا بنظرهن إليهما مكشوفي الفرجين حال انتشار عضوه جاز ليشهدن. فرع: لها منع التمتع لقبض الصداق الحال أصالة قبل الوطئ بالغة مختارة. إذ لها الامتناع حينئذ فلا


[ 91 ]

يحصل النشوز ولا تسقط النفقة بذلك، فإن منعت لقبض الصداق المؤجل أو بعد الوطئ طائعة فتسقط فلو منعته لذلك بعد وطئها مكرهة أو صغيرة ولو بتسليم الولي فلا. ولو ادعى وطأها بتمكينها وطلب تسليمها إليه فأنكرته وامتنعت من التسليم صدقت (وخروج من مسكن) أي المحل الذي رضي بإقامتها فيه ولو بيتها أو بيت أبيها ولو لعيادة وإن كان الزوج غائبا بتفصيله الآتي (بلا إذن) منه ولا ظن لرضاه فخروجها بغير رضاه ولو لزيارة صالح أو عيادة غير محرم أو إلى مجلس ذكر عصيان ونشوز، وأخذ الاذرعي وغيره من كلام الامام أن لها اعتماد العرف الدال على رضا أمثاله بمثل الخروج الذي تريده قال شيخنا: وهو محتمل ما لم تعلم منه غيره تقطعه عن أمثاله في ذلك.


[ 92 ]

تنبيه: يجوز لها الخروج في مواضع منها إذا أشرف البيت على الانهدام، وهل يكفي قولها خشيت انهدامه أو لا بد من قرينة تدل عليه عادة ؟ قال شيخنا: كل محتمل، والاقرب الثاني. ومنها إذا خافت على نفسها أو مالها من فاسق أو سارق، ومنها إذا خرجت إلى القاضي لطلب حقها منه، ومنها خروجها لتعلم العلوم العينية أو للاستفتاء حيث لم يغنها الزوج الثقة أو نحو محرمها، فيما استظهره شيخنا، ومنها إذا خرجت لاكتساب نفقة بتجارة، أو سؤال أو كسب إذا أعسر الزوج، ومنها إذا خرجت على غير وجه النشوز في غيبة الزوج عن البلد بلا


[ 93 ]

إذنه لزيارة أو عيادة قريب لا أجنبي أو أجنبية على الاوجه لان الخروج لذلك لا يعد نشوزا عرفا. قال شيخنا: وظاهر أن محل ذلك إن لم يمنعها من الخروج أو يرسل إليها بالمنع (وبسفرها) أي بخروجها وحدها إلى محل يجوز القصر منه للمسافر ولو لزيارة أبويها أو للحج (بلا إذن) منه ولو لغرضه ما لم تضطر كأن جلا جميع أهل البلد وبقي من لا تأمن معه (أو) بإذنه ولكن (لغرضها) أو لغرض أجنبي فتسقط المؤن على الاظهر لعدم التمكين، ولو سافرت بإذنه لغرضهما معا فمقتضى المرجح في الايمان فيما إذا قال لزوجته إن خرجت لغير


[ 94 ]

الحمام فأنت طالق فخرجت لها ولغيرها أنها لا تطلق عدم السقوط هنا لكن نص الام والمختصر يقتضي السقوط (لا) بسفرها (معه) أي الزوج بإذنه ولو في حاجتها ولا بسفرها بإذنه لحاجته ولو مع حاجة غيره فلا تسقط المؤن لانها ممكنة وهو المفوت لحقه في الثانية. وفي الجواهر وغيرها عن الماوردي وغيره لو امتنعت من النقلة معه لم تجب النفقة إلا إن كان يتمتع بها في زمن الامتناع فتجب ويصير تمتعه بها عفوا عن النقلة حينئذ. انتهى. قال شيخنا: وقضيته جريان ذلك في سائر صور النشوز وهو محتمل. وتسقط المؤن أيضا بإغلاقها الباب في وجهه وبدعواها طلاقا بائنا كذبا، وليس من النشوز شتمه وإيذاؤه باللسان، وإن استحقت التأديب.


[ 95 ]

مهمة: لو تزوجت زوجة المفقود غيره قبل الحكم بموته سقطت نفقتها ولا تعود إلا بعلمه عودها إلى طاعته بعد التفريق بينهما. فائدة: يجوز للزوج منعها من الخروج من المنزل ولو لموت أحد أبويها أو شهود جنازته، ومن أن تمكن من دخول غير خادمة واحدة لمنزله ولو أبويها أو ابنها من غيره، لكن يكره منع أبويها حيث لا عذر، فإن كان المسكن ملكها لم يمنع شيئا من ذلك إلا عند الريبة.


[ 96 ]

تتمة: لو نشزت بالخروج من المنزل فغاب وأطاعت في غيبته بنحو عودها للمنزل لم تجب مؤنها ما دام غائبا في الاصح لخروجها عن قبضته فلا بد من تجديد تسليم وتسلم ولا يحصلان مع الغيبة، فالطريق في عود الاستحقاق أن يكتب الحاكم إلى قاضي بلده ليثبت عودها للطاعة عنده. فإذا علم وعاد أو أرسل من يتسلمها له أو ترك ذلك لغير عذر عاد الاستحقاق، وقضية قول الشافعي في القديم أن النفقة تعود عند عودها للطاعة لان الموجب في القديم العقد لا التمكين. وبه قال مالك. وصرحوا أن نشوزها بالردة يزول بإسلامها مطلقا لزوال


[ 97 ]

المسقط، وأخذ منه الاذرعي أنها لو نشزت في المنزل ولم تخرج منه كأن منعته نفسها فغاب عنها ثم عادت للطاعة عادت نفقتها من غير قاض وهو كذلك على الاصح، ولو التمست زوجة غائب من القاضي أن يفرض لها فرضا عليه اشترط ثبوت النكاح وإقامتها في مسكنه وحلفها على استحقاق النفقة وأنها لم تقبض منه نفقة مدة مستقبلة فحينئذ يفرض لها عليه نفقة المعسر إلا إن ثبت يساره.


[ 98 ]

فرع في فسخ النكاح: وشرع دفعا لضرر المرأة يجوز (لزوجة مكلفة) أي بالغة عاقلة لا لولي غير مكلفة (فسخ نكاح من) أي زوح (أعسر) مالا وكسبا لائقا به حلالا (بأقل نفقة) تجب وهو مد (أو) أقل (كسوة) تجب كقميص وخمار وجبة شتاء، بخلاف نحو سراويل ونعل وفرش ومخدة والاواني لعدم بقاء النفس بدونهما فلا


[ 99 ]

فسخ بالاعسار بالادم وإن لم يسغ القوت ولا بنفقة الخادم ولا بالعجز عن النفقة الماضية كنفقة الامس وما قبله لتنزيلها منزلة دين آخر (أو) أعسر (بمسكن) وإن لم يعتادوه (أو) أعسر (بمهر) واجب حال لم تقبض منه شيئا حال كون الاعسار به (قبل وطئ) طائعة فلها الفسخ للعجز عن تسليم العوض مع بقاء المعوض بحاله وخيارها


[ 100 ]

حينئذ عقب الرفع إلى القاضي فوري فيسقط الفسخ بتأخيره بلا عذر كجهل ولا فسخ بعد الوطئ لتلف المعوض به وصيرورة العوض دينا في الذمة، فلو وطئها مكرهة فلها الفسخ بعده أيضا. قال بعضهم: إلا إن سلمها الولي له وهي صغيرة بغير مصلحة فتحبس نفسها بمجرد بلوغها فلها الفسخ حينئذ إن عجز عنه ولو بعد الوطئ لان وجوده هنا كعدمه. أما إذا قبضت بعضه فلا فسخ لها على ما أفتى به ابن الصلاح واعتمده الاسنوي والزركشي وشيخنا، وقال البارزي كالجوهري لها الفسخ أيضا واعتمده الاذرعي. تنبيه: يتحقق العجز عما مر بغيبة ماله لمسافة القصر، فلا يلزمها الصبر إلا إن قال أحضر مدة الامهال أو


[ 101 ]

بتأجيل دينه بقدر مدة إحضار ماله الغائب بمسافة القصر أو بحلوله مع إعسار المدين ولو الزوجة لانها في حالة الاعسار لا تصل لحقها والعسر منظر وبعدم وجدان المكتسب من يستعمله إن غلب ذلك أو بعروض ما يمنعه عن الكسب. فائدة: إذا كان للمرأة على زوجها الغائب دين حال من صداق أو غيره وكان عندها بعض ماله وديعة فهل لها أن تستقل بأخذه لدينها بلا رفع إلى القاضي ثم تفسخ به أو لا ؟ فأجاب بعض أصحابنا ليس للمرأة المذكورة الاستقلال بأخذ حقها بل ترفع الامر إلى القاضي لان النظر في مال الغائبين للقاضي. نعم. إن علمت أنه لا يأذن لها إلا بشئ يأخذه منها جاز لها الاستقلال بالاخذ وإذا فرغ المال وأرادت الفسخ بإعسار الغائب، فإن لم يعلم


[ 102 ]

المال أحد ادعت إعساره وأنه لا مال له حاضر ولا ترك نفقة وأثبتت الاعسار وحلفت على الاخيرين ناوية بعدم ترك النفقة عدم وجودها الآن وفسخت بشروطه وإن علم المال فلا بد من بينة بفراغه أيضا. انتهى. (فلا فسخ) على المعتمد (بامتناع غيره) موسرا أو متوسطا من الانفاق حضر أو غاب (إن لم ينقطع خبره) فإن انقطع خبره ولا مال له حاضر جاز لها الفسخ لان تعذر واجبها بانقطاع خبره كتعذر ربالاعسار، كما جزم به الشيخ زكريا، وخالفه


[ 103 ]

تلميذه شيخنا. واختار جمع كثيرون من محققي المتأخرين في غائب تعذر تحصيل النفقة منه الفسخ، وقواه ابن الصلاح، وقال في فتاويه: إذا تعذرت النفقة لعدم مال حاضر مع عدم إمكان أخذها منه حيث هو بكتاب حكمي وغيره لكونه لم يعرف موضعه أو عرف ولكن تعذرت مطالبته عرف حاله في اليسار والاعسار أو لم يعرف فلها الفسخ بالحاكم والافتاء بالفسخ هو الصحيح. انتهى ونقل شيخنا كلامه في الشرح الكبير، وقال في آخره وأفتى بما قاله جمع من متأخري اليمن. وقال العلامة المحقق الطنبداوي في فتاويه، والذي نختاره، تبعا للائمة المحققين، أنه إذا لم يكن له مال، كما سبق، لها الفسخ وإن كان ظاهر المذهب خلافه لقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * ولقوله (ص): بعثت بالحنيفية السمحة ولان مدار الفسخ على الاضرار ولا شك أن الضرر موجود فيها إذا لم يمكن الوصول إلى النفقة منه وإن كان موسرا. إذ سر الفسخ هو تضرر المرأة وهو موجود، لاسيما مع إعسارها فيكون تعذر وصولها إلى النفقة حكمه حكم الاعسار. انتهى. وقال تلميذه شيخنا خاتمة المحققين ابن زياد في فتاويه: وبالجملة فالمذهب الذي جرى عليه الرافعي والنووي عدم جواز الفسخ،


[ 104 ]

كما سبق، والمختار الجواز، وجزم في فتيا له أخرى بالجواز و (لا) فسخ بإعسار بنفقة ونحوها أو بمهر (قبل ثبوت إعساره) أي الزوج بإقرارة أو بينة تذكر إعساره الآن، ولا تكفي بينة ذكرت أنه غاب معسرا. ويجوز للبينة اعتماد في الشهادة على استصحاب حالته التي غاب عليها من إعسار أو يسار، ولا تسئل من أين لك أنه معسر الآن، فلو صرح بمستنده بطلت الشهادة (عند قاض) أو محكم فلا بد من الرفع إليه فلا ينفذ ظاهرا ولا باطنا قبل ذلك ولا يحسب عدتها إلا من الفسخ. قال شيخنا: فإن فقد قاض ومحكم بمحلها أو عجزت عن الرفع إلى القاضي. كأن قال لا أفسخ حتى تعطيني مالا استقلت بالفسخ للضرورة وينفذ ظاهرا وكذا باطنا، كما هو ظاهر، خلافا


[ 105 ]

لمن قيد بالاول لان الفسخ مبني على أصل صحيح وهو مستلزم للنفوذ باطنا ثم رأيت غير واحد جزموا بذلك. انتهى. وفي فتاوي شيخنا ابن زياد: لو عجزت المرأة عن بينة الاعسار جاز لها الاستقلال بالفسخ. انتهى. وقال الشيخ عطية المكي في فتاويه: إذا تعذر القاضي أو تعذر الاثبات عنده لفقد الشهود أو غيبتهم فلها أن تشهد بالفسخ، وتفسخ بنفسها – كما قالوا – في المرتهن إذا غاب الراهن وتعذر إثبات الرهن عند القاضي أن له بيع الرهن دون مراجعة قاض، بل هذا أهم. وأهم وقوعا. اه‍. (ف‍) – إذا توفرت شروط الفسخ من ملازمتها المسكن الذي غاب عنها وهي فيه وعدم صدور نشوز منها وحلفت عليهما وعلى أن لا مال له حاضر ولا ترك نفقة


[ 106 ]

وأثبتت الاعسار بنحو النفقة على المعتمد أو تعذر تحصيلها على المختار (يمهل) القاضي أو المحكم وجوبا (ثلاثة) من الايام وإن لم يستمهله الزوج ولم يرج حصول شئ في المستقبل ليتحقق إعساره في فسخ لغير إعساره بمهر فإنه على الفور، وأفتى شيخنا أنه لا إمهال في فسخ نكاح الغائب، (ثم) بعد إمهال الثلاث بلياليها (يفسخ هو) أي القاضي أو المحكم أثناء الرابع، لخبر الدارقطني والبيهقي في الرجل لا يجد شيئا ينفق على امرأته يفرق بينهما وقضى به عمر وعلي وأبو هريرة رضي الله عنهم. قال الشافعي رضي الله عنه: ولا أعلم أحدا من الصحابة خالفهم. ولو فسخت بالحاكم على غائب فعاد وادعى أن له مالا بالبلد لم يبطل، كما أفتى به


[ 107 ]

الغزالي، إلا إن ثبت أنها تعلمه ويسهل عليها أخذ النفقة منه بخلاف نحو عقار وعرض لا يتيسر بيعه فإنه كالعدم (أو) تفسخ (هي بإذنه) أي القاضي بلفظ فسخت النكاح فلو سلم نفقة الرابع فلا تفسخ بما مضى لانه صار دينا. ولو أعسر بعد أن سلم نفقة الرابع بنفقة الخامس بنت على المدة ولم تستأنفها. وظاهر قولهم أنهم لو أعسر بنفقة السادس استأنفتها وهو محتمل، ويحتمل أنه إن تخللت ثلاثة وجب الاستئناف، أو أقل فلا كما قاله شيخنا ولو تبرع رجل بنفقتها لم يلزمها القبول بل لها الفسخ. فرع: لهافي مدة الامهال والرضا بإعساره الخروج نهارا قهرا عليه لسؤال نفقة أو اكتسابها وإن كان لها


[ 108 ]

مال وأمكن كسبها في بيتها وليس له منعها لان حبسه لها إنما هو في مقابلة إنفاقه عليها، وعليها رجوع إلى مسكنها ليلا لانه وقت الايواء دون العمل، ولها منعه من التمتع بها نهارا وكذلك ليلا لكن تسقط نفقتها عن ذمته مدة المنع في الليل. قال شيخنا: وقياسه أنه لا نفقة لها زمن خروجها للكسب اه‍. فرع: لا فسخ في غير مهر لسيد أمة وليس له منعها من الفسخ بغيره ولا الفسخ به عند رضاها بإعساره أو


[ 109 ]

عدم تكليفها لان النفقة في الاصل لها بل له إلجاؤها إليه بأن لا ينفق عليها ويقول لها إفسخي أو جوعي دفعا للضرر عنه، ولو زوج أمته بعبده واستخدمه فلا فسخ لها ولا له إذ مؤنتها عليه، ولو أعسر سيد المستولدة عن نفقتها قال أبو زيد: أجبر على عتقها أو تزويجها. فائدة: لو فقد الزوج قبل التمكين فظاهر كلامهم أنه لا فسخ ومذهب مالك رحمه الله تعالى لا فرق بين


[ 110 ]

الممكنة وغيرها إذا تعذرت النفقة وضربت المدة وهي عنده شهر للتفحص عنه ثم يجوز الفسخ. تتمة: يجب على موسر ذكر أو أنثى ولو بكسب يليق به بما فضل عن قوته وقوت ممونة يومه وليلته وإن لم يفضل عن دينه كفاية نفقة وكسوة مع أدم ودواء لاصل وإن علا ذكر أو أنثى وفرع وإن نزل. كذلك إذا لم يملكاها


[ 111 ]

وإن اختلفا دينا لا إن كان أحدهما حربيا أو مرتدا. قال شيخنا في شرح الارشاد: ولا إن كان زانيا محصنا أو تاركا للصلاة، خلافا لما قاله في شرح المنهاج، ولا إن بلغ فرع وترك كسبا لائقا ولا أثر لقدرة أم أو بنت على النكاح


[ 112 ]

لكن تسقط نفقتها بالعقد، وفيه نظر، لان نفقتها على الزوج إنما تجب بالتمكين، كما مر، وإن كان الزوج معسرا ما لم تفسخ ولا تصير مؤن القريب بفوتها دينا عليه إلا باقتراض قاض لغيبة منفق أو منع صدر منه لا بإذن منه ولو منع الزوج أو القريب الانفاق أخذها المستحق ولو بغير إذن قاض. فرع: من له أب وأم فنفقته على أب، وقيل هي عليهما لبالغ، ومن له أصل وفرع فعلى الفرع وإن نزل، أو


[ 113 ]

له محتاجون من أصول وفروع ولم يقدر على كفايتهم قدم نفسه ثم زوجته وإن تعددت، ثم الاقرب فالاقرب. نعم، لو كان له أب وأم وابن قدم الابن الصغير ثم الام ثم الاب ثم الولد الكبير. ويجب على أم إرضاع ولدها اللبأ وهو اللبن أول الولادة ومدته يسيرة، وقيل يقدر بثلاثة أيام وقيل سبعة. ثم بعده إن لم توجد إلا هي أو أجنبية وجب إرضاعه على من وجدت ولها طلب الاجرة ممن تلزمه مؤنته، وإن وجدتا لم تجبر الام خلية كانت أو في نكاح أبيه، فإن رغبت في إرضاعه فليس لابيه منعها إلا إن طلبت فوق أجرة المثل، وعلى أب أجرة مثل لام


[ 114 ]

لارضاع ولدها حيث لا متبرع بالرضاع، وكمتبرع راض بما رضيت.


[ 115 ]

فصل الحضانة والاولى بالحضانة وهي تربية من لا يستقل إلى التمييز أم لم تتزوج بآخر، فأمهاتها وإن علت، فأب فأمهاته


[ 116 ]

فأخت فخالة فبنت أخت فبنت أخ فعمة والمميز إن افترق أبواه من النكاح كان عند من اختاره منهما ولاب اختير


[ 117 ]

منع الانثى لا الذكر زيارة الام ولا تمنع الام عن زيارتها على العادة والام أولى بتمريضهما عند الاب إن رضي وإلا فعندها وإن اختارها ذكر فعندها ليلا وعنده نهارا أو اختارتها أنثى فعندها أبدا ويزورها الاب على العادة ولا


[ 118 ]

يطلب إحضارها عنده ثم إن لم يختر واحدا منهما فالام أولى وليس لاحدهما فطمه قبل حولين من غير رضا الآخر ولهما فطمه قبلهما إن لم يضره، ولاحدهما بعد حولين ولهما الزيادة في الرضاع على الحولين حيث لا ضرر، لكن أفتى الحناطي بأنه يسن عدمها إلا لحاجة ويجب على مال كفاية رقيقة إلا مكاتبا ولو أعمى أو زمنا ولو غنيا أو


[ 119 ]

أكولا نفقة وكسوة من جنس المعتاد لمثله من أرقاء البلد ولا يكفي ساتر العورة وإن لم يتأذ به، نعم، إن اعتيد ولو ببلاد العرب على الاوجه، كفى: إذ لا تحقير حينئذ، وعلى السيد ثمن دوائه وأجرة الطبيب عند الحاجة، وكسب الرقيق لسيده ينفقه منه إن شاء، ويسقط ذلك بمضي الزمان كنفقة القريب. ويسن أن يناوله مما يتنعم به من طعام وأدم وكسوة، والافضل إجلاسه معه للاكل، ولا يجوز أن يكلفه كالدواب على الدوام عملا لا يطيقه وإن رضي.


[ 120 ]

إذ يحرم عليه إضرار نفسه فإن أبى السيد إلا ذلك بيع عليه: أي إن تعين البيع طريقا، وإلا أوجر عليه. أما في بعض الاوقات فيجوز أن يكلفه عملا شاقا ويتبع العادة في إراحته وقت القيلولة والاستمتاع وله منعه من نفل صوم وصلاة، وعلى مالك علف دابته المحترمة، ولو كلبا محترما، وسقيها إن لم تألف الرعي ويكفها وإلا كفى


[ 121 ]

إرسالها للرعي والشرب حيث لا مانع، فإن لم يكفها الرعي لزمه التكميل، فإن امتنع من علفها أو إرسالها أجبر على إزالة ملكه أو ذبح المأكولة، فإن أبى فعل الحاكم الاصلح من ذلك ورقيق كدابة في ذلك كله، ولا يجب علف غير المحترمة، وهي الفواسق الخمس، ويحلب مالك الدواب ما لا يضر بها ولا بولدها، وحرم ما ضر أحدهما، ولو لقلة العلف، والظاهر ضبط الضرر بما يمنع من نمو أمثالهما، وضبطه فيه بما يحفظه عن الموت


[ 122 ]

توقف فيه الرافعي، فالواجب الترك له قدر ما يقيمه حتى لا يموت، ويسن أن لا يبالغ الحالب في الحلب بل يبقى في الضرع شيئا، وأن يقص أظفار يديه، ويجوز الحلب إن مات الولد بأي حيلة كانت. ويحرم التهريش بين البهائم ولا يجب عمارة داره أو قناته، بل يكره تركه إلى أن تخرب بغير عذر كترك سقي زرع وشجر دون ترك


[ 123 ]

زارعة الارض وغرسها ولا يكره عمارة لحاجة وإن طالت، والاخبار الدالة على منع ما زاد على سبعة أذرع محمولة على من فعل ذلك للخيلاء والتفاخر على الناس. والله سبحانه وتعالى أعلم.


[ 124 ]

باب الجناية من قتل وقطع وغيرهما. والقتل ظلما أكبر الكبائر بعد الكفر وبالقود أو العفو لا تبقى مطالبة أخروية.


[ 125 ]

والفعل المزهق ثلاثة: عمد، وشبه عمد، وخطأ (لا قصاص إلا في عمد) بخلاف شبهه والخطأ (وهو قصد فعل) ظلما (و) عين (شخص) يعني الانسان: إذ لو قصد شخصا ظنه ظبيا فبان إنسانا كان خطأ (بما يقتل) غالبا جارحا


[ 126 ]

كان كغرز إبرة بمقتل كدماغ وعين وخاصرة وإحليل ومثانة وعجان وهو ما بين الخصية والدبر أو لا: كتجويع وسحر (وقصدهما) أي الفعل والشخص (بغيره) أي غير ما يقتل غالبا (شبه عمد) سواء أقتل كثيرا أم نادرا كضربة يمكن عادة إحالة الهلاك عليها، بخلافها بنحو قلم أو مع خفتها جدا فهدر ولو غرز إبرة بغير مقتل، كألية وفخذ،


[ 127 ]

وتألم حتى مات فعمد وإن لم يظهر أثر ومات حالا فشبه عمد ولو حبسه كأن أغلق بابا عليه ومنعه الطعام والشراب أو أحدهما والطلب لذلك حتى مات جوعا أو عطشا، فإن مضت مدة يموت مثله فيها غالبا جوعا أو عطشا فعمد لظهور قصد الاهلاك به. ويختلف ذلك باختلاف حال المحبوس والزمن قوة وحرا، وحد الاطباء الجوع المهلك غالبا باثنين وسبعين ساعة متصلة، فإم لم تمض المدة المذكورة ومات بالجوع: فإن لم يكن به جوع أو عطش سابق فشبه عمد فيجب نصف ديته لحصول الهلاك بالامرين، ومال ابن العماد فيمن أشار لانسان بسكين تخويفا


[ 128 ]

له فسقطت عليه من غير قصد إلى أنه عمد موجب للقود. قال شيخنا: وفيه نظر، لانه لم يقصد عينه بالآلة فالوجه أنه غير عمد. انتهى. تنبيه: يجب قصاص بسبب كمباشرة فيجب على مكره بغير حق بأن قال اقتل هذا وإلا لاقتلنك فقتله، وعلى مكره أيضا، وعلى من ضيف بمسموم يقتل غالبا غير مميز، فإن ضيف به مميزا أو دسه في طعامه الغالب


[ 129 ]

أكله منه فأكله جاهلا فشبه عمد فيلزمه ديته ولا قود لتناوله الطعام باختياره وفي قول قصاص لتغريره وفي قول لا شئ‌تغليبا للمباشرة، وعلى من ألقى في ماء مغرق لا يمكنه التخلص منه بعوم أو غيره وإن التقمه حوت ولو قبل وصوله الماء، فإن أمكنه تخلص بعوم أو غيره ومنعه منه عارض كموج وريح فهلك فشبه عمد ففيه ديته، وإن أمكنه فتركه خوفا أو عنادا فلا دية.


[ 130 ]

فرع: لو أمسكه شخص ولو للقتل فقتله آخر فالقصاص على القاتل دون الممسك، ولا قصاص على من أكره على صعود شجرة فزلق ومات، بل هو شبه عمد إن كانت مما يزلق على مثلها غالبا وإلا فخطأ (وعدم قصد أحدهما) بأن لم يقصد الفعل كأن زلق فوقع على غيره فقتله أو قصده فقط، كأن رمى لهدف فأصاب إنسانا ومات (فخطأ. ولو وجد) بشخص (من شخصين معا) أي حال كونهما مقترنين في زمن الجناية بأن تقارنا في الاصابة (فعلان مزهقان) للروح (مذففان) أي مسرعان للقتل (كحز) للرقبة (وقد) للجثة (أو لا) أي غير مذففين (كقطع


[ 131 ]

عضوين) أي جرحين أو جرح من واحد وعشرة مثلا من آخر فمات منهما (فقاتلان) فيقتلان: إذ رب جرح له نكاية باطنا أكثر من جروح، فإن ذفف أي أسرع للقتل أحدهما فقط فهو القاتل فلا يقتل الآخر، وإن شككنا في تذفيف جرحه، لان الاصل عدمه، والقود لا يجب بالشك (أو) وجدا به منهما (مرتبا ف‍) – القاتل (الاول إن أنهاه إلى حركة مذبوح) بأن لم يبق فيه إدراك وإبصار ونطق وحركة اختياريات ويعزر الثاني وإن جنى الثاني قبل إنهاء الاول إليها وذفف كحز به بعد جرح فالقاتل الثاني، وعلى الاول قصاص العضو أو مال بحسب الحال وإن لم


[ 132 ]

يذفف الثاني أيضا ومات المجني بالجنايتين كأن قطع واحد من الكوع والآخر من المرفق فقاتلان لوجود السراية منهما. فرع: لو اندملت الجراحة واستمرت الحمى حتى مات فإن قال عدلا طب إنها من الجرح فالقود، وإلا فلا ضمان (وشرط) أي للقصاص في النفس في القتل كونه عمدا ظلما فلا قود في الخطأ وشبه العمد وغير الظلم و (في قتيل عصمة) بإيمان أو أمان يحقن دمه بعقد ذمة أو عهد فيهدر الحربي والمرتد وزان محصن قتله مسلم


[ 133 ]

ليس زانيا محصنا سواء أثبت زناه ببينة أم بإقرار لم يرجع عنه. وخرج بقولي ليس زانيا محصنا الزاني المحصن فيقتل به ما لم يأمره الامام بقتله. قال شيخنا: ويظهر أن يلحق بالزاني المحصن في ذلك كل مهدر كتارك صلاة وقاطع طريق متحتم قتله. (والحاصل) أن المهدر معصوم على مثله في الاهدار وإن اختلفا في سببه ويد السارق مهدرة إلا على مثله سواء المسروق منه وغيره، ومن عليه قصاص كغيره في العصمة في حق غير المستحق. فيقتل قاتله ولا قصاص على حربي وإن عصم بعد لعدم التزامه ولما تواتر عنه (ص) عن أصحابه من عدم الاقادة ممن أسلم كوحشي قاتل حمزة رضي الله عنهما، بخلاف الذمي فعليه القود وإن أسلم (و) شرط في قاتل تكليف فلا يقتل صبي ومجنون


[ 134 ]

حال القتل والمذهب وجوبه على السكران المتعدي بتناول مسكر فلا قود على غير متعد به، ولو قال كنت وقت القتل صبيا وأمكن صباه فيه أو مجنونا وعهد جنونه فيصدق بيمينه (ومكافأة) أي مساواة حال جناية بأن لا يفضل قتيله حال الجناية (بإسلام أو حرية أو أصالة) أو سيادة فلا يقتل مسلم ولو مهدرا بنحو زنا بكافر ولا حر بمن فيه


[ 135 ]

رق وإن قل ولا أصل بفرعه وإن سفل، ويقتل الفرع بأصله، (ويقتل جمع بواحد) كأن جرحوه جراحات لها دخل في الزهوق وإن فحش بعضها أو تفاوتوا في عددها وإن لم يتواطأوا أو كأن ألقوه من عال أو في بحر لما روى الشافعي رضي الله عنه وغيره أن عمر رضي الله عنه قتل خمسة أو سبعة قتلوا رجلا غيلة أي خديعة بموضع خال وقال ولو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلهم به جميعا، ولم ينكر عليه فصار إجماعا. وللولي العفو عن بعضهم على


[ 136 ]

حصته من الدية باعتبار عدد الرؤوس دون الجراحات ومن قتل جمعا مرتبا قتل بأولهم. فرع: لو تصارعا مثلا ضمن بقود أو دية كل منهما ما تولد في الآخر من الصراعة لان كلا لم يأذن فيما يوءدي إلى نحو قتل أو تلف عضو، قال شيخنا: ويظهر أنه لا أثر لاعتياد أن لا مطالبة في ذلك بل لا بد في انتفائها من صريح الاذن. تنبيه: يجب قصاص في أعضاء حيث أمكن من غيره ظلم كيد ورجل وأصابع وأنامل وذكر وأنثيين وأذن


[ 137 ]

وسن ولسان وشفة وعين وجفن ومارن أنف – وهو ما لان منه – ويشترط لقصاص الطرف والجرح ما شرط للنفس، ولا يؤخذ يمين بيسار وأعلى بأسفل وعكسه، ولا قصاص في كسر عظم، ولو قطعت يد من وسط ذراع اقتص في الكف، وفي الباقي حكومة، ويقطع جمع بيد تحاملوا عليها دفعة واحدة بمحدد فأبانوها، ومن قتل بمحدد أو خنق أو تجويع أو تغريق بماء اقتص إن شاء بمثله، أو بسحر فبسيف (موجب العمد قود) أي قصاص،


[ 138 ]

سمي ذلك قودا لانهم يقودون الجاني بحبل وغيره. قاله الازهري. (والدية) عند سقوطه بعفو عنه عليه أو بغير عفو (بدل) عنه. فلو عفا المستحق عنه مجانا أو مطلقا فلا شئ (وهي) أي الدية لقتل حر مسلم ذكر معصوم


[ 139 ]

(مائة بعير مثلثة في عمد وشبهه) أي ثلاثة أقسام، فلا نظر لتفاوتها عددا (ثلاثون حقه وثلاثون جذعة وأربعون خلفة) أي حاملا بقول خبيرين (ومخمسة في خطأ من بنات مخاض و) بنات (لبون وبني لبون وحقاق وجذاع) من كل منها عشرون، لخبر الترمذي وغيره، (إلا) إن وقع الخطأ (في) حرم (مكة أو) في (أشهر حرم) ذي القعدة


[ 140 ]

وذي الحجة والمحرم ورجب (أو محرم رحم) بالاضافة كأم وأخت (فمثلثة) كما فعله جمع من الصحابة رضي الله عنهم وأقرهم الباقون ولعظم حرمة الثلاثة زجر عنها بالتغليظ من هذا الوجه ولا يلحق بها حرم المدينة ولا الاحرام ولا رمضان ولا أثر لمحرم رضاع ومصاهرة. وخرج بالخطأ ضداه فلا يزيد واجبهما بهذه الثلاثة اكتفاء بما فيهما من التغليظ وأما دية الانثى والخنثى فنصف دية الذكر (ودية عمد على جان معجلة) كسائر أبدال


[ 141 ]

المتلفات (و) دية (غيره) من شبه عمد وخطأ وإن تثلثت (على عاقلة) للجاني (مؤجلة بثلاث سنين) على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربع كل سنة، فإن لم يفوا فمن بيت المال فإن تعذر فعلى الجاني لخبر الصحيحين، والمعنى في كون الدية على العاقلة فيهما أن القبائل في الجاهلية كانوا يقومون بنصرة الجاني منهم ويمنعون أولياء الدم أخذ حقهم، فأبدل الشرع تلك النصرة ببذل المال وخص تحملهم بالخطأ وشبه العمد لانهما مما يكثر لاسيما في متعاطي الاسلحة فحسنت إعانته لئلا يتضرر بما هو معذور فيه وأجلت الدية عليهم رفقا بهم. وعاقلة الجاني عصباته المجمع على إرثهم بنسب أو ولاء إذا كانوا ذكورا مكلفين غير أصل وفرع، ويقدم منهم


[ 142 ]

الاقرب فالاقرب، ولا يعقل فقير، ولو كسوبا، وامرأة خنثى وغير مكلف (ولو عدمت إبل) في المحل الذي يجب تحصيلها منه حسا أو شرعا بأن وجدت فيه بأكثر من ثمن المثل أو بعدت وعظمت المونة والمشقة (ف‍) – الواجب (قيمتها) وقت وجوب التسليم من غالب نقد البلد وفي القديم الواجب عند عدمها في النفس الكاملة ألف مثقال ذهبا أو اثنا عشر ألف درهم فضة. نبيه: وكل عضو مفرد فيه جمال ومنفعة إذا قطعه وجبت فيه دية كاملة مثل دية صاحب العضو إذا قتله،


[ 143 ]

وكذا كل عضوين من جنس إذا قطعهما ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها، ففي قطع الاذنين الدية، وفي إحداهما النصف، ومثلهما العينان والشفتان والكفان بأصبعهما والقدمان بأصبعهما، وفي كل إصبع عشر من الابل، وفي كل سن خمس (و) يثبت (القود للورثة) العصبة وذي الفروض بحسب إرثهم المال ولو مع بعد


[ 144 ]

القرابة كذي رحم إن ورثناه أو مع عدمها كأحد الزوحين والمعتق وعصبته. تنبيه: يحبس الجاني إلى كمال الصبي من الورثة بالبلوغ وحضور الغائب أو إذنه، فلا يخلي بكفيل لانه


[ 145 ]

قد يهرب فيقوت الحق والكلام في غير قاطع الطريق، أما هو إذا تحتم قتله فيقتله الامام مطلقا ولا يستوفي القود إلا واحد من الورثة أو من غيرهم بتراض منهم أو من باقيهم، أو بقرعة بينهم إذا لم يتراضوا. ولو بادر أحد المستحقين فقتله عالما تحريم المبادرة فلا قصاص عليه إن كان قبل عفو منه أو من غيره، وإلا فعليه القصاص، ولو قتله أجنبي أخذ الورثة الدية من تركة الجاني لا من الاجنبي ولا يستوفي المستحق القود في نفس أو غيرها إلا بإذن الامام أو نائبه فإن استقل به عزر.


[ 146 ]

تتمة: يجب عند هيجان البحر وخوف الغرق إلقاء غير الحيوان من المتاع لسلامة حيوان محترم وإلقاء الدواب لسلامة الآدمي المحترم إن تعين لدفع الغرق وإن لم يأذن المالك. أما المهدر، كحربي وزان محصن، فلا يلقى لاجله مال مطلقا، بل ينبغي أن يلقى هو لاجل المال، كما قاله شيخنا، ويحرم إلقاء العبيد للاحرار والدواب لما لا روح له، ويضمن ما ألقاه بلا إذن مالكه، ولو قال لرجل ألق متاع زيد وعلي ضمانه إن طالبك ففعل ضمنه الملقى – لا الآمر -.


[ 147 ]

فرع: أفتى أبو إسحاق المروزي بحل سقى أمته دواء ليسقط ولدها ما دام علقة أو مضغة، وبالغ الحنفية فقالوا يجوز مطلقا. وكلام الاحياء يد على التحريم مطلقا قال شيخنا وهو الاوجه. خاتمة: تجب الكفارة على من قتل من يحرم قتله خطأ كان أو عمدا وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.


[ 149 ]

باب في الردة (الردة) لغة الرجوع، وهي أفحش أنواع الكفار ويحبط بها العمل إن اتصلت بالموت فلا يجب إعادة


[ 150 ]

عباداته التي قبل الردة. وقال أبو حنيفة تجب، وشرعا: (قطع مكلف) مختار، فتلغو من صبي ومجنون ومكره عليها إذا كان قلبه مؤمنا (إسلاما بكفر عزما) حالا أو مآلا فيكفر به حالا (أو قولا أو فعلا باعتقاد) لذلك الفعل أو القول أي معه (أو) مع (عناد) من القائل أو الفاعل (أو) مع (استهزاء) أي استخفاف، بخلاف ما لو اقترن به ما


[ 151 ]

يخرجه عن الردة كسبق لسان أو حكاية كفر أو خوف قال شيخنا كشيخه وكذا قول الولي حال غيبته أنا الله ونحوه مما وقع لائمة من العارفين كابن عربي وأتباعه بحق وما وقع في عبارتهم مما يوهم كفرا غير مراد به ظاهره كما لا يخفى على الموفقين. نعم، يحرم على من لم يعرف حقيقة اصطلاحهم وطريقتهم مطالعة كتبهم فإنها مزلة قدم


[ 152 ]

له، ومن ثم ضل كثيرون اغتروا بظواهرها. وقول ابن عبد السلام: يعزر ولي قال أنا الله ؟ فيه نظر، لانه إن قاله وهو مكلف فهو كافر لا محالة، وإن قاله حال الغيبة المانعة للتكليف فأي وجه للتعزير. اه‍. وذلك (كنفي صانع و) نفي (نبي) أو تكذيبه (وجحد مجمع عليه) معلوم من الدين بالضرورة من غير تأويل وإن لم يكن فيه نص


[ 153 ]

كوجوب نحو الصلاة المكتوبة وتحليل نحو البيع والنكاح وتحريم شرب الخمر واللواط والزنا والمكس وندب الرواتب والعيد بخلاف مجمع عليه لا يعرفه إلا الخواص ولو كان فيه نص كاستحقاق بنت الابن السدس مع البنت وكحرمة نكاح المعتدة للغير، كما قاله النووي وغيره، وبخلاف المعذور كمن قرب عهده بالاسلام (وسجود لمخلوق) اختيارا من غير خوف ولو نبيا وإن أنكر الاستحقاق أو لم يطابق قلبه جوارحه لان ظاهر حاله يكذبه وفي الروضة عن التهذيب من دخل دار الحرب فسجد لصنم أو تلفظ بكفر ثم ادعى إكراها فإن فعله في خلوته لم يقبل أو بين أيديهم وهو أسير قبل قوله أو تاجر فلا وخرج بالسجود الركوع لان صورته تقع في العادة


[ 154 ]

للمخلوق كثيرا، بخلاف السجود. قال شيخنا: نعم يظهر أن محل الفرق بينهما عند الاطلاق، بخلاف ما لو قصد تعظيم مخلوق بالركوع كما يعظم الله تعالى به فإنه لا شك في الكفر حينئذ. اه‍. وكمشي إلى الكنائس بزيهم من زنار وغيره وكإلقاء ما فيه قرآن في مستقذر، قال الروياني أو علم شرعي، ومثله بالاولى ما فيه اسم معظم (وتردد في كفر) أيفعله أو لا، وكتكفير مسلم لذنبه بلا تأويل لانه سمي الاسلام كفرا، وكالرضا بالكفر:


[ 155 ]

كأن قال لمن طلب منه تلقين الاسلام اصبر ساعة فيكفر في الحال في كل ما مر لمنافاته الاسلام، وكذا يكفر من أنكر إعجاز القرآن أو حرفا منه أو صحبة أبي بكر أو قذف عائشة رضي الله عنها، ويكفر في وجه حكاه القاضي من


[ 156 ]

سب الشيخين أو الحسن والحسين رضي الله عنهم، لا من قال لمن أراد تحليفه لا أريد الحلف بالله بل بالطلاق مثلا أو قال رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت. تنبيه: ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظم خطره وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديما وحديثا. (ويستتاب) وجوبا (مرتد) ذكرا كان أو أنثى لانه كان محترما بالاسلام وربما عرضت له شبهة فتزال (ثم) إن لم يتب بعد الاستتابة (قتل) أي قتله الحاكم ولو بنائبه بضرب الرقبة لا بغيره (بلا


[ 157 ]

إمهال) أي تكون الاستتابة والقتل حالا لخبر البخاري: من بدل دينه فاقتلوه، فإذا أسلم صح إسلامه وترك وإن تكررت ردته لاطلاق النصوص. نعم يعزر من تكررت ردته لا في أول مرة إذا تاب، خلافا لما زعمه جهلة القضاة. تتمة: إنما يحصل إسلام كل كافر أصلي أو مرتد بالتلفظ بالشهادتين من الناطق فلا يكفي ما بقلبه من الايمان، وإن قال به الغزالي وجمع محققون ولو بالعجمية، وإن أحسن العربية على المنقول المعتمد، لا بلغة


[ 158 ]

لقنها بلا فهم ثم بالاعتراف برسالته (ص) إلى غير العرب ممن ينكرها فيزيد العيسوي من اليهود محمد رسول الله إلى جميع الخلق أو البراءة من كل دين يخالف دين الاسلام، فيزيد المشرك كفرت بما كنت أشركت به وبرجوعه عن الاعتقاد الذي ارتد بسببه ومن جهل القضاة أن من ادعى عليه عندهم بردة أو جاءهم يطلب الحكم بإسلامه يقولون له تلفظ بما قلت وهذا غلط فاحش، فقد قال الشافعي رضي الله عنه إذا ادعى على رجل أنه ارتد وهو مسلم لم اكشف عن الحال وقلت له قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وأنك برئ من كل دين يخالف دين الاسلام. اه‍. قال شيخنا: ويؤخذ من تكريره رضي الله عنه لفظ أشهد أنه لا بد منه في صحة


[ 159 ]

الاسلام وهو ما يدل عليه كلام الشيخين في الكفارة وغيرها، لكن خالف فيه جمع، وفي الاحاديث ما يدل لكل. اه‍. ويندب أمر كل من أسلم بالايمان بالبعث ويشترط لنفع الاسلام في الآخرة، مع ما مر تصديق القلب بواحدانية الله تعالى. ورسله وكتبه واليوم الآخر، فإن اعتقد هذا ولم يأت بما مر لم يكن مؤمنا وإن أتى به بلا اعتقاد ترتب عليه الحكم الدنيوي ظاهرا.


[ 161 ]

باب الحدود أو أولها حد الزنا، وهو أكبر الكبائر، بعد القتل، وقيل هو مقدم عليه. (يجلد) وجوبا (إمام) أو نائبه دون غيرهما خلافا للقفال (حرا مكلفا زنى) بإيلاج حشفة أو قدرها من فاقدها في فرج آدمي حي قبل أو دبر ذكر أو


[ 162 ]

أنثى مع علم تحريمه، فلا حد بمفاخذة ومساحقة واستمناء بيد نفسه أو غير حليلته، بل يعزر فاعل ذلك. ويكره بنحو يدها كتمكينها من العبث بذكره حتى ينزل لانه في معنى العزل، ولا بإيلاج في فرج بهيمة أو ميت، ولا يجب ذبح البهيمة المأكولة، خلافا لمن وهم فيه، وإنما يجلد من ذكر (مائة) من الجلدات (ويغرب عاما) ولاء


[ 163 ]

لمسافة قصر فأكثر (إن كان) الواطئ أو الموطوءة حرا (بكرا) وهو من لم يطأ أو توطأ في نكاح صحيح (لا) إن زنى (مع ظن حل) بأن ادعاه وقد قرب عهده بالاسلام أو بعد عن أهله (أو مع تحليل عالم) يعتد بخلافه لشبهة إباحته وإن لم يقلده الفاعل كنكاح بلا ولي كمذهب أبي حنيفة، أو بلا شهود، كمذهب مالك، بخلاف الخالي


[ 164 ]

عنهما، وإن نقل عن داود. وكنكاح متعة نظرا لخلاف ابن عباس ولو من معتقد تحريمه. نعم: إن حكم حاكم بإبطال النكاح المختلف فيه حد لارتفاع الشبهة حينئذ قاله الماوردي، ويحد في مستأجرة للزنا بها إذ لا شبهة


[ 165 ]

لعدم الاعتداد بالعقد الباطل بوجه، وقول أبي حنيفة أنه شبهة ينافيه الاجماع على عدم ثبوت النسب بذلك، ومن ثم ضعف مدركه ولم يراع خلافه، وكذا في مبيحة لان الاباحة هنا لغو ومحرمة عليه لتوثن أو لنحو بينونة كبرى وإن كان قد تزوجها خلافا لابي حنيفة لانه لا عبرة بالعقد الفاسد، أما مجوسية تزوجها فلا يحد بوطئها للاختلاف في حل نكاحها، ولا يحد بإيلاج في قبل مملوكة حرمت عليه بنحو محرمية أو شرب لغيره فيها أو ثوثن أو تمجس ولا بإيلاج في أمة فرع ولو مستولدة لشبهة الملك فيما عدا الاخيرة وشبهة الاعفاف فيها، وأما حد ذي


[ 166 ]

رق محصن أو بكر ولو مبعضا فنصف حد الحر وتغريبه فيجلد خمسين ويغرب نصف عام، ويحد الرقيق الامام أو السيد (ويرجم) أي الامام أو نائبه بأن يأمر الناس ليحيطوا به فيرموه من الجوانب بحجارة معتدلة إن كان (محصنا) رجلا أو امرأة حتى يموت إجماعا لانه (ص) رجم ماعزا والغامدية. ولا يجلد مع الرجم عند جماهير العلماء، وتعرض عليه توبة لتكون خاتمة أمره، ويؤمر بصلاة دخل وقتها، ويجاب لشرب، لا أكل، ولصلاة


[ 167 ]

ركعتين، ويعتد بقتله بالسيف، لكن فات الواجب والمحصن مكلف حر وطئ أو وطئت بقبل في نكاح صحيح ولو في حيض فلا إحصان لصبي أو مجنون أوقن وطئ في نكاح ولا لمن وطئ في ملك يمين أو نكاح فاسد ثم زنى (وأخر) وجوبا (رجم) كقود (لوضع حمل وفطام) لا لمرض يرجى بروه منه وحر وبرد مفرطين. نعم، يؤخر الجلد لهما ولمرض يرجى بروه منه أو لكونه حاملا لان القصد الردع لا القتل (ويثبت) الزنا (بإقرار)


[ 168 ]

حقيقي مفصل نظير ما في الشهادة ولو بإشارة أخرس إن فهمها كل أحد ولو مرة ولا يشترط تكرره أربعا، خلافا لابي حنيفة، (وبينة) فصلت بذكر المزني بها وكيفية الادخال ومكانه ووقته كاشهد أنه أدخل حشفته في فرج فلانة بمحل كذا وقت كذا على سبيل الزنا (ولو أقر) بالزنا (ثم رجع) عن ذلك قبل الشروع في الحد أو بعده بنحو كذبت أو ما زنيت. وإن قال بعد كذبت في رجوعي أو كنت فاخذت فظننته زنا وإن شهد حاله بكذبه فيما استظهره شيخنا بخلاف ما أقررت به لانه مجرد تكذيب للبينة الشاهدة به (سقط) الحد لانه (ص) عرض لماعز بالرجوع


[ 169 ]

فلولا أنه لا يفيد لما عرض له به، ومن ثم سن له الرجوع. وكالزنا في قبول الرجوع عنه كل حد لله تعالى كشرب وسرقة بالنسبة للقطع. وأفهم كلامهم أنه إذا ثبت بالبينة لا يتطرق إليه رجوع وهو كذلك لكنه يتطرق إليه السقوط بغيره كدعوى زوجية وملك أمة وظن كونها حليلة، وثانيها حد القذف وهو من السبع الموبقات (وحد قاذف) مكلف مختار ملتزم للاحكام عالم بالتحريم (محصنا) وهو هنا مكلف حر مسلم عفيف من زنا ووطئ دبر حليلته


[ 170 ]

(ثمانين) جلدة إن كان القاذف حرا وإلا فأربعين. ويحصل القذف بزنيت أو يا زاني أو يا مخنث أو بلطت أو لاط بك فلان أو يا لائط أو يا لوطي، وكذا بياقحبة، لامرأة، ومن صريح قذف المرأة أن يقول لابنها من زيد مثلا لست ابنه أو لست منه لا قوله لابنه لست ابني ولو قال لولده أو ولد غيره يا ولد الزنا كان قذفا لامه (ولا يحد أصل) لقذف


[ 171 ]

فرع بل يعزر كقاذف غير مكلف. ولو شهد بزنا دون أربعة من الرجال أو نساء أو عبيد حدوا ولو تقاذفا لم يتقاصا، ولقاذف تحليف مقذوفه أنه ما زنى قط. وسقط بعفو من مقذوف أو ووارثه الحائز ولا يستقل المقذوف باستيفاء الحد، ولزوج قذف زوجته التي علم زناها وهي في نكاحه ولو بظن ظنا مؤكدا مع قرينة، كأن رآها وأجنبيا في


[ 172 ]

خلوة، أو رآه خارجا من عندها مع شيوع بين الناس بأنه زنى بها، أو مع خبر ثقة أنه رآه يزني بها أو مع تكرر رؤيته لهما كذلك مرات، ووجب نفي الولد إن تيقن أنه ليس منه وحيث لا ولد ينفيه فالاولى له الستر وعليها، وأن


[ 173 ]

يطلقها إن كرهها، فإن أحبها أمسكها، لما صح: أن رجلا أتى النبي (ص) فقال امرأتي لا ترد يد لامس، فقال طلقها، قال: إني أحبها، قال أمسكها. فرع: إذا سب شخص آخر فللآخر أن يسبه بقدر ما سبه مما لا كذب فيه ولا قذف: كيا ظالم ويا أحمق. ولا يجوز سب أبيه وأمه وثالثها حد الشرب (ويجلد) أي الامام أو نائبه (مكلفا) مختارا (عالما) بتحريم الخمر


[ 175 ]

(شرب) لغير تداو (خمرا) وحقيتها عند أكثر أصحابنا المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد فتحريم غيرها قياسي: أي بفرض عدم ورود ما يأتي، وإلا فسيعلم منه أن تحريم الكل منصوص عليه، وعند أقلهم كل مسكر، ولكن لا يكفر مستحل المسكر من عصير غير العنب للخلاف فيه، أي من حيث الجنس، لحل قليله على قول جماعة. أما المسكر بالفعل فهو حرام إجماعا، كما حكاه الحنفية فضلا عن غيرهم – بخلاف مستحله من عصير العنب الصرف الذي لم يطبخ ولو قطرة لانه مجمع عليه ضروري، وخرج بالقيود المذكورة فيه


[ 176 ]

أضدادها فلا حد على من اتصف بشئ منها من صبي ومجنون ومكره وجاهل بتحريمه أو بكونه خمرا إن قرب إسلامه أو بعد عن العلماء. ولا على من شرب لتداو، وإن وجد غيرها، كما نقله الشيخان عن جماعة، وإن حرم التداوي بها. فائدة: كل شراب أسكر كثيره من خمر أو غيرها حرم قليله وكثيره، لخبر الصحيحين: كل شراب أسكر فهو حرام وخبر مسلم: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ويحد شاربه وإن لم يسكر: أي متعاطيه. وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات فلا حد فيها، وإن حرمت وأسكرت، بل التعزير: ككثير البنج والحشيشة


[ 177 ]

والافيون ويكره أكل يسير منها من غير قصد المداومة، ويباح لحاجة التداوي (أربعين) جلدة (إن كان حرا) ففي مسلم عن أنس: كان (ص) يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين جلدة وخرج بالحر الرقيق ولو مبعضا، فيجلد عشرين جلدة، وإنما يجلد الامام شارب الخمر إن ثبت (بإقراره أو شهادة رجلين) لا بريح خمر وهيئة سكر وقئ وحد عثمان رضي الله عنه بالقئ اجتهاد له. ويحد الرقيق أيضا بعلم السيد دون غيره.


[ 178 ]

تتمة: جزم صاحب الاستقصاء بحل إسقائها للبهائم، وللزركشي احتمال أنها كالآدمي في حرمة إسقائها لها، ورابعها قطع السرقة. (ويقطع) أي الامام وجوبا بعد طلب المالك وثبوت السرقة (كوع يمين بالغ) ذكرا


[ 179 ]

كان أو أنثى (سرق) أي أخذ خفية (ربع دينار) أي مثقال ذهبا مضروبا خالصا وإن تحصل من مغشوش (أو


[ 180 ]

قيمته) بالذهب المضروب الخالص وإن كان الربع لجماعة فلا يقطع بكونه ربع دينار سبيكة أو حليا لا يساوي ربعا مضروبا (من حرز) أي موضع يحرز فيه مثل ذلك المسروق عرفا ولا قطع بما للسارق فيه شركة ولا بملكه وإن تعلق به نحو رهن، ولو اشترك اثنان في إخراج نصاب فقط لم يقطع واحد منهما. وخرج بسرق ما لو اختلس معتمدا الهرب أو انتهب معتمدا القوة فلا يقطع بهما لخبر الصحيح به ولامكان دفعهم بالسلطان وغيره، بخلاف السارق لاخذه خفية فشرع قطعه زجرا (لا) حال كون المال (مغصوبا) فلا يقطع سارقه من حرز الغاصب وإن لم


[ 181 ]

يعلم أنه مغصوب لان مالكه لم يرض بإحرازه به (أو) حال كونه (فيه) أي في مكان مغصوب فلا قطع أيضا بسرقة من حرز مغصوب لان الغاصب ممنوع من الاحراز به بخلاف نحو مستأجر ومعار ويختلف الحرز باختلاف الاموال والاحوال والاوقات فحرز الثوب والنقد الصندوق المقفل والامتعة الدكاكين وثم حارس ونوم بمسجد أو شارع على متاع ولو بتوسده حرز له لا إن وضعه بقربه بلا ملاحظ قوي يمنع السارق بقوة أو استغاثة أو انقلب عنه


[ 182 ]

ولو بقلب السارق فليس حرزا له (ويقطع بمال وقف) أي بسرقة مال موقوف على غيره (و) مال (مسجد) كبابه وساريته وقنديل زينة (لا) بنحو (حصره) وقناديل تسرج وهو مسلم لانها أعدت للانتفاع بها (ولا بمال صدقة) أي زكاة (وهو مستحق لها) بوصف فقر أو غيره ولو لم يكن له فيه حق كغني أخذ مال صدقة وليس غارما لاصلاح ذات البين ولا غازيا قطع لانتفاء الشبهة (و) لا بمال (مصالح) كبيت المال وإن كان غنيا لان له فيه حقا لان ذلك


[ 183 ]

قد يصرف في عمارة المساجد والرباطات فينتفع به الغني والفقير من المسلمين (و) لا بمال (بعض) من أصل أو فرع (وسيد) لشبهة استحقاق النفقة في الجملة (والاظهر قطع أحد الزوجين بالآخر) أي بسرقة ماله المحرز عنه (فإن عاد) بعد قطع يمناه إلى السرقة ثانيا (ف‍) – تقطع (رجله اليسرى) من مفصل الساق والقدم (ف‍) – إن عاد ثالثا فتقطع (يده اليسرى) من كوعها (ف‍) – إن عاد رابعا فتقطع (رجله اليمنى ثم) إن سرق بعد قطع ما ذكر (عزر) ولا


[ 184 ]

يقتل، وما روي من أنه (ص) قتله منسوخ أو مؤول بقتله لاستحلال بل ضعفه الدارقطني وغيره، وقال ابن عبد البر أنه منكر لا أصل له. ومن سرق مرارا بلا قطع لم يلزمه إلا حد واحد – على المعتمد – فتكفي يمينه عن الكل لاتحاد السبب فتداخلت (وتثبت) السرقة (برجلين) كسائر العقوبات غير الزنا وإقرار من سارق بعد دعوى عليه مع تفصيل في الشهادة والاقرار بأن تبين السرقة والمسروق منه وقدر المسروق والحرز بتعيينه (و) تثبت السرقة أيضا خلافا لما اعتمده جمع (بيمين رد) من المدعى عليه على المدعي لانها كإقرار المدعى عليه (وقبل رجوع مقر) بالنسبة لقطع بخلاف المال فلا يقبل رجوعه فيه لانه حق آدمي (ومن أقر بقعوبة لله تعالى) أي بموجبها كزنا


[ 185 ]

وسرقة وشرب خمر ولو بعد دعوى (فلقاض) أي يجوز له، كما في الروضة وأصلها، لكن نقل في شرح مسلم الاجماع على ندبه، وحكاه في البحر عن الاصحاب وقضية تخصيصهم القاضي بالجواز حرمته على غيره. قال شيخنا: وهو محتمل، ويحتمل أن غير القاضي أولى منه لامتناع التلقين عليه (تعريض) له (برجوع) عن الاقرار أو بالانكار فيقول لعلك فأخذت أو أخذت من غير حرز أو ما علمته خمرا لانه (ص) عرض لماعز وقال لمن أقر عنده بالسرقة ما إخالك سرقت وخرج بالتعريض التصريح كارجع عنه أو اجحده فيأثم به لانه أمر بالكذب ويحرم


[ 186 ]

التعريض عند قيام البينة. ويجوز للقاضي أيضا التعريض للشهود بالتوقف في حد الله تعالى إن رأى المصلحة في الستر، وإلا فلا، وبه يعلم أنه لا يجوز له التعرض ولا لهم التوقف إن ترتب على ذلك ضياع المسروق أو حد الغير كحد القذف. خاتمة: في قاطع الطريق لو علم الامام قوما يخيفون الطريق ولم يأخذوا مالا ولا قتلوا نفسا عزرهم وجوبا


[ 187 ]

بحبس وغيره وإن أخذ القاطع المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فرجله اليمنى ويده اليسرى، وإن قتل قتل حتما – وإن عفا مستحق القود – وإن قتل وأخذ نصابا قتل ثم صلب بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه ثلاثة أيام حتما ثم ينزل، وقيل يبقى وجوبا حتى يتهرى ويسيل صديده، وفي قول يصلب حيا قليلا ثم ينزل فيقتل.


[ 188 ]

فصل في التعزير (ويعزر) أي الامام أو نائبه (لمعصية لا حد لها ولا كفارة) سواء كانت حقا لله تعالى أم لآدمي كمباشرة أجنبية في غير فرج وست ليس بقذف وضرب لغير حق (غالبا) وقد يشرع التعزير بلا معصية كمن يكتسب باللهو الذي لا معصية فيه، وقد ينتفي مع انتفاء الحد والكفارة: كصغيرة صدرت ممن لا يعرف بالشر لحديث صححه ابن حبان: أقيلوا ذوي الهيئات عثرايهم إلا الحدود وفي رواية: زلاتهم وفسرهم الشافعي رضي الله عنه بمن


[ 189 ]

ذكر، وقيل: هم أصحاب الصغائر، وقيل: من يندم على الذنب ويتوب منه. وكقتل من رآه يزني بأهله على ما حكاه ابن الرفعة لاجل الحمية والغضب، ويحل قتله باطنا. وقد يجامع التعزير الكفارة كمجامع حليلته في نهار رمضان ويحصل التعزير (بضرب) غير مبرح أو صفع وهو الضرب بجمع الكف (أو حبس) حتى عن الجمعة أو


[ 190 ]

توبيخ بكلام أو تغريب أو إقامة من مجلس ونحوها مما يراها المعزر جنسا وقدار لا بحلق لحية. قال شيخنا: وظاهر حرمة حلقها وهو إنما يجئ على حرمته التي عليها أكثر المتأخرين أما على كراهته التي عليها الشيخان وآخرون فلا وجه للمنع إذا رآه الامام. انتهى. ويجب أن ينقص التعزير عن أربعين ضربة في الحر وعن عشرين في غيره (وعزر أب) وإن علا وألحق به الرافعي الام وإن علت (ومأذونه) أي من أذن له في التعزير كالمعلم


[ 191 ]

(صغيرا) وسفيها بارتكابهما ما لا يليق زجرا لهما عن سئ الاخلاق وللمعلم تعزير المتعلم منه (و) عزر (زوج) زوجته (لحقه) كنشوزها لا لحق الله تعالى وقضيته أنه لا يضر بها على ترك الصلاة. وأفتى بعضهم بوجوبه. والاوجه – كما قال شيخنا – جوازه، وللسيد تعزير رقيقه لحقه، وحق الله تعالى وإنما يعزر من مر بضرب غير مبرح، فإن يفد تعزيره إلا بمبرح ترك لانه مهلك وغيره لا يفيد. (وسئل) شيخنا عبد الرحمن بن زياد رحمه الله


[ 192 ]

تعالى عن عبد مملوك عصى سيده وخالف أمره ولم يخدمه خدمة مثله. هل لسيده أن يضربه ضربا غير مبرح أم ليس له ذلك ؟ وإذا ضربه سيده ضربا مبرحا، ورفع به إلى أحد حكام الشريعة، فهل للحاكم أن يمنعه عن الضرب المبرح أم ليس له ذلك ؟ وإذا منعه الحاكم مثلا ولم يمتنع، فهل للحاكم أن يبيع العبد ويسلم ثمنه إلى سيده أم ليس له ذلك ؟ وبماذا يبيعه، بمثل الثمن الذي اشتراه به سيده، أو بما قاله المقومون، أو بما انتهت إليه الرغبات في الوقت ؟ (فأجاب) إذا امتنع العبد من خدمة سيده الخدمة الواجبة عليه شرعا فللسيد أن يضربه على الامتناع ضربا غير مبرح إن أفاد الضرب المذكور، وليس له أن يضربه ضربا مبرحا، ويمنعه الحاكم من ذلك، فإن لم يمتنع من الضرب المذكور فهو كما لو كلفه من العمل ما لا يطيق، بل أولى إذ الضرب المبرح ربما يؤدي إلى الزهوق بجامع التحريم. وقد أفتى القاضي حسين بأنه إذا كلف مملوكه ما لا يطيق أنه يباع عليه بثمن


[ 193 ]

المثل، وهو ما انتهت إليه الرغبات في ذلك الزمان والمكان. انتهى.


[ 194 ]

فصل في الصيال وهو الاستطالة والوثوب على الغير (يجوز) للشخص (دفع) كل (صائل)، مسلم وكافر، مكلف وغيره (على معصوم) من نفس أو طرف أو منفعة أو بضع ومقدماته كتقبيل ومعانقة، أو مال وإن لم يتمول على ما


[ 195 ]

اقتضاه إطلاقهم كحبة بر، أو اختصاص كجلد ميتة سواء كانت للدافع أم لغيره وذلك للحديث الصحيح أن: من قتل دون دمه أو ماله أو أهله فهو شهيد ويلزم منه أن له القتل والقتال: أي وما يسيري إليهما كالجرح (بل يجب) عليه إن لم يخف على نفسه أو عضوه الدفع (عن بضع) ومقدماته ولو من غير أقاربه (ونفس) ولو مملوكة (قصدها كافر) أو بهيمة أو مسلم غير محقون الدم كزان محصن، وتارك صلاة، وقاطع طريق تحتم قتله، فيحرم الاستسلام لهم فإن قصدها مسلم محقون الدم لم يجب الدفع، بل يجوز الاستسلام له، بل يسن للامر به ولا


[ 196 ]

يجب الدفع عن مال لا روح فيه لنفسه (وليدفع) الصائل المعصوم (بالاخف) فالاخف (إن أمكن) كهرب فزجر بكلام فاستغاثة أو تحصن بحصانة فضرب بيده فبسوط فبعصا فقطع فقتل لان ذلك جوز للضرورة ولا ضرورة للاثقل مع إمكان الاخف، فمتى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بدونها ضمن بالقود وغيره. نعم: لو التحم القتال بينهما واشتد الامر عن الضبط سقط مراعاة الترتيب، ومحل رعاية الترتيب أيضا في غير الفاحشة فلو رآه قد أولج في أجنبية فله أن يبدأه بالقتل وإن اندفع بدونه لانه في كل لحظة مواقع لا يستدرك بالاناة قاله


[ 197 ]

الماوردي والروياني والشيخ زكريا. وقال شيخنا: وهو ظاهر في المحصن، أما غيره فالمتجه أنه لا يجوز قتله إلا إن أدى الدفع بغيره إلى مضي زمن وهو متلبس بالفاحشة. انتهى. وإذا لم يمكن الدفع بالاخف كأن لم يجد إلا نحو سيف فيضرب به، أما إذا كان الصائل غير معصوم فله قتله بلا دفع بالاخف لعدم حرمته. فرع: يجب الدفع عن منكر كشرب مسكر وضرب آلة لهو وقتل حيوان ولو للقاتل. (ووجب ختان) للمرأة والرجل حيث لم يولدا مختونين لقوله تعالى: * (أن اتبع ملة إبراهيم) * ومنها الختان، إختتن وهو إبن


[ 198 ]

ثمانين سنة، وقيل واجب على الرجال، وسنة للنساء. ونقل عن أكثر العلماء. (ببلوغ) وعقل إذ لا تكليف قبلهما فيجب بعدهما فورا. وبحث الزركشي وجوبه على ولي مميز وفيه نظر. فالواجب في ختان الرجل قطع ما يغطي حشفته حتى تنكشف كلها، والمرأة قطع جزء يقع عليه الاسم من اللحمة الموجودة بأعلى الفرج فوق ثقبة البول تشبه عرف الديك وتسمى البظر بموحدة مفتوحة فمعجمة ساكنة ونقل الاردبيلي عن الامام ولو كان ضعيف الخلقة بحيث لو ختن خيف عليه لم يختن إلا أن يغلب على الظن سلامته، ويندب تعجيله سابع يوم


[ 199 ]

الولادة للاتباع، فإن أخر عنه ففي الاربعين، وإلا ففي السنة السابعة لانها وقت أمره بالصلاة ومن مات بغير ختان لن يختن في الاصح. ويسن إظهار ختان الذكر وإخفاء ختان الانثى، وأما مؤنة الختان في مال المختون ولو غير ملف، ثم على من تلزمه نفقته. ويجب أيضا قطع سرة المولود بعد ولادته بعد نحو ربطها لتوقف إمساك الطعام عليه. (وحرم تثقيب) أنف مطلقا (وأذن) صبي قطعا، وصبية على الاوجه لتعليق الحلق – كما صرح به الغزالي وغيره – لانه إيلام لم تدع إليه حاجة وجوزه الزركشي واستدل بما في حديث أم زرع في الصحيح، وفي فتاوى


[ 202 ]

قاضيخان من الحنفية أنه لا بأس به لانهم كانوا يفعلونه في الجاهلية فلم ينكر عليهم رسول الله (ص)، وفي الرعاية للحنابلة يجوز في الصبية لغرض الزينة. ويكره في الصبي. انتهى. ومقتضى كلام شيخنا في شرح المنهاج جوازه في الصبية لا الصبي لما عرف أنه زينة مطلوبة في حقهن قديما وحديثا في كل محل. وقد جوز (ص) اللعب لهن بما فيه صورة للمصلحة، فكذا هذا أيضا. والتعذيب في مثل هذه الزينة الداعية لرغبة الازواج إليهن سهل محتمل ومغتفر لتلك المصلحة. فتأمل ذلك فإنه مهم. تتمة: من كان مع دابة يضمن ما أتلفته ليلا ونهارا. وإن كانت وحدها فأتلفت زرعا أو غيره نهارا لم يضمن


[ 203 ]

صاحبها. أو ليلا ضمن إلا أن لا يفرط في ربطها. وإتلاف نحو هرة طيرا أو طعاما عهد إتلافها ضمن مالكها ليلا ونهارا إن قصر في ربطه، وتدفع الهرة الضارية على نحو طير أو طعام لتأكله كصائل برعاية الترتيب السابق. ولا


[ 204 ]

تقتل ضارية ساكنة – خلافا لجمع لامكان التحرز عن شرها.


[ 205 ]

باب الجهاد


[ 206 ]

(هو فرض كفاية كل عام) ولو مرة إذا كان الكفار ببلادهم، ويتعين إذا دخلوا بلادنا كما يأتي: وحكم فرض الكفاية أنه إذا فعله من فيهم كفاية سقط الحرج عنه وعن الباقين. ويأثم كل من لا عذر له من المسلمين إن تركوه وإن جهلوا. وفروضها كثيرة (كقيام بحجج دينية) وهي البراهين على إثبات الصانع سبحانه وما يجب له


[ 207 ]

من الصفات ويستحيل عليه منها وعلى إثبات النبوات وما ورد به الشرع من المعاد والحساب وغير ذلك. (وعلوم شرعية) كتفسير وحديث وفقه زائد على ما لا بد منه وما يتعلق بها بحيث يصلح للقضاء والافتاء للحاجة إليهما (ودفع ضرر معصوم) من مسلم وذمي ومستأمن جائع لم يصل لحالة الاضطرار أو عار أو نحوهما. والمخاطب به كل موسر بما زاد على كفاية سنة له ولممونة عند احتلال بيت المال وعدم وفاء زكاة (وأمر بمعروف) أي


[ 208 ]

واجبات الشرع والكف عن محرماته فشمل النهي عن منكر – ي المحرم – لكن محله في واجب أو حرام مجمع عليه، أو في اعتقاد الفاعل والمخاطب به كل مكلف لم يخف على نحو عضو ومال وإن قل ولم يغلب على ظنه أن فاعله يزيد فيه عنادا وإن علم عادة أنه لا يفيده بأن يغيره بكل طريق أمكنه من يد فلسان فاستغاثة بالغير فإن عجز أنكره بقلبه. وليس لاحد البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون. نعم: إن أخبره ثقة بمن


[ 209 ]

اختفى بمنكر لا يتدارك كالقتل والزنا لزمه ذلك. ولو توقف الانكار على الرفع للسلطان لم يجب لما فيه من هتك حرمة وتغريم مال. قاله ابن القشيري. قال شيخنا: وله احتمال بوجوبه إذا لم ينزحر إلا به هو الاوجه، وكلام الروضة وغيرها صريح فيه. انتهى. (وتحمل شهادة) على أهل له حضر إليه المشهود عليه أو طلبه إن عذر


[ 210 ]

بعذر جمعة (وأدائها) على من يحملها إن كان أكثر من نصاب وإلا فهو فرض عين (وكإحياء كعبة) بحج وعمرة كل عام وتشييع جنازة (ورد سلام) مسنون (عن جمع) أي إثنين فأكثر، فيسقط الفرض عن الباقين ويختص


[ 211 ]

بالثواب، فإن ردوا كلهم – ولو مرتبا – أثيبوا ثواب الفرض كالمصلين على الجنازة. ولو سلم جمع مرتبون على واحد فرد مرة قاصدا جميعهم، وكذا لو أطلق على الاوجه أجزأه ما لم يحصل فصل ضار. ودخل في قولي مسنون سلام امرأة على امرأة أو نحو محرم أو سيد أو زوج وكذا على أجنبي وهي عجوز لا تشتهى. ويلزمها في هذه الصورة رد سلام الرجل. أما مشتهاة ليس معها امرأة أخرى فيحرم عليها رد سلام أجنبي، ومثله ابتداؤه ويكره رد سلامها، ومثله ابتداؤه أيضا. والفرق أن ردها وابتداءها يطمعه لطمعه فيها أكثر – بخلاف ابتدائه ورده. قاله شيخنا. ولو سلم على جمع نسوة وجب رد إحداهن إذ لا يخشى فتنة حينئذ. وخرج بقولي عن جمع الواحد


[ 212 ]

فالرد فرض عين عليه ولو كان المسلم صبيا مميزا. ولا بد في الابتداء والرد من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع المحقق ولو في ثقيل السمع. نعم: إن مر عليه سريعا بحيث لم يبلغه صوته فالذي يظهر – كما قاله شيخنا – أنه يلزمه الرفع وسعيه دون العدو خلفه. ويجب اتصال الرد بالسلام كاتصال قبول البيع بإيجابه. ولا بأس بتقديم عليك في رد سلام الغائب لان الفصل ليس بأجنبي. وحيث زالت الفورية فلا قضاء – خلافا لما يوهمه كلام الروياني. ويجب في الرد على الاصم أن يجمع بين اللفظ والاشارة ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له


[ 213 ]

المسلم عليه بين اللفظ والاشارة (وابتداؤه) أي السلام عند إقباله أو انصرافه على مسلم غير نحو فاسق أو مبتدع حتى الصبي المميز وإن ظن عدم الرد (سنة) عينا للواحد وكفاية للجماعة كالتمسية للاكل لخبر: أن أولى


[ 214 ]

الناس بالله من بدأهم بالسلام. وأفتى القاضي بأن الابتداء أفضل كما أن إبراء المعسر أفضل من إنظاره وصيغة ابتدائه السلام عليكم أو سلام عليكم، وكذا عليكم السلام أو سلام، لكنه مكروه للنهي عنه ومع ذلك يجب الرد فيه – بخلاف وعليكم السلام بالواو – إذ لا يصلح للابتداء والافضل في الابتداء والرد الاتيان بصيغة الجمع حتى في الواحد لاجل الملائكة والتعظيم وزيادة ورحمة الله وبركاته ومغفرته. ولا يكفي الافراد


[ 215 ]

للجماعة ولو سلم كل على الآخر فإن ترتبا كان الثاني جوابا: أي ما لم يقصد به الابتداء وحده كما بحثه بعضهم وإلا لزم كلا الرد. فروع: يسن إرسال السلام للغائب ويلزم الرسول التبيلغ لانه أمانة ويجب أداؤها. ومحله ما إذا رضي بتحمل تلك الامانة. أما لو ردها فلا وكذا إن سكت. وقال بعضهم: يجب على الموصى به تبليغه ومحله – كما قال شيخنا – إن قبل الوصية بلفظ يدل على التحمل ويلزم المرسل إليه الرد فورا باللفظ في الارسال وبه أو بالكتابة فيها. ويندب الرد أيضا على المبلغ والبداءة به فيقول عليك وعليه السلام، للخبر المشهور فيه. وحكى


[ 216 ]

بعضهم ندب البداءة بالمرسل. ويحرم أن يبدأ به ذميا ويستثنيه وجوبا بقلبه إن كان مع مسلم. ويسن لمن دخل محلا خاليا أن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ولا يندب السلام على قاضي حاجة بول أو غائط أو جماع أو استنجاء ولا على شارب وآكل في فمه اللقمة لشغله ولا على فاسق بل يسن تركه على مجاهر بفسقه


[ 217 ]

ومرتكب ذنب عظيم لم يتب منه ومبتدع إلا لعذر أو خوف مفسدة ولا على مصل وساجد ومؤذن ومقيم وخطيب ومستمعه ولا رد عليهم إلا مستمع الخطيب فإنه يجب عليه ذلك بل يكره الرد لقاضي الحاجة والجامع والمستنجي ويسن للآكل وإن كانت اللقمة بفيه. نعم: يسن السلام عليه بعد البلع وقبل وضع اللقمة بفيه، ويلزمه الرد ويسن الرد لمن في الحمام وملب باللفظ ولمصل ومؤذن ومقيم بالاشارة، وإلا فبعد الفراغ أي إن


[ 218 ]

قرب الفصل، ولا يجب عليهم. ويسن عند التلاقي سلام صغير على كبير وماش على واقف وراكب عليهم وقليلين على كثيرين. فوائد: وحتى الظهر مكروه. وقال كثيرون حرام. وأفتى النووي بكراهة الانحناء بالرأس وتقبيل نحو رأس أو يد أو رجل لا سيما لنحو غني لحديث: من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه. ويندب ذلك لنحو صلاح أو


[ 219 ]

علم أو شرف لان أبا عبيدة قبل يد عمر رضي الله عنهما. ويسن القيام لمن فيه فضيلة ظاهرة من نحو صلاح أو علم أو ولادة أو ولاية مصحوبة بصيانة. قال ابن عبد السلام أو لمن يرجى خيره أو يخشى شره ولو كافرا خشي منه ضررا عظيما. ويحرم على الرجل أن يحب قيامهم له. ويسن تقبيل قادم من سفر ومعانقته للاتباع (كتشميت عاطس) بالغ (حمد الله تعالى) بيرحمك الله أو رحمكم الله وصغير مميز حمد الله بنحو أصلحك الله فإنه سنة على الكفاية إن سمع جماعة وسنة عين إن سمع واحد إذا حمد الله العاطس المميز عقب عطاسه بأن لم يتخلل


[ 220 ]

بينهما فوق سكتة تنفس أوعى فإنه يسن له أن يقول عقبه الحمد لله وأفضل منه الحمد لله رب العالمين، وأفضل منه الحمد لله على كل حال. وخرج بقولي حمد الله من لم يحمده عقبه فلا يسن التشميت له. فإن شك قال يرحم الله من حمده. ويسن تذكيره الحمد وعند توالي العطاس يشمته لثلاث ثم يدعو له بالشفاء ويسر به


[ 221 ]

المصلي ويحمد في نفسه إن كان مشغولا بنحو بول أو جماع ويشترط رفع بكل بحيث يسمعه صاحبه. ويسن للعاطس وضع شئ على وجهه وخفض صوته ما أمكنه، وإجابة مشمته بنحو يهديكم الله ويصلح بالكم أو يغفر الله لكم للامر به ويسن للمتثائب رد التثاؤب طاقته وستر فيه – ولو في الصلاة – بيده اليسرى. ويسن إجابة الداعي بلبيك. (والجهاد) فرض كفاية (على) كل مسلم (مكلف) أي بالغ عاقل لرفع القلم عن غيرهما (ذكر)


[ 222 ]

لضعف المرأة عنه غالبا (حر) فلا يجب على ذي رق ولو مكاتبا ومبعضا وإن أذن له سيده لنقصه (مستطيع له سلاح) فلا يجب على غير مستطيع كأقطع وأعمى وفاقد معظم أصابع يده، ومن به عرج بين أو مرض تعظم مشقته، وكعادم مؤن ومركب في سفر قصر فاضل ذلك عن مؤنة من تلزمه مؤنته – كما في الحج – ولا على من ليس له سلاح لان عادم ذلك لا نصرة به (وحرم) على مدين موسر عليه دين حال لم يوكل من يقضي عنه من ماله


[ 223 ]

الحاضر (سفر) لجهاد وغيره، وإن قصر وإن لم يكن مخوفا أو كان لطلب علم رعاية لحق الغير، ومن ثم جاء في مسلم: القتل في سبيل الله يكفر كل شئ إلا الدين. (بلا إذن غريم) أو ظن رضاه وهو من أهل الاذن. ولو كان الغريم ذميا أو كان بالدين رهن وثيق أو كفيل موسر. قال الاسنوي في المهمات: أن سكوت رب الدين ليس بكاف في جواز السفر، معتمدا في ذلك على ما فهم من كلام الشيخين هنا. وقال ابن الرفعة والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والقزويني: لا بد في الحرمة من التصريح بالمنع، ونقله القاضي إبراهيم بن ظهيرة ولا يحرم السفر، بل ولا يمنع منه إن كان معسرا أو كان الدين مؤجلا وإن قرب حلوله بشرط وصوله لما يحل له فيه القصر وهو مؤجل (و) حرم السفر لجهاد وحج تطوع بلا إذن (أصل) مسلم أب وأم وإن عليا ولو أذن من هو


[ 224 ]

أقرب منه، وكذا يحرم بلا إذن أصل سفر لم تغلب فيه السلامة لتجارة (لا) سفر (لتعلم فرض) ولو كفاية كطلب النحو ودرجة الفتوى فلا يحرم عليه وإن لم يأذن أصله (وإن دخلوا) أي الكفار (بلدة لنا تعين) الجهاد (على أهلها) أي يتعين على أهلها الدفع بما أمكنهم وللدفع مرتبتان. إحداهما أن يحتمل الحال اجتماعهم وتأهبهم للحرب فوجب الدفع على كل منهم بما يقدر عليه حتى على من لا يلزمه الجهاد نحو فقير وولد ومدين وعبد وامرأة فيها قوة بلا إذن ممن مر. ويغتفر ذلك لهذا الخطب العظيم الذي لا سبيل لاهماله. وثانيتهما أن يغشاهم


[ 225 ]

الكفار ولا يتمكنون من اجتاع وتأهب فمن قصده كافر أو كفار وعلم أنه يقتل إن أخذه فعليه أن يدفع عن نفسه بما أمكن وإن كان ممن لا جهاد عليه لامتناع الاستسلام لكافر. فروع: وإذا لم يمكن تأهب لقتال وجوز أسرا وقتلا فله قتال واستسلام إن علم أنه إن امتنع منه قتل وأمنت المرأة فاحشة إن أخذت وإلا تعين الجهاد، فمن علم أو ظن أنه إن أخذ قتل عينا امتنع عليه الاستسلام كما مر آنفا. ولو أسروا مسلما يجب النهوض إليهم فورا على كل قادرر لخلاصه إن رجى. ولو قال لكافر أطلق أسيرك وعلي كذا فأطلقه لزمه ولا يرجع به على الاسير إلا إن أذن له في مفاداته فيرجع عليه وإن لم يشترط له الرجوع (و) تعين على (من دون مسافة قصر منها) أي من البلدة التي دخلوا فيها وإن كان في أهلهم كفاية لانهم في حكمهم،


[ 226 ]

وكذا من كان على مسافة القصر إن لم يكف أهلها ومن يليهم، فيصير فرض عين في حق من قرب وفرض كفاية في حق من بعد. (وحرم) على من هو من أهل فرض الجهاد (انصراف عن صف) بعد التلاقي وإن غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل لعده (ص) الفرار من الزحف من السبع الموبقات. ولو ذهب سلاحه وأمكن الرمي بالحجارة لم يجز له الانصراف على تناقض فيه. وجزم بعضهم بأنه إذا غلب ظن الهلاك بالثبات من غير نكاية فيهم وجب الفرار (إذا لم يزيدوا) أي الكفار (على مثلينا) للآية. وحكمة وجوب مصابرة الضعف أن المسلم يقاتل على


[ 227 ]

إحدى الحسنيين: الشهادة والفوز بالغنيمة مع الاجر، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا فقط. أما إذا زادوا على المثلين كمائتين وواحد عن مائة فيجوز الانصراف مطلقا. وحرم جمع مجتهدون الانصراف مطلقا إذا بلغ المسلمون اثني عشر ألفا لخبر: لن يغلب إثنا عشر ألفا من قلة وبه خصت الآية. ويجاب بأن المراد من الحديث أن الغالب على هذا العدد الظفر فلا تعرض فيه لحرمة فرار ولا لعدمها – كما هو واضح – وإنما يحرم الانصراف إن قاومناهم إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة يستنجد بها على العدو ولو بعيدة (ويرق ذراري كفار) وعبيدهم ولو مسلمين كاملين (بأسر) كما يرق حربي مقهور لحربي بالقهر أي يصيرون بنفس الاسر أرقاء لنا ويكونون كسائر أموال الغنيمة. ودخل في الذراري الصبيان والمجانين والنسوان ولا حد إن وطئ غانم أو أبوه أو


[ 228 ]

سيده أمة في الغنيمة ولو قبل اختيار التملك لان فيها شبهة ملك ويعزر عالم بالتحريم لا جاهل به إن عذر لقرب إسلامه أو بعد محله عن العلماء. فرع: يحكم بإسلام غير بالغ ظاهرا وباطنا: إما تبعا للسابي المسلم ولو شاركه كافر في سبيه، وإما تبعا لاحد أصوله وإن كان إسلامه قبل علوقه فلو أقر أحدهما بالكفر بعد البلوغ فهو مرتد من الآن (ولامام) أو أمير


[ 229 ]

(خيار في) أسير (كامل) ببلوغ وعقل وذكورة وحرية (بين) أربع خصال من (قتل) بضرب الرقبة لا غير (ومن) عليه بتخلية سبيله (وفداء) بأسرى منا أو مال فيخمس وجوبا أو بنحو سلاحا ويفادى سلاحهم بأسرانا على الاوجه لا بمال (واسترقاق) فيفعل الامام أو نائبه وجوبا الاحظ للمسلمين لاجتهاده، ومن قتل أسيرا غير كامل


[ 230 ]

لزمته قيمته أو كاملا قبل التخيير فيه عزر فقط (وإسلام كافر) كامل (بعد أسر يعصم دمه) من القتل لخبر الصحيحين: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ولم يذكر هنا وماله لانه لا يعصمه. إذا اختار الامام رقه ولا صغار أولاده للعلم بإسلامهم تبعا له وإن كانوا


[ 231 ]

بدار الحرب أو أرقاء وإذا تبعوه في الاسلام وهم أحرار لم يرقوا لامتناع طرو الرق على من قارن إسلامه حريته. ومن ثم أجمعوا على أن الحر المسلم لا يسبى ولا يسترق أو أرقاء لم ينقص رقهم. ومن ثم لو ملك حربي صغيرا ثم حكم بإسلامه تبعا لاصله جاز سبيه واسترقاقه ويبقى الخيار في باقي الخصال السابقة من المن أو الفداء أو الرق. ومحل جواز المفاداة مع إرادة الاقامة في دار الكفر إن كان له ثم عشيرة يأمن معها على نفسه ودينه (و) إسلامه (قبله) أي قبل أسر بوضع أيدينا عليه (يعصم دما) أي نفسا عن كل ما مر (ومالا) أي جميعه بدارنا أو دارهم وكذا فرعه الحر الصغير والمجنون عند السبي عن الاسترقاق لا زوجته فإذا سبيت ولو بعد الدخول انقطع


[ 232 ]

نكاحه حالا. وإذا سبي زوجان أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما لما في خبر مسلم أنهم لما امتنعوا يوم أوطاس من وطئ المسبيات المتزوجات نزل * (والمحصنات) * أي المتزوجات * (من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) *. (1) فحرم الله تعالى المتزوجات إلا المسبيات. فرع: لو ادعى أسير قد أرق إسلامه قبل أسره لم يقبل في الرق ويجعل مسلما من الآن ويثبت بشاهد وامرأتين ولو ادعى أسير أنه مسلم، فإن أخذ من دارنا صدق بيمينه أو من دار الحرب فلا (وإذا أرق) الحربي


[ 233 ]

(وعليه دين) لمسلم أو ذمي (لم يسقط) وسقط إن كان لحربي، ولو اقترض حربي من حربي أو غيره أو اشترى منه شيئا ثم أسلما أو أحدهما يسقط لالتزامه بعقد صحيح. ولو أتلف حربي على حربكي شيئا أو غصبه منه فأسلما أو أسلم المتلف فلا ضمان لانه لم يلتزم شيئا بعقد حتى يستدام حكمه ولان الحربي لو أتلف مال مسلم أو ذمي لم يضمنه فأولى مال الحربي.


[ 234 ]

فرع: لو قهر حربي دائنه أو سيده أو زوجه ملكه ارتفع الدين والرق والنكاح وإن كان المقهور كاملا، وكذا إن كان القاهر بعضا للمقهور ولكن ليس للقاهر بيع مقهوره البعض لعتقه عليه خلافا للسمهودي. مهمة: قال شيخنا في شرح المنهاج: قد كثر اختلاف الناس وتأليفهم في السراري والارقاء المجلوبين من الروم والهند. وحاصل معتمد مذهبنا فيهم أن من لم يعلم كونه غنيمة لم تتخمس ولم تقسم يحل شراوه وسائر التصرفات فيه لاحتمال أن آسره البائع له أولا حربي أو ذمي فإنه لا يخمس عليه وهذا كثير لا نادر، فإن تحقق أن آخذه مسلم بنحو سرقة أو اختلاس لم يجز شراوه إلا على الوجه الضعيف أنه لا يخمس عليه فقول جمع متقدمين ظاهر الكتاب والسنة والاجماع على منع وطئ السراري المجلوبة من الروم والهند إلا أن ينصب


[ 235 ]

من يقسم الغنائم ولا حيف يتعين حمله على ما علم أن الغانم له المسلمون وإنه لم يسبق من أميرهم قبل الاغتنام من أخذ شيئا فهو له لجوازه عند الائمة الثلاثة. وفي قول الشافعي بل زعم التاج الفزاري أنه لا يلزم الامام قسمة الغنائم ولا تخميسها، وله أن يحرم بعض الغانمين، لكن رده المصنف وغيره بأنه مخالف للاجماع وطريق من وقع بيده غنيمة لم تخمس ردها لمستحق علم، وإلا فللقاضي كالمال الضائع – أي الذي لم يقع اليأس من صاحبه – وإلا كان ملك بيت المال فلمن له فيه حق الظفر به على المعتمد. ومن ثم كان المعتمد كما مر أن من وصل له شئ يستحقه منه حل له أخذه وإن ظلم الباقون. نعم: الورع لمريد التسري أن يشتري ثانيا


[ 236 ]

من وكيل بيت المال لان الغالب عدم التخميس واليأس من معرفة مالكها فيكون ملكا لبيت المال. انتهى. تتمة: يعتق رقيق حربي إذا هرب ثم أسلم ولو بعد الهدنة أو أسلم ثم هرب قبلها وإن لم يهاجر إلينا لا عكسه بأن أسلم بعد هدنة ثم هرب فلا يعتق لكن لا يرد إلى سيده فإن لم يعتقه باعه الامام من مسلم أو دفع


[ 237 ]

لسيده قيمته من مال المصالح وأعتقه عن المسلمين والولاء لهم وإن أتانا بعد الهدنة. وشرط رد من جاء منهم إلينا حر ذكر مكلف مسلما، فإن لم تكن له ثم عشيرة تحميه لم يرد وإلا رد عليهم بطلبهم بالتخلية بينه وبين طالبه بلا إجبار على الرجوع مع طالبه. وكذا لا يرد صبي ومجنون وصفا الاسلام أم لا وامرأة وخنثى أسلمتا: أي لا يجوز ردهم ولو لنحو الاب لضعفهم ويغرمون لنا قيمة رقيق ارتد دون الحر المرتد.


[ 239 ]

باب القضاء بالمد: أي الحكم بين الناس. والاصل فيه قبل الاجماع قوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * وقوله: * (فاحكم بينهم بالقسط) * وأخبار كخبر الصحيحين: إذا حكم حاكم – أي أراد الحكم – فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر. وفي رواية بدل الاولى: فله عشرة أجور قال في شرح مسلم: أجمع المسلمون على أن هذا في حاكم عالم مجتهد. أما غيره فآثم بجميع أحكامه، وإن وافق الصواب لان إصابته إتفاقية. وصح خبر: القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار وفسر


[ 240 ]

الاول بأنه عرف الحق وقضى به، والاخيران بمن عرف وجار في الحكم ومن قضى على جهل. وما جاء في التحذير عنه كخبر: من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين محمول على عظم الخطر فيه، أو على من يكره له القضاء، أو يحرم (هو) أي قبوله من متعددين صالحين له (فرض كفاية) في الناحية بل أسنى فروض الكفايات


[ 241 ]

حتى قال الغزالي: أنه أفضل من الجهاد، فإن امتنع الصالحون له منه أثموا. أما تولية الامام أو نائبه لاحدهم في إقليم ففرض عين عليه، ثم على ذي شوكة. ولا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاض. فرع: لا بد من تولية من الامام أو مأذونه ولو لمن تعين للقضاء، فإن فقد الامام فتولية أهل الحل والعقد في البلد أو بعضهم مع رضا الباقين ولو ولاه أهل جانب من البلد صح فيه دون الآخر. ومن صريح التولية وليتك


[ 242 ]

أو قلدتك القضاء. ومن كفايتها عولت واعتمدت عليك فيه. ويشترط القبول لفظا وكذا فورا في الحاضر. وعند بلوغ الخبر في غيره. وقال جمع محققون: الشرط عدم الرد ومن تعين في ناحية لزمه قبوله وكذا طلبه ولو ببذل مال وإن خاف من نفسه الميل فإن لم يتعين فيها كره للمفضول القبول والطلب إن لم يمتنع الافضل، ويحرم طلبه بعزل صالح له ولو مفضولا (وشرط قاض كونه أهلا للشهادات) كلها بأن يكون مسلما مكلفا حرا ذكرا


[ 243 ]

عدلا سميعا ولو بالصياح بصيرا، فلا يولي من ليس كذلك ولا أعمى وهو من يرى الشبح ولا يميز الصورة وإن قربت – بخلاف من يميزها إذا قربت بحيث يعرفها ولو بتكلف ومزيد تأمل، وإن عجز عن قراءة المكتوب. واختير صحة ولاية الاعمى (كافيا) للقيام بمنصب القضاء، فلا يولى مغفل ومختل نظر بكبر أو مرض (مجتهدا) فلا يصح تولية جاهل ومقلد وإن حفظ مذهب إمامه لعجزه عن إدراك غوامضه. والمجتهد من يعرف بأحكام


[ 244 ]

القرآن من العام والخاص والمجمل والمبين والمطلق والمقيد والنص والظاهر والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وبأحكام السنة من المتواتر – وهو ما تعددت طرقه – والآحاد – وهو بخلافه – والمتصل باتصال رواته إليه صلى الله عليه وسلم ويسمى المرفوع، أو إلى الصحابي فقط ويسمى الموقوف. والمرسل وهو قول التابعي


[ 245 ]

قال رسول الله (ص) كذا، أو فعل كذا، أو بحال الرواة قوة وضعفا وما تواتر ناقلوه. وأجمع السلف على قبوله. لا يبحث عن عدالة ناقليه وله الاكتفاء بتعديل إمام عرف صحة مذهبه في الجرح والتعديل ويقدم عند التعارض الخاص على العام، والمقيد على المطلق، والنص على الظاهر، والمحكم على المتشابه، والناسخ والمتصل والقوي على مقابلها. ولا تنحصر الاحكام في خمسمائة آية ولا خمسمائة حديث خلافا لزاعمهما وبالقياس بأنواعه الثلاثة من الجلي وهو ما يقطع فيه بنفي الفارق كقياس ضرب الولد على تأفيفه، أو المساوي وهو ما يبعد فيه إنتفاء الفارق كقياس إحراق مال اليتيم على أكله، أو الادون وهو ما لا يبعد فيه إنتفاء الفارق كقياس الذرة


[ 246 ]

على البر في الربا بجامع الطعم وبلسان العرب لغة ونحوا وصرفا وبلاغة وبأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم ولو فيما يتكلم فيه فقط لئلا يخالفهم. قال ابن الصلاح: إجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، أما مقيد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع فإنه مع المجتهد كالمجتهد مع نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له عدول عن نص إمامه كما لا يجوز الاجتهاد مع النص. انتهى. (فإن ولى سلطان) ولو كافرا أو (ذو شوكة) غيره في بلد بأن انحصرت قوتها فيه (غير أهل) للقضاء كمقلد وجاهل وفاسق، أي مع علمه بنحو فسقه


[ 247 ]

وإلا بأن ظن عدالته مثلا، ولو علم فسقه لم يوله فالظاهر – كما جزم به شيخنا – لا ينفذ حكمه وكذا لو زاد فسقه أو ارتكب مفسقا آخر على تردد فيه. انتهى. وجزم بعضهم بنفوذ توليته وإن ولاه غير عالم بفسقه وكعبد وامرأة وأعمى (نفذ) ما فعله من التولية وإن كان هناك مجتهد عدل على المعتمد فينفذ قضاء من ولاه للضروة ولئلا تتعطل مصالح الناس وإن نازع كثيرون فيما ذكر في الفاسق وأطالوا وصوبه الزركشي. قال شيخنا: وما ذكر في المقلد محله إن كان ثم مجتهد وإلا نفذت تولية المقلد ولو من غير ذي شوكة، وكذا الفاسق. فإن كان هناك عدل أشترطت شوكة وإلا فلا – كما يفيد ذلك قول ابن الرفعة – الحق أنه إذا لم يكن ثم من يصلح للقضاء نفذت تولية


[ 248 ]

غير الصالح قطعا، والاوجه أن قاضي الضرورة يقضي بعلمه ويحفظ مال اليتيم ويكتب لقاض آخر خلافا للحضرمي وصرح جمع متأخرون بأن قاضي الضرورة يلزمه بيان مستنده في سائر أحكامه ولا يقبل قول حكمت بكذا من غير بيان مستنده فيه ولو طلب الخصم من القاضي الفاسق تبيين الشهود التي ثبت فيها الامر لزم القاضي بيانهم وإلا لم ينفذ حكمه. فرع: يندب للامام إذا ولى قاضيا أن يأذن له في الاستخلاف وإن أطلق التولية إستخلف فيما لا يقدر عليه لا غيره في الاصح. (مهمة) يحكم القاضي باجتهاده إن كان مجتهدا أو باجتهاد مقلده إن كان مقلدا. وقضية كلام الشيخين أن المقلد لا يحكم بغير مذهب مقلده. وقال الماوردي وغيره: يجوز. وجمع ابن عبد السلام


[ 249 ]

والاذرعي وغيرهما بحمل الاول على من لم ينته لرتبة الاجتهاد في مذهب إمامه وهو المقلد الصرف الذي لم يتأهل للنظر ولا للترجيح والثاني على من له أهلية. لذلك. ونقل ابن الرفعة عن الاصحاب أن الحاكم المقلد إذا بان حكمه على خلاف نص مقلده نقض حكمه ووافقه النووي في الروضة والسبكي، وقال الغزالي: لا ينقض، وتبعه الرافعي بحثا في موضع. وشيخنا في بعض كتبه. فائدة: إذا تمسك العامي بمذهب لزمه موافقته، وإلا لزمه التمذهب بمذهب معين من الاربعة لا غيرها ثم


[ 250 ]

له وإن عمل بالاول الانتقال إلى غيره بالكلية، أو في المسائل بشرط أن لا يتتبع الرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالاسهل منه فيفسق به على الاوجه. وفي الخادم عن بعض المحتاطين. الاولى لمن ابتلي بوسواس الاخذ بالاخف والرخص لئلا يزداد فيخرج عن الشرع، ولضده الاخذ بالاثقل لئلا يخرج عن الاباحة. وأن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة مركبة لا يقول بها كل منهما. وفي فتاوي شيخنا: من قلد إماما في مسألة لزمه أن يجري على قضية مذهبه في تلك المسألة وجميع ما يتعلق بها، فيلزم من انحرف عن عين الكعبة وصلى إلى


[ 251 ]

جهتها مقلدا لابي حنيفة مثلا أن يمسح في وضوئه من الرأس قدر الناصية وأن لا يسيل من بدنه بعد الوضوء دم وما أشبه ذلك، وإلا كانت صلاته باطلة باتفاق المذهبين فليتفطن لذلك. انتهى. ووافقه العلامة عبد الله أبو مخرمة العدني وزاد فقال: قد صرح بهذا الشرط الذي ذكرناه غير واحد من المحققين من أهل الاصول والفقه: منهم ابن دقيق العيد والسبكي، ونقله الاسنوي في التمهيد عن العراقي. قلت: بل نقله الرافعي في العزيز عن القاضي حسين. انتهى. وقال شيخنا المحقق ابن زياد رحمه الله تعالى في فتاويه: إن الذي فهمناه من أمثلتهم أن التركيب القادح إنما يمتنع إذا كان في قضية واحدة. فمن أمثلتهم. إذا توضأ ولمس تقليدا لابي حنيفة واقتصد تقليدا للشافعي ثم صلى فصلاته باطلة لاتفاق الامامين على بطلان ذلك. وكذلك إذا توضأ ومس بلا شهوة تقليدا للامام مالك ولم يدلك تقليدا للشافعي ثم صلى فصلاته باطلة لاتفاق الامامين على بطلان طهارته – بخلاف ما إذا كان التركيب من قضيتين، فالذي يظهر أن ذلك غير قادح في التقليد، كما إذا توضأ ومسح بعض رأسه ثم صلى إلى الجهة تقليدا لابي حنيفة فالذي يظهر صحة صلاته لان الامامين لم يتفقا على بطلان طهارته، فإن الخلاف فيها بحاله، لا يقال اتفقا على بطلان صلاته لانا نقول هذا الاتفاق ينشأ من التركيب في قضيتين.


[ 252 ]

والذي فهمناه أنه غير قادح في التقليد ومثله ما إذا قلد الامام أحمد في أن العورة السوأتان وكأن ترك المضمضة والاستنشاق أو التسمية الذي يقول الامام أحمد بوجوب ذلك، فالذي يظهر صحة صلاته إذا قلده في قدر العورة لانهما لم يتفقا على بطلان طهارته التي هي قضية واحدة، ولا يقدح في ذلك إتفاقهما على بطلان صلاته فإنه تركيب من قضيتين وهو غير قادح في التقليد كما يفهمه تمثيلهم. وقد رأيت في فتاوي البلقيني ما يقتضي أن التركيب بين القضيتين غير قادح. انتهى. ملخصا. تتمة: يلزم محتاجا إستفتاء عالم عدل عرف أهليته ثم إن وجد مفتيين فإن اعتقد أحدهما أعلم تعين تقديمه. قال في الروضة: ليس لمفت وعامل على مذهبنا في مسألة ذات وجهين أو قولين أن يعتمد أحدهما بلا


[ 253 ]

نظر فيه فلا خلاف، بل يبحث عن أرجحهما بنحو تأخره وإن كانا لواحد. انتهى. (ويجوز تحكيم اثنين) ولو من غير خصومة كما في النكاح (رجلا أهلا لقضاء) أي من له أهلية القضاء المطلقة لا في خصوص تلك الواقعة فقط. خلافا لجمع متأخرين ولو مع وجود قاض أهل خلافا للروضة. أما غير الاهل فلا يجوز تحكيمه – أي مع وجود الاهل – وإلا جاز، ولو في النكاح، وإن كان ثم مجتهد، كما جزم به شيخنا في شرح المنهاج تبعا لشيخه


[ 254 ]

زكريا. لكن الذي أفتاه أن المحكم العدل لا يزوج إلا مع فقد القاضي ولو غير أهل. ولا يجوز تحكيم غير العدل مطلقا ولا يفيد حكم المحكم إلا برضاهما به لفظا لا سكوتا فيعتبر رضا الزوجين معا في النكاح، نعم: يكفي سكوت البكر إذا استؤذنت في التحكيم ولا يجوز التحكيم مع غيبة الولي ولو إلى مسافة القصر إن كان ثم قاض – خلافا لابن العماد – لانه ينوب عن الغائب بخلاف المحكم: ويجوز له أن يحكم بعلمه على الاوجه. (وينعزل القاضي) أي يحكم بانعزاله ببلوغ خبر العزل له ولو من عدل (و) ينعزل (نائبه) في عام أو خاص بأن


[ 255 ]

يبلغه خبر عزل مستخلفه له أو الامام لمستخلفه إن أذن له أن يستخلف عن نفسه أو أطلق (لا) حال كون النائب نائبا (عن إمام) في عام أو خاص بأن قال للقاضي إستخلف عني فلا ينعزل بذلك وإنما انعزل القاضي ونائبه (بخبره) أي ببلوغ خبر العزل المفهوم من ينعزل لا قبل بلوغه ذلك لعظم الضرر في نقض أقضيته لو انعزل، بخلاف الوكيل فإنه ينعزل من حين العزل ولو قبل بلوغ خبره. ومن علم عزله لم ينفذ حكمه له إلا أن يرضى بحكمه فيما يجوز التحكيم فيه (و) ينعزل أيضا كل منهما بأحد أمور (عزل نفسه) كالوكيل (وجنون) وإغماء وإن قل زمنهما (وفسق) أي ينعزل بفسق من لم يعلم موليه بفسقه الاصلي أو الزائد على ما كان حال توليته وإذا زالت


[ 256 ]

هذه الاحوال لم تعد ولايته إلا بتولية جديدة في الاصح. ويجوز للامام عزل قاض لم يتعين بظهور خلل لا يقتضي إنعزاله ككثرة الشكاوي فيه وبأفضل منه وبمصلحة كتسكين فتنة سواء أعزله بمثله أو بدونه وإن لم يكن شئ من ذلك لم يجز عزله لانه عبث ولكن ينفذ العزل. أما إذا تعين بأن لم يكن ثم من يصلح غيره فيحرم على موليه عزله ولا ينفذ، وكذا عزله لنفسه حينئذ بخلافه في غير هذه الحالة فينفذ عزله لنفسه وإن لم يعلم موليه (ولا ينعزل قاض بموت إمام) أعظم ولا بانعزاله لعظم شدة الضرر بتعطيل الحوادث وخرج بالامام القاضي


[ 257 ]

فينعزل نوابه بموته (ولا يقبل قول متول في غير محل ولايته) وهو خارج عمله (حكمت بكذا) لانه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ فلا ينفذ إقراره به وأخذ الزركشي من ظاهر كلامهم أنه إذا ولي ببلد لم يتناول مزارعها وبساتينها فلو زوج وهو بأحدهما من هي بالبلد أو عكسه لم يصح، قيل، وفيه نظر قال شيخنا والنظر واضح بل الذي يتجه أنه إن علمت عادة بتبعية أو عدمها فذلك وإلا اتجه ما ذكره اقتصارا على ما نص له عليه وأفهم قول المنهاج أنه في غير محل ولايته كمعزول أن لا ينفذ منه فيه تصرف استباحه بالولاية كإيجار وقف نظره للقاضي وبيع مال يتيم وتقرير في وظيفة. قال شيخنا وهو ظاهر (ك‍) – ما لا يقبل قول (معزول) بعد انعزاله ومحكم بعد


[ 258 ]

مفارقة مجلس حكمه حكمت بكذا لانه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ فلا يقبل إقراره به ولا يقبل أيضا شهادة كل منهما بحكمه لانه يشهد بفعل نفسه إلا إن شهد بحكم حاكم ولا يعلم القاضي أنه حكمه فتقبل شهادته إن لم يكن فاسقا، فإن علم القاضي أنه حكمه لم تقبل شهادته كما لو صرح به ويقبل قوله بمحل حكمه قبل عزله حكمت بكذا، وإن قال بعلمي لقدرته على الانشاء حينئذ حتى لو قال على سبيل الحكم نساء هذه القرية: أي المحصورات طوالق من أزواجهن قبل إن كان مجتهدا ولو في مذهب إمامه ولا يجوز لقاض أن يتبع حكم قاض


[ 259 ]

قبله صالح للقضاء (وليسو القاضي بين الخصمين) وجوبا في إكرامهما وإن اختلفا شرفا وجواب سلامهما والنظر إليهما والاستماع للكلام وطلاقة الوجه والقيام فلا يخص أحدهما بشئ مما ذكر. ولو سلم أحدهما انتظر الآخر ويغتفر طول الفصل للضرورة أو قال له سلم ليجيبهما معا ولا يمزح معه وإن شرف بعلم أو حرية والاولى أن يجلسهما بين يديه.


[ 260 ]

فرع: لو ازدحم مدعون قدم الاسبق فالاسبق وجوبا كمفت ومدرس فيقدمان وجوبا بسبق، فإن استووا أو جهل سابق أقرع وقال شيخنا، وظاهر أن طالب فرض العين مع ضيق الوقت يقدم كالمسافر. ويستحب كون مجلسه الذي يقضي فيه فسيحا بارزا ويكره أن يتخذ المسجد مجلسا للحكم صونا له عن اللغط وارتفاع


[ 261 ]

الاصوات. نعم إن اتفق عند جلوسه فيه قضية أو قضيتان فلا بأس بفصلها (وحرم قبوله) أي القاضي (هدية من لا


[ 262 ]

عادة له بها قبل ولاية) أو كان له عادة بها لكنه زاد في القدر أو الوصف (إن كان في محله) أي محل ولايته (و) هدية (من له خصومة) عنده أو من أحس منه بأنه سيخاصم وإن اعتادها قبل ولايته لانها في الاخيرة تدعو إلى الميل إليه وفي الاولى سببها الولاية وقد صحت الاخبار الصحيحة بتحريم هدايا العمال (وإلا) بأن كان من عادته أنه يهدى إليه قبل الولاية ولو مرة فقط أو كان في غير محل ولايته أو لم يزد المهدي على عادته ولا خصومة


[ 263 ]

له حاضرة ولا مترقبة جاز قبوله ولو جهزها له مع رسوله وليس له محاكمة ففي جواز قبوله وجهان: رجح بعض شراح المنهاج الحرمة وعلم مما مر أنه لا يحرم عليه قبولها في غير عمله وإن كان المهدي من أهل عمله ما لم يستشعر بأنها مقدمة لخصومة. ولو أهدى له بعد الحكم حرم القبول أيضا إن كان مجازاة له وإلا فلا. كذا أطلقه بعض شراح المنهاج. قال شيخنا: ويتعين حمله على مهد معتاد أهدى إليه بعد الحكم وحيث حرم القبول أو الاخذ لم يملك ما أخذه فيرده لمالكه إن وجد وإلا فلبيت المال وكالهدية الهبة والضيافة وكذا الصدقة على


[ 264 ]

الاوجه وجوز له السبكي في حلبياته قبول الصدقة ممن لا خصومة له ولا عادة وخصه في تفسيره بما إذا لم يعرف المتصدق أنه القاضي، وبحث غيره القطع بحل أخذه الزكاة. قال شيخنا: وينبغي تقييده بما ذكر. وتردد السبكي في الوقف عليه من أهل عمله والذي يتجه فيه، وفي النذر أنه إن عينه باسمه وشرطنا القبول كان كالهدية له. ويصح إبراؤه عن دينه إذ لا يشترط فيه قبول. ويكره للقاضي حضور الوليمة التي خص بها وحده وقال جمع: يحرم أو مع جماعة آخرين ولم يعتد ذلك قبل الولاية بخلاف ما إذا لم يقصد بها خصوصا كما لو اتخذت للجيران أو العلماء وهو منهم أو لعموم الناس. قال في العباب: يجوز لغير القاضي أخذ هدية بسبب النكاح إن


[ 265 ]

لم يشترط، وكذا القاضي حيث جاز له الحضور ولم يشترط ولا طلب. اه‍. وفيه نظر. تنبيه: يجوز لمن لا رزق له في بيت المال ولا في غيره وهو غير متعين للقضاء وكان عمله مما يقابل بأجرة أن يقول لا أحكم بينكما إلا بأجرة أو رزق على ما قاله جمع وقال آخرون يحرم وهو الاحوط لكن الاول أقرب


[ 266 ]

(ونقض) القاضي وجوبا (حكما) لنفسه أو غيره إن كان ذلك الحكم (بخلاف نص) كتاب أو سنة أو نص مقلده أو قياس جلي وهو ما قطع فيه بإلحاق الفرع للاصل (أو إجماع) ومنه ما خالف شرط الواقف. قال السبكي:


[ 267 ]

وما خالف المذاهب الاربعة كالمخالف للاجماع (أو بمرجوح) من مذهبه فيظهر القاضي بطلان ما خالف ما ذكر وإن لم يرفع إليه بنحو نقضته أو أبطلته. تنبيه: نقل العراقي وابن الصلاح الاجماع على أنه لا يجوز الحكم، بخلاف الراجح في المذهب، وصرح السبكي بذلك في مواضع من فتاويه وأطال وجعل ذلك من الحكم – بخلاف ما أنزل الله – لان الله تعالى أوجب على المجتهدين أن يأخذوا بالراجح وأوجب على غيرهم تقليدهم فيما يجب عليهم العمل به. ونقل الجلال البلقيني عن والده أنه كان يفتي أن الحاكم إذا حكم بغير الصحيح من مذهبه نقض. وقال البرهان بن ظهيرة: وقضيته والحالة هذه أنه لا فرق بين أن يعضده اختيار لبعض المتأخرين أو بحث. تنبيه ثان: إعلم أن المعتمد في المذهب للحكم والفتوى ما اتفق عليه الشيخان، كما جزم به النووي


[ 268 ]

فالرافعي فما رجحه الاكثر فالاعلم فالاورع. قال شيخنا: هذا ما أطلق عليه محققو المتأخرين والذي أوصى باعتماده مشايخنا، وقال السمهودي: ما زال مشايخنا يوصوننا بالافتاء بما عليه الشيخان وأن نعرض عن أكثر ما خولفا به. وقال شيخنا ابن زياد: يجب علينا في الغالب ما رجحه الشيخان وإن نقل عن الاكثرين خلافه (ولا يقضي) القاضي أي لا يجوز له القضاء (بخلاف علمه) وإن قامت به بينة كما إذا شهدت برق أو نكاح أو ملك من يعلم حريته أو بينونتها أو عدم ملكه لانه قاطع ببطلان الحكم به حينئذ والحكم بالباطل محرم (ويقضي) أي


[ 269 ]

القاضي ولو قاضي ضرورة على الاوجه (بعلمه) إن شاء: أي بظنه المؤكد الذي يجوز له الشهادة مستندا إليه وإن استفاد قبل ولايته. نعم لا يقضي به في حدود أو تعزير لله تعالى كحد الزنا أو سرقة أو شرب لندب الستر في أسبابها. أما حدود الآدميين فيقضي فيها به سواء المال والقود وحد القذف. وإذا حكم بعلمه لا بد أن يصرح بمستنده فيقول علمت أن له عليك ما ادعاه وقضيت أو حكمت عليك بعلمي. فإن ترك أحد هذين اللفظين لم ينفذ حكمه كما قاله الماوردي وتبعوه. (ولا) يقضي لنفسه ولا (لبعض) من أصله وفرعه ولا لشريكه في المشترك


[ 270 ]

ويقضي لكل منهم غيره من إمام وقاض آخر ولو نائبا عنه دفعا للتهمة (ولو رأى) قاض وكذا شاهد (ورقة فيها حكمه) أو شهادته (لم يعمل به) في إمضاء حكم ولا أداء شهادة (حتى يتذكر) ما حكم أو شهد به لامكان التزوير ومشابهة الخط ولا يكفي تذكره أن هذا خطه فقط. وفيهما وجه إن كان الحكم والشهادة مكتوبين في ورقة مصونة عندهما ووثق بأنه خطه ولم يداخله فيه ريبة أنه يعمل به (وله) أي الشخص (حلف على استحقاق) حق له على


[ 271 ]

غيره أو أدائه لغيره (إعتمادا) على إخبار عدل و (على خط) نفسه على المتعمد وعلى خط مأذونه ووكيله وشريكه و (مورثه إن وثق بأمانته) بأن علم منه أنه لا يتساهل في شئ من حقوق الناس إعتضادا بالقرينة. تنبيه: والقضاء الحاصل على أصل كاذب ينفذ ظاهرا لا باطنا فلا يحل حراما ولا عكسه. فلو حكم


[ 272 ]

بشاهدي زور بظاهر العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنا سواء المال والنكاح. أما المرتب على أصل صادق فينفذ القضاء فيه باطنا أيضا قطعا. وجاء في الخبر: أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. وفي شرح المنهاج لشيخنا: ويلزم المرأة المحكوم عليها بنكاح كاذب الهرب بل والقتل وإن قدرت عليه كالصائل على البضع ولا نظر لكونه يعتقد الاباحة، فإن أكرهت فلا إثم (والقضاء على غائب) عن البلد وإن كان في غير عمله


[ 273 ]

أو عن المجلس بتوار أو تعزز (جائز) في غير عقوبة الله تعالى (إن كان لمدع حجة ولم يقل هو) أي الغائب (مقر) بالحق بل ادعى جحوده وأنه يلزمه تسليمه له الآن وأنه مطالبه بذلك فإن قال هو مقر وأنا أقيم الحجة استظهارا مخافة أن ينكر أو ليكتب بها القاضي إلى قاضي بلد الغائب لم تسمع حجته لتصريحه بالمنافي لسماعها، إذ لا فائدة فيها مع الاقرار نعم لو كان للغائب مال حضر وأقام البينة على دينه لا ليكتب القاضي به إلى حاكم بلد الغائب، بل ليوفيه منه فتسمع وإن قال هو مقر وتسمع أيضا إن أطلق (ووجب) إن كانت الدعوى بدين


[ 274 ]

أو عين أو بصحة عقد أو إبراء كأن أحال الغائب على مدين له حاضر فادعى إبراءه (تحليفه) أي المدعي يمين الاستظهار إن لم يكن الغائب متواريا ولا متعززا (بعد) إقامة (بنية أن الحق) في الصورة الاولى ثابت (في ذمته) إلى الآن احتياطا للمحكوم عليه لانه لو حضر لربما ادعى بما يبرئه. ويشترط مع ذلك أن يقول أنه يلزمه تسليمه إلي وأنه لا يعلم في شهوده قادحا كفسق وعداوة. قال شيخنا في شرح المنهاج، وظاهر كما قال البلقيني أن هذا لا يأتي في الدعوى بعين بل يحلف فيها على ما يليق بها وكذا نحو الابراء، أما لو كان الغائب متواريا أو متعززا فيقضي عليهما بلا يمين لتقصيرهما قال بعضهم: لو كان للغائب وكيل حاضر لم يكن قضاء على غائب ولم يجب


[ 275 ]

يمين (كما لو ادعى) شخص (على) نحو (صبي) لا ولي له (وميت) ليس له وارث خاص حاضر فإنه يحلف لما مر. أما لو كان لنحو الصبي ولي خاص أو للميت وارث خاص حاضر كامل إعتبر في وجوب التحليف طلبه، فإن سكت عن طلبها لجهل عرفه الحاكم ثم إن لم يطلبها قضى عليه بدونها. فرع: لو ادعى وكيل الغائب على غائب أو نحو صبي أو ميت فلا تحليف بل يحكم بالبينة لان الوكيل لا


[ 276 ]

يتصور حلفه على استحقاقه ولا على أن موكله يستحقه ولو وقف الامر إلى حضور الموكل لتعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء. ولو حضر الغائب وقال للوكيل أبرأني موكلك أو وفيته فأخر الطلب إلى حضوره ليحلف لي أنه ما أبرأني لم يجب. وأمر بالتسليم له ثم يثبت الابراء بعد إن كان له به حجة لانه لو وقف لتعذر الاستيفاء بالوكلاء. نعم. له تحليف الوكيل إذا ادعى عليه علمه بنحو الابراء أنه لا يعلم أن موكله أبرأه مثلا لصحة هذه الدعوى عليه (وإذا ثبت) عند حاكم (مال على الغائب) أو الميت وحكم به (وله مال) حاضر في عمله أو دين ثابت على حاضر


[ 277 ]

في عمله (قضاه) الحاكم (منه إذا طلبه المدعي) لان الحاكم يقوم مقامه ولو باع قاض مال غائب في دينه فقدم وأبطل الدين بإثبات إيفائه أو بنحو فسق شاهد إسترد من الخصم ما أخذه وبطل البيع للدين على الاوجه خلافا للروياني (وإلا) يكن له مال في عمله ولم يحكم (فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب أجابه) وجوبا وإن كان المكتوب إليه قاضي ضرورة مسارعة بقضاء حقه (فينهي إليه سماع بينته) ثم إن عدلها لم يحتج المكتوب إليه إلى تعديلها وإلا احتاج إليه ليحكم بها ثم يستوفي الحق وخرج بها علمه فلا يكتب به لانه شاهد


[ 278 ]

الآن لا قاض. ذكره في العدة وخالفه السرخسي واعتمده البلقيني لان علمه كقيام البينة وله على الاوجه أن يكتب سماع شاهد واحد ليسمع المكتوب إليه شاهدا آخر أو يحلفه ويحكم له (أو) ينهي إليه (حكما) إن حكم (ليستوفي) الحق لان الحاجة تدعو إلى ذلك (والانهاء أن يشهد) ذكرين (عدلين بذلك) أي بما جرى عنده من ثبوت أو حكم ولا يكفي غير رجلين ولو في مال أو هلال رمضان. ويستحب كتاب به يذكر فيه ما يتميز به


[ 279 ]

المحكوم عليه من إسم أو نسب وأسماء الشهود وتاريخه والانهاء بالحكم من الحاكم يمضي مع قرب المسافة وبعدها وسماع البينة لا يقبل إلا فوق مسافة العدوى. إذ يسهل إحضارها مع القرب وهي التي يرجع منها مبكرا إلى محله ليلا فلو تعسر إحضار البينة مع القرب بنحو مرض قبل الانهاء. فرع: قال القاضي وأقره لو حضر الغريم وامتنع من بيع ماله الغائب لوفاء دينه به عند الطلب ساغ للقاضي


[ 280 ]

بيعه لقضاء الدين وإن لم يكن المال بمحل ولايته، وكذا إن غاب بمحل ولايته كما ذكره التاج السبكي والغزي وقالا بخلاف ما لو كان بغير محل ولايته لانه لا يمكن نيابته عنه في وفاء الدين حينئذ وحاصل كلامهما جواز البيع إذا كان هو أو ماله في محل ولايته ومنعه إذا خرجا عنها. مهمة: لو غاب إنسان من غير وكيل وله مال حاضر فأنهى إلى الحاكم أنه إن لم يبعه اختل معظمه لزمه بيعه إن تعين طريقا لسلامته وقد صرح الاصحاب بأن القاضي إنما يتسلط على أموال الغائبين إذا أشرفت على


[ 281 ]

الضياع أو مست الحاجة إليها في استيفاء حقوق ثبتت على الغائب وقالوا ثم في الضياع تفصيل فإن امتدت الغيبة وعسرت المراجعة قبل وقوع الضياع ساغ التصرف وليس من الضياع اختلال لا يؤدي لتلف المعظم ولم يكن ساريا لامتناع بيع مال الغائب لمجرد المصلحة والاختلال المؤدي لتلف المعظم ضياع، نعم الحيوان يباع لمجرد تطرق اختلال إليه. لحرمة الروح ولانه يباع على مالكه بحضرته إذا لم ينفق عليه ولو نهي عن التصرف في ماله امتنع إلا في الحيوان. فرع: يحبس الحاكم الآبق إذا وجده انتظارا لسيده فإن أبطأ سيده باعه الحاكم وحفظ ثمنه فإذا جاء سيده فليس له غير الثمن.


[ 283 ]

باب الدعوى والبينات الدعوى لغة، الطلب وألفها للتأنيث وشرعا: إخبار عن وجوب حق على غيره عند حاكم. وجمعها دعاوي بفتح الواو وكسرها كفتاوى. والبينة شهود سموا بها لان بهم يتبين الحق وجمعوا لاختلاف أنواعهم. والاصل فيها خبر الصحيحين: ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم لكن اليمين على


[ 284 ]

المدعى عليه. وفي رواية: البينة على المدعي واليمين على من أنكر (المدعي من خالف قوله الظاهر) وهو براءة الذمة (والمدعى عليه من وافقه) أي الظاهر. وشرطهما تكليف والتزام للاحكام فليس الحربي ملتزما للاحكام بخلاف الذمي. ثم إن كانت الدعوى قودا أو حد قذف أو تعزيرا وجب رفعها إلى القاضي ولا يجوز للمستحق


[ 285 ]

الاستقلال باستيفائها لعظم الخطر فيها وكذا سائر العقود والفسوخ كالنكاح والرجعة وعيب النكاح والبيع. واستثنى الماوردي من بعد عن السلطان فله استيفاء حد قذف أو تعزير (وله) أي للشخص (بلا خوف فتنة) عليه أو على غيره (أخذ ماله) إستقلالا للضرورة (من) مال مدين له مقر (مماطل) به أو جاحد له أو متوار أو متعزز وإن


[ 286 ]

كان على الجاحد بينة أو رجا إقراره لو رفعه للقاضي لاذنه (ص) لهند لما شكت إليه شح أبي سفيان أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف ولان في الرفع للقاضي مشقة ومؤنة وإنما يجوز له الاخذ من جنس حقه ثم عند تعذر جنسه يأخذ غيره. ويتعين في أخذ غير الجنس تقديم النقد على غيره ثم إن كان المأخوذ من جنس ماله يتملكه ويتصرف فيه بدلا عن حقه فإن كان من غير جنسه فيبيعه الظافر بنفسه أو مأذونه للغير لا لنفسه إتفاقا ولا لمحجوره لامتناع تولي الطرفين وللتهمة. هذا إن لم يتيسر علم القاضي به لعدم علمه ولا بينة أو مع أحدهما لكنه يحتاج لمؤنة ومشقة وإلا اشترط إذنه ولا ببيعه إلا بنقد البلد (ثم إن كان جنس حقه تملكه) وإلا اشترط جنس حقه وملكه


[ 287 ]

ولو كان المدين محجورا عليه بفلس أو ميتا وعليه دين لم يأخذ إذ قدر حصته بالمضاربة إن علمها وإلا احتاط وله الاخذ من مال غريم غريمه إن لم يظفر بمال الغريم وجحد غريم الغريم أو ماطل وإذا جاز الاخذ ظفرا جاز له كسر باب أو قفل ونقب جدار للمدين إن تعين طريقا للوصول إلى الاخذ وإن كان معه بينة فلا يضمنه كالصائل وإن خاف فتنة أي مفسدة تفضي إلى محرم كأخذ ماله لو اطلع عليه وجب الرفع إلى القاضي أو نحوه لتمكنه من الخلاص به ولو كان الدين على غير ممتنع من الاداء طالبه ليؤدي ما عليه فلا يحل أخذ شئ له لان له الدفع من


[ 288 ]

أي ماله شاء فإن أخذ شيئا لزمه رده وضمنه إن تلف ما لم يوجد شرط التقاص. فرع: له استيفاء دين له على آخر جاحد له بشهود دين آخر له عليه قضى من غير علمهم وله جحد من جحده إذا كان له على الجاحد مثل ماله عليه أو أكثر فيحصل التقاص للضرورة فإن كان له دون ما للآخر عليه جحد من حقه بقدره (وشرط للدعوى) أي لصحتها حتى تسمع وتحوج إلى جواب (بنقد) خالص أو مغشوش


[ 289 ]

(أو دين) مثلي أو متقوم (ذكر جنس) من ذهب أو فضة (ونوع) وصحة وتكسر إن اختلف بهما غرض (وقدر) كمائة درهم فضة خالصة أو مغشوشة أشرفية أطالبه بها الآن لان شرط الدعوى أن تكون معلومة وما علم وزنه كالدينار لا يشترط التعرض لوزنه ولا يشترط ذكر القيمة في المغشوش ولا تسمع دعوى دائن مفلس ثبت فلسه أنه وجد مالا حتى يبين سببه كإرث واكتساب وقدره (و) في الدعوى (بعين) تنضبط بالصفات كحبوب وحيوان


[ 290 ]

ذكر (صفة) بأن يصفها المدعي بصفات سلم ولا يجب ذكر القيمة فإن تلفت العين وهي متقومة وجب ذكر القيمة مع الجنس كعبد قيمته كذا (و) في الدعوى (بعقار) ذكر (جهة) ومحلة (وحدود) أربعة فلا يكفي ذكر ثلاثة منها إذا لم يعلم إلا بأربعة فإن علم بواحد منها كفى بل لو أغنت شهرته عن تحديده لم يجب (و) في الدعوى (بنكاح) على امرأة ذكر صحته وشروطه من نحو (ولي وشاهدين عدول) ورضاها إن شرط بأن كانت غير مجبرة فلا يكفي


[ 291 ]

فيه الاطلاق فإن كانت الزوجة أمة وجب ذكر العجز عن مهر حرة وخوف العنت وأنه ليس تحته حرة (و) في الدعوى (بعقد مالي) كبيع وهبة ذكر صحته ولا يحتاج إلى تفصيل كما في النكاح لانه أحوط حكما منه (وتلغو) الدعوى (بتناقض) فلا يطلب من المدعى عليه جوابها (كشهادة خالفت) الدعوى كأن ادعى ملكا بسبب فذكر الشاهد سببا آخر فلا تسمع لمنافاتها الدعوى وقضيته أنه لو أعادها على وفق الدعوى قبلت وبه صرح الحضرمي


[ 292 ]

واقتضاه كلام غيره ولا تبطل الدعوى بقوله شهودي فسقة أو مبطلون فله إقامة بينة أخرى والحلف (ومن قامت عليه بينة) بحق (ليس له تحليف المدعي) على استحقاق ما ادعاه بحق لانه تكليف حجة بعد حجة فهو كالطعن في الشهود نعم له تحليف المدين مع البينة بإعساره لجواز أن له مالا باطنا ولو ادعى خصمه مسقطا له كأداء له أو إبراء منه أو شرائه منه فيحلف على نفي ما ادعاه الخصم لاحتمال ما يدعيه وكذا لو ادعى خصمه عليه علمه بفسق


[ 293 ]

شاهده أو كذبه ولا يتوجه حلف على شاهد أو قاض ادعى كذبه قطعا لانه يؤدي إلى فساد عام. ولو نكل عن هذه اليمين حلف المدعى عليه وبطلت الشهادة (وإذا) طلب الامهال من قامت عليه البينة (أمهله) القاضي وجوبا لكن بكفيل وإلا فبالترسيم عليه إن خيف هربه (ثلاثة) من الايام (ليأتي بدافع) من نحو أداء أو إبراء ومكن من سفره ليحضره إن لم تزد المدة على الثلاث لانها لا يعظم الضرر فيها (ولو ادعى رق بالغ) عاقل مجهول النسب


[ 294 ]

(فقال أنا حر أصالة) ولم يكن قد أقر له بالملك قبل وهو رشيد (حلف) فيصدق بيمينه وإن استخدمه قبل إنكاره وجرى عليه البيع مرارا أو تداولته الايدي لموافقته الاصل وهو الحرية ومن ثم قدمت بينة الرق على بينة الحرية لان الاولى معها زيادة علم بنقلها عن الاصل وخرج بقولي أصالة ما لو قال أعتقتني، أو أعتقني من باعني لك فلا يصدق إلا ببينة وإذا ثبتت حريته الاصلية بقوله رجع مشتريه على بائعه بثمنه وإن أقر له بالملك لانه بناه على ظاهر


[ 295 ]

اليد (أو) ادعى رق (صبي) أو مجنون كبير (ليس في يده) وكذبه صاحب اليد (لم يصدق إلا بحجة) من بينة أو علم قاض أو يمين مردودة لان الاصل عدم الملك. فلو كان الصبي بيده أو بيد غيره وصدقه صاحب اليد حلف لخطر شأن لحرية ما لم يعرف لقطه ولا أثر لانكاره إذا بلغ لان اليد حجة فإن عرف لقطه لم يصدق إلا ببينة. فرع: لا تسمع الدعوى بدين مؤجل إذ لم يتعلق بها إلزام ومطالبة في الحال ويسمع قول البائع المبيع وقف وكذا ببينة. إن لم يصرح حال البيع بملكه وإلا سمعت دعواه لتحليف المشتري أنه باعه وهو ملكه.


[ 297 ]

فصل في جواب الدعوى وما يتعلق به (إذا أقر المدعى عليه ثبت الحق) بلا حكم (وإن سكت عن الجواب أمره القاضي به) وإن لم يسأل المدعي (فإن سكت فكمنكر) فتعرض عليه اليمين، (فإن سكت) أيضا ولم يظهر سببه (فنأكل) فيحلف المدعي وإن أنكر اشترط إنكار ما ادعى عليه وأجزائه إن تجزأ (فإن ادعى) عليه (عشرة) مثلا (لم يكف) في الجواب (لا تلزمني) العشرة (حتى يقول ولا بعضها وكذا يحلف) إن توجهت اليمين عليه لان مدعيها مدع لكل جزء منها فلا


[ 298 ]

بد أن يطابق الانكار واليمين دعواه، فإن حلف على نفي العشرة واقتصر عليه فنأكل عما دونها فيحلف المدعي على استحقاق ما دون العشرة ويأخذه لان النكول عن اليمين كالاقرار (أو) ادعى (مالا) مضافا لسبب كأقرضتك كذا (كفاه) في الجواب (لا تستحق) أنت (علي شيئا) أو لا يلزمني تسليم شئ إليك، ولو اعترف به وادعى مسقطا طولب بالبينة. ولو ادعى عليه وديعة فلا يكفي في الجواب لا يلزمني التسليم بل لا تستحق علي شيئا ويحلف كما أجاب ليطابق الحلف الجواب. ولو ادعى عليه مالا فأنكر وطلب منه اليمين فقال لا أحلف وأعطى المال لم يلزمه قبوله من غير إقرار وله تحليفه.


[ 299 ]

فرع: لو ادعى عليه عينا فقال ليست لي أو هي لرجل لا أعرفه أو لابني الطفل أو وقف على الفقراء أو مسجد كذا وهو ناظر فيه فالاصح أنه لا تنصرف الخصومة عنه ولا تنزع العين منه بل يحلفه المدعي أنه لا يلزمه التسليم للعين رجاء أن يقر أو ينكل فيحلف المدعي وتثبت له العين في الاولين والبدل للحيلولة في البقية أو يقيم


[ 300 ]

المدعي بينة أنها له. ولو أصر المدعى عليه على سكوت عن جواب للدعوى فنأكل إن حكم القاضي بنكوله (وإذا ادعيا) أي إثنان أي كل منهما (شيئا في يد ثالث) لم يسنده إلى أحدهما قبل البينة ولا بعدها (وأقاما) أي كل منهما (بينة) به (سقطتا) لتعارضهما ولا مرجح فكان كما لا بينة فإن أقر ذو اليد لاحدهما قبل البينة أو بعدها رجحت بينته (أو) ادعيا شيئا (بيدهما) وأقاما بينتين (فهو لهما) إذ ليس أحدهما أولى به من الآخر أما إذا لم يكن


[ 301 ]

بيد أحد وشهدت بينة كل له بالكل فيجعل بينهما. ومحل التساقط إذا وقع تعارض حيث لم يتميز أحدهما بمرجح وإلا قدم وهو بيان نقل الملك ثم اليد فيه للمدعي أو لمن أقر له به أو انتقل له منه ثم شاهدان مثلا على شاهد ويمين ثم سبق ملك أحدهما بذكر زمن أو بيان أنه ولد في ملكه مثلا ثم بذكر سبب الملك (أو) ادعيا شيئا (بيد أحدهما) تصرفا أو إمساكا (قدمت بينته) من غير يمين وإن تأخر تاريخها أو كانت شاهدا ويمينا وبينة


[ 302 ]

الخارج شاهدين أو لم تبين سبب الملك من شراء وغيره ترجيحا لبينة صاحب اليد بيده ويسمى الداخل وإن حكم بالاولى قبل قيام الثانية أو بينت بينة الخارج سبب ملكه. نعم لو شهدت بينة الخارج بأنه أشتراه منه أو من بائعه مثلا قدمت لبطلان اليد حينئذ ولو أقام الخارج بينة بأن الداخل أقر له بالملك قدمت ولم تنفعه بينته بالملك إلا إن ذكرت إنتقالا ممكنا من المقر له إليه (هذا إن أقامها بعد بينة الخارج) بخلاف ما لو أقامها قبلها لانها إنما تسمع بعدها لان الاصل في جانبه اليمين فلا يعدل عنها ما دامت كافية.


[ 303 ]

فروع: لو أزيلت يده ببينة ثم أقام بينة بملكه مستندا إلى ما قبل إزالة يده واعتذر بغيبة شهوده أو جهله بهم سمعت وقدمت إذ لم تزل إلا لعدم الحجة وقد ظهرت فينقض القضاء، لكن لو قال الخارج هو ملكي اشتريته منك فقال الداخل بل هو ملكي وأقاما بينتين بما قالا قدم الخارج لزيادة علم بينته بانتقال الملك وكذا قدمت بينته لو شهدت أنه ملكه وإنما أودعه أو أجره أو أعاره للداخل أو أنه أو بائعه غصبه منه وأطلقت بينة الداخل. ولو تداعيا دابة أو أرضا أو دارا لاحدهما متاع فيها أو الحمل أو الزرع قدمت بينته على البينة الشاهدة بالملك المطلق


[ 304 ]

لانفراده بالانتفاع فاليد له فإن اختص المتاع ببيت فاليد له فيه فقط. ولو اختلف الزوجان في أمتعة البيت ولو بعد الفرقة ولا بينة ولا اختصاص لاحدهما بيد فلكل تحليف الآخر، فإذا حلفا جعل بينهما وإن صلح لاحدهما فقط أو حلف أحدهما قضى له كما لو اختص باليد وحلف (وترجح) البينة (بتاريخ سابق) فلو شهدت البينة لاحد المتنازعين في عين بيدهما أو يد ثالث أو لا بيد أحد بملك من سنة إلى الآن وشهدت بينة أخرى للآخر بملك لها


[ 305 ]

من أكثر من سنة إلى الآن كسنتين فترجع بينة ذي الاكثر لانها أثبتت الملك في وقت لا تعارضها فيه الاخرى ولصاحب التاريخ السابق أجرة وزيادة حادثة من يوم ملكه بالشهادة لانها فوائد ملكه وإذا كان لصاحب متأخرة التاريخ يد لم يعلم أنها عادية قدمت على الاصح. ولو ادعى في عين بيد غيره أنه اشتراها من زيد من منذ سنتين فأقام الداخل بينة أنه اشتراها من زيد من منذ سنة قدمت بينة الخارج لانها أثبتت أن يد الداخل عادية بشرائه من زيد ما زال ملكه عنه ولو اتحد تاريخهما أو أطلقتا أو إحداهما قدم ذو اليد ولو شهدت بينة بملك أمس ولم تتعرض للحال لم تسمع كما لا تسمع دعواه بذلك حتى نقول ولم يزل ملكه أولا نعلم له مزيلا أو تبين سببه كأن تقول


[ 306 ]

اشتراها من خصمه أو أقر له به أمس لان دعوى الملك السابق لا تسمع فكذا البينة. ولو قال من بيده عين اشتريتها من فلان من منذ شهر وأقام به بينة فقالت زوجة البائع منه هي ملكي تعوضتها منه من منذ شهرين وأقامت به بينة، فإن ثبت أنها بيد الزوج حال التعويض حكم بها لها وإلا بقيت بيد من هي بيده الآن (و) ترجح (بشاهدين) وشاهد وامرأتين وأربع نسوة فيما يقبلن فيه (على شاهد مع يمين) للاجماع على قبول من ذكر دون الشاهد واليمين (لا) ترجح (بزيادة) نحو عدالة أو عدد (شهود) بل تتعارضان لان ما قدره الشرع لا يختلف بالزيادة


[ 307 ]

والنقص ولا برجلين على رجل وامرأتين ولا على أربع نسوة (ولا) بينة (مؤرخة على) بينة (مطلقة) لم تتعرض لزمن الملك حيث لا يد لاحدهما واستويا في أن لكل شاهدين ولم تبين الثانية سبب الملك فتتعارضان. نعم لو شهدت إحداهما بدين والاخرى بالابراء رجحت بينة الابراء لانها إنما تكون بعد الوجوب. والاصل عدم تعدد الدين ولو شهدت بينة بألف وبينة بألفين يجب ألفان ولو أثبت إقرار زيد له بدين فأثبت زيد إقراره بأنه لا شئ له عليه لم يؤثر لاحتمال حدوث الدين بعد.


[ 308 ]

فروع: لو أقام بينة بملك دابة أو شجرة من غير تعرض بملك سابق بتاريخ لم يستحق ثمرة ظاهرة ولا ولدا منفصلا عند الشهادة ويستحق الحمل والثمر غير الظاهر عندها تبعا للام والاصل، فإذا تعرضت لملك سابق على حدوث ما ذكر فيستحقه ولو اشترى شيئا فأخذ منه بحجة غير إقرار رجع على بائعه الذي لم يصدقه ولا أقام بينة بأنه اشتراه من المدعي ولو بعد الحكم به بالثمن بخلاف ما لو أخذ منه بإقراره أو بحلف المدعي بعد


[ 309 ]

نكوله لانه المقصر ولو اشترى قنا وأقر بأنه قن ثم ادعى بحرية الاصل وحكم له بها رجع بثمنه على بائعه ولم يضر اعترافه برقه لانه معتمد فيه على الظاهر. ولو ادعى شراء عين فشهدت بينة بملك مطلق قبلت لانها شهدت بالمقصود ولا تناقض على الاصح. وكذا لو ادعى ملكا مطلقا فشهدت له به مع سببه لم يضر وإن ذكر سببا وهم سببا آخر ضر ذلك للتناقض بين الدعوى والشهادة. فرع: لو باع دارا ثم قامت بينة حسبة أن أباه وقفها عليه ثم على أولاده انتزعت من المشتري ورجع بثمنه على البائع ويصرف له ما حصل في حياته من الغلة إن صدق البائع الشهود وإلا وقفت، فإن مات مصرا صرفت


[ 310 ]

لاقرب الناس إلى الواقف. قاله الرافعي كالقفال. فرع: تجوز الشهادة بل تجب إن انحصر الامر فيه بملك الآن للعين المدعاة استصحابا لما سبق من إرث وشراء وغيرهما إعتمادا علي الاستصحاب لان الاصل البقاء وللحاجة لذلك وإلا لتعسرت الشهادة على الاملاك السابقة إذا تطاول الزمن ومحله إن لم يصرح بأنه اعتمد الاستصحاب وإلا لم تسمع عند الاكثرين (ولو ادعيا) أي كل من اثنين (شيئا بيد ثالث) فإن أقر به لاحدهما سلم إليه وللآخر تحليفه (و) إن ادعيا شيئا على ثالث و (أقام كل) منهما (بينة أنه اشتراه) منه وسلم ثمنه (فإن اختلف تاريخهما حكم للاسبق) منهما تاريخا لان معها زيادة علم


[ 311 ]

(وإلا) يختلف تاريخهما بأن أطلقتا أو إحداهما أو أرختا بتاريخ متحد (سقطتا) لاستحالة أعمالهما ثم إن أقر لهما أو لاحدهما فواضح، وإلا حلف لكل يمينا ويرجعان عليه بالثمن لثبوته بالبينة ولو قال كل منهما والمبيع في يد المدعى عليه بعتكه بكذا وهو ملكي وإلا لم تسمع الدعوى فأنكر وأقاما بينتن بما قالاه وطلباه بالثمن فإن اتحد تاريخهما سقطتا وإن اختلف لزمه الثمنان. ولو قال أجرتك البيت بعشرة مثلا فقال بل أجرتني جميع الدار بعشرة وأقاما بينتين تساقطتا فيتحالفان ثم يفسخ العقد. تنبيه: لا يكفي في الدعوى كالشهادة ذكر الشراء إلا مع ذكر ملك البائع إذا كان غير ذي يد أو مع ذكر يده


[ 312 ]

إذا كانت اليد له ونزعت منه تعديا (ولو ادعوا) أي الورثة كلهم أو بعضهم (مالا) عينا أو دينا أو منفعة (لمورثهم) الذي مات (وأقاموا شاهدا) بالمال (وحلف) معه بعضهم على استحقاق مورثه الكل (أخذ نصيبه ولا يشارك فيه) من جهة البقية لان الحجة تمت في حقه وحده وغيره قادر عليها بالحلف وأن يمين الانسان لا يعطى بها غيره فلو كان بعض الورثة صبيا أو غائبا حلف إذا بلغ أو حضر وأخذ نصيبه بلا إعادة دعوى وشهادة ولو أقر بدين لميت فأخذ بعض ورثته قدر حصته ولو بغير دعوى ولا إذن من حاكم فللبقية مشاركته ولو أخذ أحد شركائه في دار أو منفعتها ما يخصه من أجرتها لم يشاركه فيه بقية الورثة كما قاله شيخنا.


[ 313 ]

فصل في الشهادات جمع شهادة. وهي إخبار الشخص بحق على غيره بلفظ خاص. (الشهادة لرمضان) أي لثبوته بالنسبة للصوم فقط. (رجل) واحد لا امرأة وخنثى (ولزنا) ولواط (أربعة) من الرجال يشهدون أنهم رأوه أدخل ملكفا


[ 314 ]

مختارا حشفته في فرجها بالزنا. قال شيخنا: والذي يتجه أنه لا يشترط ذكر زمان ومكان إلا ن ذكره أحدهم فيجب سؤال الباقين لاحتمال وقوع تناقض يسقط الشهادة ولا ذكر رأينا كالمرود في المكحلة بل يسن ويكفي للاقرار به إثنان كغيره (ولمال) عينا كان أو دينا أو منفعة (وما قصد به مال) من عقد مالي أو حق مالي (كبيع) وحوالة وضمان ووقف وقرض وإبراء (ورهن) وصلح وخيار وأجل (رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين) ولا يثبت


[ 315 ]

شئ بامرأتين ويمين (ولغير ذلك) أي ما ليس بمال ولا يقصد منه مال من عقوبة لله تعالى كحد شرب وسرقة أو لآدمي كقود وحد قدف ومنع إرث بأن ادعى بقية الورثة على الزوجة أن الزوج خالعها حتى لا ترث منه (ولما يظهر للرجال غالبا كنكاح) ورجعة (وطلاق) منجز أو معلق وفسخ نكاح وبلوغ (وعتق) وموت وإعسار


[ 316 ]

وقراض ووكالة وكفالة وشركة ووديعة ووصاية وردة وانقضاء عدة بأشهر ورؤية هلال غير رمضان وشهادة على شهادة وإقرار بما لا يثبت إلا برجلين (رجلان) لا رجل وامرأتان لما روى مالك عن الزهري: مضت السنة من رسول الله (ص) أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق وقيس بالمذكورات غيرها مما يشاركها في المعنى (ولما يظهر للنساء) غالبا (كولادة وحيض) وبكارة وثيابة ورضاع وعيب امرأة تحت


[ 317 ]

ثيابها (أربع) من النساء (أو رجلان أو رجل وامرأتان) لما روى ابن أبي شيبة عن الزهري: مضت السنة بأنه يجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة النساء وعيوبهن وقيس بذلك غيره ولا يثبت ذلك برجل ويمين. (وسئل) بعض أصحابنا عما إذا شهد رجلان أن فلانا بلغ عمره ست عشرة سنة فشهدت أربع نسوة أن فلانة يتيمة ولدت شهر مولده أو قبله أو بعده بشهر مثلا فهل يجوز تزويجها إعتمادا على قولهن أو لا يجوز إلا بعد ثبوت بلوغ نفسها برجلين.


[ 318 ]

(فأجاب) نفعنا الله به: نعم يثبت ضمنا بلوغ من شهدن بولادتها كما يثبت النسب ضمنا بشهادة النساء بالولادة فيجوز تزويجها بإذنها للحكم ببلوغها شرعا. اه‍. فرع: لو أقامت شاهدا بإقرار زوجها بالدخول كفى حلفها معه ويثبت المهر أو أقامه هو على إقرارها به لم يكف الحلف معه لان قصده ثبوت العدة والرجعة وليسا بمال (وشرط في شاهد تكليف وحرية ومروءة وعدالة) وتيقظ فلا تقبل من صبي ومجنون ولا ممن به رق لنقصه ولا من غير ذي مروءة لانه لا حياء له ومن لا حياء له يقول ما شاء وهي توقى الادناس عرفا فيسقطها الاكل والشرب في السوق والمشي فيه كاشفا رأسه أو بدنه لغير سوقي


[ 319 ]

وقبلة الحلية بحضرة الناس وإكثار ما يضحك بينهم أو لعب شطرنج أو رقص بخلاف قليل الثلاثة ولا من فاسق واختار جمع منهم الاذرعي والغزي وآخرون قول بعض المالكية إذا فقدت العدالة وعم الفسق قضى الحاكم


[ 320 ]

بشهادة الامثل فالامثل للضرورة والعدالة تتحقق (باجتناب) كل (كبيرة) من أنواع الكبائر كالقتل والزنا والقذف به وأكل الربا ومال اليتيم واليمين الغموس وشهادة الزور وبخس الكيل أو الوزن وقطع الرحم والفرار من الزحف بلا عذروعقوق الوالدين وغصب قدر ربع دينار وتفويت مكتوبة وتأخير زكاة عدوانا ونميمة


[ 321 ]

وغيرها من كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة (و) اجتناب (إصرار على صغيرة) أو صغائر


[ 322 ]

بأن لا تغلب طاعاته صغائره فمتى ارتكب كبيرة بطلت عدالته مطلقا. أو صغيرة أو صغائر داوم عليها أولا خلافا لمن فرق. فإن غلبت طاعته صغائره فهو عدل، ومتى استويا أو غلبت صغائره طاعاته فهو فاسق. والصغيرة كنظر


[ 323 ]

الاجنبية ولمسها ووطئ رجعية وهجر المسلم فوق ثلاث وبيع خمر ولبس رجل ثوب حرير وكذب لا حد فيه ولعن ولو لبهيمة أو كافر وبيع معيب لا ذكر عيب وبيع رقيق مسلم لكافر ومحاذاة قاضي الحاجهة الكعبة بفرجه


[ 324 ]

وكشف العورة في الخلوة عبثا ولعب بنرد لحصة النهي عنه وغيبة وسكوت عليها. ونقل بعضهم الاجماع على أنها كبيرة لما فيها من الوعيد الشديد محمول على غيبة أهل العلم وحملة القرآن لعموم البلوى بها، وهي ذكرك


[ 325 ]

– ولو نحو إشارة – غيرك المحصور المعين ولو عند بعض المخاطبين بما يكره عرفا. واللعب بالشطرنج بكسر


[ 326 ]

أوله وفتحه معجما ومهملا – مكروه إن لم يكن فيه شرط مال من الجانبين أو أحدهما أو تفويت صلاة ولو بنسيان بالاشتغال به أو لعب مع معتقد تحريمه وإلا فحرام، ويحمل ما جاء في ذمه من الاحاديث والآثار على ما ذكر


[ 327 ]

وتسقط مروءة من يداومه فترد شهادته وهو حرام عند الائمة الثلاثة مطلقا. ولا تقبل الشهادة من مغفل ومختل نظر ولا أصم في مسموع ولا أعمى في مبصر كما يأتي. ومن التيقظ ضبط ألفاظ المشهود عليه بحروفها من غير زيادة فيها ولا نقص. قال شيخنا: ومن ثم لا تجوز الشهادة بالمعنى. نعم: لا يبعد جواز التعبير بأحد الرديفين عن الآخر حيث لا إبهام (و) شرط في الشاهد أيضا (عدم تهمة) بجر نفع إليه أو إلى من لا تقبل شهادته له أو دفع


[ 328 ]

ضر عنه بها (فترد) الشهادة (لرقيقه) ولو مكاتبا ولغريم له مات وإن لم تسغرق تركته الديون بخلاف شهادته لغريمه الموسر وكذا المعسر قبل موته فتقبل لهما (و) ترد (لبعضه) من أصل وإن علا أو فرع له وإن سفل. (لا) ترد الشهادة (عليه) أي لا على أحدهما بشئ إذ لا تهمة. ولا على أبيه بطلاق ضرة أمه طلاقا بائنا وأمه تحته، أما


[ 329 ]

رجعي فتقبل قطعا. هذا كله في شهادة حسبة أو بعد دعوى الضرة. فإن ادعاه الاب لعدم نفقة لم تقبل شهادته للتهمة وكذا لو ادعته أمه. قال ابن الصلاح: لو ادعى الفرع على آخر بدين لموكله فأنكر فشهد به أبو الوكيل قبل وإن كان فيه تصديق ابنه. وتقبل شهادة كل من الزوجين والاخوين والصديقين للآخر (و) ترد الشهادة (بما هو محل تصرفه) كأن وكل أو أوصى فيه لانه يثبت بشهادته ولاية له على المشهود به نعم: لو شهد به بعد عزله ولم يكن خاصم قبله قبلت، وكذا لا تقبل شهادة وديع لمودعه ومرتهن لراهنه لتهمة بقاء يدهما. أما ما ليس وكيلا أو


[ 330 ]

وصيا فيه فتقبل. ومن حيل شهادة الوكيل ما لو باع فأنكر المشتري الثمنن أو اشترى فادعى أجنبي بالمبيع فله أن يشهد لموكله بأن له عليه كذا أو بأن هذا ملكه إن جاز له أن يشهد به للبائع ولا يذكر أنه وكيل وصوب الاذرعي حله باطنا لان فيه توصلا للحق بطريق مباح. وكذا لا تقبل ببراءة من ضمنه الشاهد أو أصله أو فرعه أو عبده لانه يدفع به الغرم عن نفسه أو عمن لا تقبل شهادة له (و) ترد الشهادة (من عدو) على عدوه عدواة دنيوية لا له. وهو


[ 331 ]

من يحزن بفرحه وعكسه. فلو عادى من يريد أن يشهد عليه وبالغ في خصومته فلم يجبه قبلت شهادته عليه. تنبيه: قال شيخنا ظاهر كلامه قبولها من ولد العدو ويوجه بأنه لا يلزم من عداوة الاب عداوة الابن. فائدة: حاصل كلام الروضة وأصلها أن من قذف آخر لا تقبل شهادة كل منهما على الآخر وإن لم يطلب المقذوف حده وكذا من ادعى على آخر أنه قطع عليه الطريق وأخذ ماله فلا تقبل شهادة أحدهما على الآخر. قال شيخنا: يؤخذ من ذلك أن كل من نسب آخر إلى فسق اقتضى وقوع عداوة بينهما فلا تقبل الشهادة من أحدهما


[ 332 ]

على الآخر. نعم يتردد النظر فيمن اغتاب آخر بمفسق يجوز له غيبته به وإن أثبت السبب المجوز لذلك. فرع: تقبل شهادة كل مبتدع لا نكفره ببدعته وإن سب الصحابة رضوان الله عليهم كما في الروضة


[ 333 ]

وادعى السبكي والاذرعي أنه غلط. (و) ترد (من مبادر) بشهادته قبل أن يسألها بعد الدعوى لانه متهم نعم لو أعادها في المجلس ولو بعد الاستشهاد قبلت (إلا) في شهادة حسبة وهي ما قصد بها وجه الله فتقبل قبل الاستشهاد ولو بلا دعوى (في حق مؤكد لله) تعالى وهو ما لا يتأثر برضا الآدمي (كطلاق) رجعي أو بائن (وعتق) واستيلاد ونسب وعفو عن قود وبقاء عدة وانقضائها وبلوغ وإسلام وكفر ووصية ووقف لنحو جهة عامة وحق


[ 334 ]

لمسجد وترك صلاة وصوم وزكاة بأن يشهد بتركها وتحريم رضاع ومصاهرة. تنبيه: إنما تسمع شهادة الحسبة عند الحاجة إليها فلو شهد إثنان أن فلانا أعتق عبده أو أنه أخو فلانة من الرضاع لم يكف حتى يقولا أنه يسترقه أو أنه يريد نكاحها. وخرج بقولي في حق لله تعالى حق الآدمي كقود وحد قذف وبيع فلا تقبل فيه شهادة الحسبة وتقبل في حد الزنا وقطع الطريق والسرقة (وتقبل) الشهادة (من فاسق بعد توبة) حاصلة قبل الغرغرة وطلوع الشمس من مغربها (وهي ندم) على معصية من حيث أنها معصية لا


[ 335 ]

لخوف عقاب ولو اطلع عليه أو لغرامة مال (ب‍) – شرط (إقلاع) عنها حالا إن كان متلبسا أو مصرا على معاودتها. ومن الاقلاع رد المغصوب (وعزم أن لا يعود) إليها ما عاش (وخروج عن ظلامة آدمي) من مال أو غيره فيؤدي الزكاة لمستحقيها ويرد المغصوب إن بقي وبدله إن تلف لمستحقه ويمكن مستحق القود وحد القذف من الاستيفاء أو يبرئه منه المستحق للخبر الصحيح: من كانت لاخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحله


[ 336 ]

اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، فإن كان له عمل يؤخذ منه بقدر مظلمته وإلا أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه وشمل العمل الصوم كما صرح به حديث مسلم خلافا لمن استثناه، فإذا تعذر رد الظلامة على المالك أو وارثه سلمها لقاض ثقة، فإن تعذر صرفها فيما شاء من المصالح عند انقطاع خبره بنية الغرم له إذا وجده فإن أعسر عزم على الاداء إذا أيسر فإن مات قبله انقطع الطلب عنه في الآخرة إن لم يعص بالتزامه. فالمرجو من فضل الله الواسع تعويض المستحق. ويشترط أيضا في صحة التوبة عن إخراج صلاة أو صوم أو وقتهما


[ 337 ]

قضاوهما وإن كثر وعن القذف أن يقول القاذف قذفي باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه وعن الغيبة أن يستحلها من المغتاب إن بلغته ولم يتعذر بموت أو غيبة طويلة وإلا كفى الندم والاستغفار له كالحاسد واشترط جمع متقدمون أنه لا بد في التوبة من كل معصية من الاستغفار أيضا واعتمده البلقيني. وقال بعضهم يتوقف في التوبة في الزنا على استحلال زوج المزني بها إن لم يخف فتنة، وإلا فليتضرع إلى الله تعالى في إرضائه عنه. وجعل بعضهم


[ 338 ]

الزنا مما ليس فيه حق آدمي فلا يحتاج فيه إلى الاستحلال والاوجه الاول. ويسن للزاني – ككل مرتكب معصية – الستر على نفسه بأن لا يظهرها ليحد أو يعزر لا أن يتحدث بها تفكها أو مجاهرة فإن هذا حرام قطعا، وكذا يسن لمن أقر بشئ من ذلك الرجوع عن إقراره به قال شيخنا: من مات وله دين لم يستوفه ورثته يكون هو


[ 339 ]

المطالب في الآخرة على الاصح (و) بعد (استبراء سنة) من حين توبة فاسق ظهر فسقه لانها قلبية وهو متهم لقبول شهادتهم وعود ولايته فاعتبر ذلك لتقوي دعواه، وإنما قدرها الاكثرون بسنة لان الفصول الاربعة في تهييج النفوس بشواتها أثرا بينا فإذا مضت وهو على حاله أشعر بذلك بحسن سريرته، وكذا لا بد في التوبة من خارم المروءة الاستبراء كما ذكره الاصحاب. فروع: لا يقدح في الشهادة جهله بفروض نحو الصلاة والوضوء اللذين يوءديهما ولا توقفه في المشهود به


[ 340 ]

إن عاد وجزم به فيعيد الشهادة ولا قوله لا شهادة لي في هذا إن قال نسيت أو أمكن حدوث المشهود به بعد قوله وقد اشتهرت ديانته ولا يلزم القاضي استفساره إن اشتهر ضبطه وديانته بل يسن كتفرقة الشهود وإلا لزم الاستفسار (وشرط لشهادة بفعل كزنا) وغصب ورضاع وولادة (إبصار) له مع فاعله فلا يكفي فيه السماع من الغير، ويجوز تعمد نظر فرج الزانيين لتحمل شهادة، وكذا امرأة تلد لاجلها (و) لشهادة (بقول كعقد) وفسخ وإقرار (هو) أي


[ 341 ]

إبصار (وسمع) لقائله حال صدوره فلا يقبل فيه أصم لا يسمع شيئا ولا أعمى في مرئي لانسداد طرق التمييز مع اشتباه الاصوات ولا يكفي سماع شاهد من وراء حجاب وإن علم صوته لان ما أمكن إدراكه بإحدى الحواس لا


[ 342 ]

يجوز أن يعمل فيه بغلبة ظن لجواز اشتباه الاصوات قال شيخنا: نعم لو علمه ببيت وحده وعلم أن الصوت ممن في البيت جاز اعتماد صوته وإن لم يره وكذا لو علم اثنين ببيت لا ثالث لهما وسمعهما يتعاقدان وعلم الموجب منهما من القابل لعلمه بمالك المبيع أو نحو ذلك فله الشهادة بما سمعه منهما. اه‍. ولا يصح تحمل شهادة على منتقبة إعتمادا على صوتها كما لا يتحمل بصير في ظلمة اعتمادا عليه لاشتباه الاصوات. نعم، لو سمعها


[ 343 ]

فتعلق بها إلى القاضي وشهد عليها جاز كالاعمى بشرط أن تكشف نقابها ليعرف القاضي صورتها. وقال جمع لا ينعقد نكاح منقبة إلا إن عرفها الشاهدان إسما ونسبا وصورة (وله) أي للشخص (بلا معارض شهادة على نسب) ولو من أم أو قبيلة (وعتق) ووقف وموت ونكاح (وملك بتسامع) أي استفاضة (من جمع يؤمن كذبهم) أي


[ 344 ]

تواطؤهم عليه لكثرتهم فيقع العلم أو الظن القوي بخبرهم ولا يشترط حريتهم ولا ذكورتهم ولا يكفي أن يقول سمعت الناس يقولون كذا بل يقول أشهد أنه ابنه مثلا (و) له الشهادة بلا معارض (على ملك به) أي بالتسامخ ممن ذكر (أو بيد وتصرف تصرف ملاك) كالسكنى والبناء والبيع والرهن والاجارة (مدة طويلة) عرفا فلا تكفي الشهادة بمجرد اليد لانها لا تستلزمه ولا بمجرد التصرف لانه قد يكون بنيابة ولا تصرف بمدة قصيرة نعم إن انضم


[ 345 ]

للتصرف استفاضة أن الملك له جازت الشهادة به وإن قصرت المدة ولا يكفي قول الشاهد رأيت ذلك سنين. واستثنوا من ذلك الرقيق فلا تجوز الشهادة بمجرد اليد والتصرف في المدة الطويلة إلا إن انضم لذلك السماع من ذي اليد أنه له كما في الروضة للاحتياط في الحرية وكثرة استخدام الاحرار واستصحاب لما سبق من نحو إرث وشراء وإن احتمل زواله للحاجة الداعية إلى ذلك ولان الاصل بقاء الملك، وشرط ابن أبي الدم في الشهادة بالتسامع أن لا يصرح بأن مستنده الاستفاضة، ومثلها الاستصحاب ثم اختار وتبعه السبكي وغيره أنه إن ذكره


[ 346 ]

تقوية لعلمه بأن جزم بالشهادة. ثم قال مستندي الاستفاضة أو الاستصحاب سمعت شهادته وإلا كأن قال شهدت بالاستفاضة بكذا فلا، خلافا للرافعي واحترز بقولي بلا معارض عما إذا كان في النسب مثلا طعن من بعض الناس لم تجز الشهادة بالتسامع لوجود معارض. تنبيه: يتعين على المؤدي لفظ أشهد فلا يكفي مرادفه كأعلم لانه أبلغ في الظهور ولو عرف الشاهد السبب كالاقرار هل له أن يشهد بالاستحقاق ؟ وجهان أشهرهما لا، كما نقله ابن الرفعة عن ابن أبي الدم. وقال ابن الصباغ كغيره تسمع وهو مقتضى كلام الشيخين (وتقبل شهادة على شهادة) مقبول شهادته (في غير عقوبة لله)


[ 347 ]

تعالى مالا كان أو غيره كعقد وفسخ وإقرار وطلاق ورجعة ورضاع وهلال رمضان ووقف على مسجد أو جهة عامة وقود وقذف بخلاف عقوبة لله تعالى. كحد زنا وشرب وسرقة وإنما يجوز التحمل (ب‍) – شروط (تعسر أداء أصل) بغيبة فوق مسافة العدوى أو خوف حبس من غريم وهو معسر أو مرض يشق معه حضوره وكذا بتعذره بموت أو جنون (و) ب‍ (- استرعائه) أي الاصل أي التماسه منه رعاية شهادته وضبطها حتى يؤديها عنه لان الشهادة


[ 348 ]

على الشهادة نيابة فاعتبر فيها إذن المنوب عنه أو ما يقوم مقامه (فيقول أنا شاهد بكذا) فلا يكفي أنا عالم به (وأشهدك) أو أشهدتك أو أشهد (على شهادتي) به فلو أهمل الاصل لفظ الشهادة فقال أخبرك أو أعلمك بكذا فلا يكفي كما لا يكفي ذلك في أداء الشهادة عند القاضي، ولا يكفي في التحمل سماع قوله لفلان على فلان كذا أو عندي شهادة بكذا (و) ب‍ (- تبيين فرع) عند الاداء (جهة تحمل) كأشهد أن فلانا شهد بكذا وأشهدني على شهادته


[ 349 ]

أو سمعته يشهد به عند قاض، فإذا لم يبين جهة التحمل ووثق الحاكم بعلمه لم يحب البيان فيكفي أشهد على شهادة فلان بكذا لحصول الغرض (وبتسميته) أي الفرع (إياه) أي الاصل تسمية تميزه وإن كان عدلا لتعرف عدالته، فإن لم يسمه لم يكف لان الحاكم قد يعرف جرحه لو سماه. وفي وجوب تسمية قاض شهد عليه وجهان، وصوب الاذرعي الوجوب في هذه الازمنة لما غلب على القضاة من الجهل والفسق. ولو حدث بالاصل عداوة أو فسق لم يشهد الفرع. فلو زالت هذه الموانع احتيج إلى تحمل جديد.


[ 350 ]

فرع: لا يصح تحمل النسوة ولو على مثلهن في نحو ولادة لان الشهادة مما يطلع عليه الرجال غالبا (ويكفي فرعان لاصلين) أي لكل منهما فلا يشترط لكل منهما فرعان، ولا تكفي شهادة واحد على هذا وواحد على آخر، ولا واحد على واحد في هلال رمضان. فرع: لو رجعوا عن الشهادة قبل الحكم منع الحكم أو بعده لم ينقض ولو شهدوا بطلاق بائن أو رضاع


[ 351 ]

محرم. وفرق القاضي بين الزوجين فرجعوا عن شهادتهم دام الفراق لان قولهما في الرجوع محتمل والقضاء لا يرد بمحتمل ويجب على الشهود حيث لم يصدقهم الزوج مهر مثل ولو قبل وطئ أو بعد إبراء الزوجة زوجها عن المهر لانه بدل البضع الذي فوتوه عليه بالشهادة إلا أن ثبت أن لا نكاح بينهما بنحو رضاع فلا غرم إذ لم يفوتوا شيئا ولو رجع شهود مال غرموا للمحكوم عليه البدل بعد غرمه لا قبله وإن قالوا أخطأنا موزعا عليهم بالسوية.


[ 352 ]

تتمة: قال شيخ مشايخنا زكريا كالغزي في تلفيق الشهادة لو شهد واحد بإقراره بأنه وكله في كذا وآخر بأنه أذن له في التصرف فيه أو فوضه إليه لفقت الشهادتان لان النقل بالمعنى كالنقل باللفظ، وبخلاف ما لو شهد واحد بأنه قال وكلتك في كذا وآخر قال بأنه قال فوضته إليك أو شهد واحد باستيفاء الدين والآخر بالابراء منه فلا يلفقان. انتهى. قال شيخ مشايخنا أحمد المزجد: لو شهد واحد ببيع والآخر بإقرار به أو واحد بملك ما ادعاه وآخر بإقرار الداخل به لم تلفق شهادتهما، فلو رجع أحدهما وشهد كالآخر قبل لانه يجوز أن يحضر الامرين. ومن ادعى ألفين وأطلق فشهد له واحد وأطلق وآخر أنه من قرض ثبت أو فشهد له واحد بألف ثمن مبيع وآخر


[ 353 ]

بألف قرضا لم تلفق وله الحلف مع كل منهما. ولو شهد واحد بالاقرار وآخر بالاستفاضة حيث تقبل لفقا. انتهى. (وسئل) الشيخ عطية المكي نفعنا الله به عن رجلين سمع أحدهما تطليق شخص ثلاثا والآخر الاقرار به فهل يلفقان أو لا ؟. (فأجاب) بأنه يجب على سامعي الطلاق والاقرار به أن يشهدا عليه بالطلاق الثلاث بتا ولا يتعرضا لانشاء ولا إقرار وليس هذا من تلفيق الشهادة من كل وجه، بل صورة إنشاء الطلاق والاقرار به واحدة في الجملة والحكم يثبت بذلك كيف كان وللقاضي بل عليه سماعها. انتهى.


[ 354 ]

خاتمة في الايمان


[ 355 ]

لا ينعقد اليمن إلا باسم خاص بالله تعالى أو صفة من صفاته: كوالله والرحمن والاله ورب العالمين


[ 356 ]

وخالق الخلق. ولو قال وكلام الله أو وكتاب الله أو وقرآن الله أو والتوارة أو والانجيل فيمين. وكذا والمصحف إن لم ينو بالمصحف الورق والجلد. وإن قال وربي وكان عرفهم تسمية السيد ربا فكناية، وإلا فيمين ظاهرا إن لم يرد غير الله ولا ينعقد بمخلوق كالنبي والكعبة للنهي الصحيح عن الحلف بالآباء وللامر بالحلف بالله وروى الحاكم خبرا: من حلف بغير الله فقد كفر وحملوه على ما إذا قصد تعظيمه كتعظيم الله تعالى، فإن لم يقصد ذلك أثم عند أكثر العلماء – أي تبعا لنص الشافعي الصريح فيه – كذا قاله بعض شراح المنهاج. والذي في


[ 357 ]

شرح مسلم عن أكثر الاصحاب الكراهة، وهو المعتد، وإن كان الدليل ظاهرا في الاثم. قال بعضهم وهو الذي ينبغي العمل به في غالب الاعصار لقصد غالبهم به إعظام المخلوق به ومضاهاته لله – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا – وإذا حلف بما ينعقد به اليمين ثم قال لم أرد به اليمين لم يقبل، ولو قال بعد يمينه إن شاء الله وقصد اللفظ والاستثناء قبل فراغ اليمين واتصل الاستثناء بها لم تنعقد اليمين فلا حنث ولا كفارة. وإن لم يتلفظ بالاستثناء بل نواه لم يندفع الحنث ولا الكفارة ظاهرا بل يدين. ولو قال لغيره أقسمت عليك بالله


[ 358 ]

أو أسألك بالله لتفعلن كذا وأراد يمين نفسه فيمين ومتى لم يقصد يمين نفسه بل الشفاعة أو يمين المخاطب أو أطلق فلا تنعقد لانه لم يحلف هو ولا المخاطب ويكره رد السائل بالله تعالى أو بوجهه في غير المكروه وكذا السؤال بذلك ولو


[ 359 ]

قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني فليس بيمين لانتفاء إسم الله أو صفته ولا كفارة وإن حنث نعم يحرم ذلك كغيره ولا يكفر بل إن قصد تبعيد نفسه عن المحلوف أو أطلق حرم ويلزمه التوبة فإن علق أو أراد الرضا بذلك إن فعل كفر حالا وحيث لم يكفر سن له أن يستغفر الله تعالى ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وأوجب صاحب الاستقصاء ذلك ومن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد كلا والله وبلا والله في نحو غضب أو صلة


[ 360 ]

كلام لم ينعقد والحلف مكروه إلا في بيعة الجهاد والحث على الخير والصادق في الدعوى ولو حلف في ترك واجب أو فعل حرام عصى ولزمه حنث وكفارة أو ترك مستحب أو فعل مكروه سن حنثه وعليه كفارة أو على ترك


[ 361 ]

مباح أو فعله كدخول دار وأكل طعام كلا آكله أنا فالافضل ترك الحنث إبقاءا لتعظيم الاسم.


[ 362 ]

فرع: يسن تغليظ يمين من المدعي والمدعى عليه وإن لم يطلبه الخصم في نكاح وطلاق ورجعة وعتق


[ 363 ]

ووكالة وفي مال بلغ عشرين دينارا لا فيما دون ذلك لانه حقير في نظر الشرع نعم لو رآه الحاكم لنحو جراءة الحالف فعله. والتغليظ يكون بالزمان وهو بعد العصر وعصر الجمعة أولى وبالمكان وهو للمسلمين عند المنبر وصعودهما عليه أولى وبزيادة الاسماء والصفات ويسن أن يقرأ على الحالف آية آل عمران: * (إن الذين يشترون


[ 364 ]

بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) *. وأن يوضع المصحف في حجره ولو اقتصر على قوله والله كفى. ويعتبر في الحلف نية الحاكم المستحلف فلا يدفع إثم اليمين الفاجرة بنحو تورية كاستثناء لا يسمعه الحاكم إن لم يظلمه خصمه كما بحثه البلقيني أما من ظلمه خصمه في نفس الامر كأن ادعى على معسر فيحلف لا تستحق علي شيئا أي تسليمه الآن فتنفعه التورية والتأويل لان خصمه ظالم إن علم أو مخطئ إن جهل فلو حلف إنسان ابتداء أو


[ 365 ]

حلفه غير الحاكم اعتبر نية الحالف ونفعته التورية وإن كانت حراما حيث يبطل بها حق المستحق واليمين يقطع الخصومة حالا لا الحق فلا تبرأ ذمته إن كان كاذبا فلو حلفه ثم أقام بينة بما ادعاه حكم بها كما لو أقر الخصم بعد حلفه والنكول أن يقول أنا ناكل أو يقول له القاضي إحلف فيقول لا أحلف. واليمين المردودة وهي يمين المدعي بعد النكول كإقرار المدعى عليه لا كالبينة فلو أقام المدعى عليه بعدها بينة بأداء أو إبراء لم تسمع لتكذيبه لها بإقراره وقال الشيخان في محل تسمع وصحح الاسنوي الاول والبلقيني الثاني وقال شيخنا والمتحه الاول. فرع: يتخير في كفارة اليمين بين عتق رقبة كاملة مؤمنة بلا عيب يخل بالعمل أو الكسب ولو نحو


[ 366 ]

غائب علمت حياته. أو إطعام عشرة مساكين كل مسكين مد حب من غالب قوت البلد. أو كسوتهم بما يسمى كسوة


[ 367 ]

كقميص أو إزار أو مقنعة أو منديل يحمل في اليد أو الكم لا خف فإن عجز عن الثلاثة لزمه صوم ثلاثة أيام ولا يجب تتابعها خلافا لكثيرين.


[ 368 ]

باب في الاعتاق هو إزالة الرق عن الآدمي والاصل فيه قوله تعالى: * (فك رقبة) * وخبر الصحيحين أنه (ص) قال: من أعتق رقبة مؤمنة – وفي رواية امرأ مسلما – أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار حتى الفرج بالفرج


[ 369 ]

وعتق الذكر أفضل. وروي أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أعتق ثلاثين ألف نسمة أي رقبة وختمنا كالاصحاب بباب العتق تفاؤلا (صح عتق مطلق تصرف) له ولاية ولو كافرا فلا يصح من صبي ومجنون ومحجور بسفه أو فلس ولا من غير مالك بغير نيابة: (بنحو أعتقتك أو حررتك) كفككتك وأنت حر أو عتيق


[ 370 ]

وبكناية مع نية كلا ملك أو لا سبيل لي عليك أو أزلت ملكي عنك وأنت مولاي وكذا يا سيدي على المرجح وقوله أنت إبني أو هذا أو هو إبني أو أبي أو أمي إعتاق إن أمكن من حيث السن وإن عرف نسبه مؤاخذة له بإقراره أو يا ابني كناية فلا يعتق في النداء إلا إن قصد به العتق لاختصاصه بأنه يستعمل في العادة كثير الملاطفة وحسن المعاشرة كما صرح به شيخنا في شرح المنهاج والارشاد وليس من لفظ الاقرار به قوله لا عتق لعبد فلان لانه لا


[ 371 ]

يصلح موضوعه لاقرار ولا إنشاء وإن استعمل عرفا في العتق كما أفتى به شيخنا رحمه الله تعالى (ولو بعوض) أي معه فلو قال أعتقتك على ألف أو بعتك نفسك بألف فقبل فورا عتق ولزمه الالف في الصورتين والولاء للسيد فيهما (ولو أعتق حاملا) مملوكة له هي وحملها (تبعها) أي الحمل في العتق وإن استثناه لانه كالجزء منها، ولو أعتق الحمل عتق إن نفخت فيه الروح دونها، ولو كانت لرجل والحمل لآخر بنحو وصية لم يعتق أحدهما بعتق


[ 372 ]

الآخر (أو) أعتق (مشتركا) بينه وبين غيره أي كله (أو) أعتق (نصيبه) منه كنصيبي منك حر (عتق نصيبه) مطلقا (وسرى الاعتاق) من موسر لا معسر لما أيسر به من نصيب الشريك أو بعضه ولا يمنع السراية دين مستغرق بدون حجر واستيلاد أحد الشريكين الموسر يسري إلى حصة شريكه كالعتق وعليه قيمة نصيب شريكه وحصته من مهر المثل لا قيمة الولد أي حصته ولا يسري التدبير (ولو ملك) شخص (بعضه) من أصل أو فرع وإن بعد (عتق


[ 373 ]

عليه) لخبر مسلم. وخرج بالبعض غيره كالاخ فلا يعتق بملك (ومن قال لعبده أنت حر بعد موتي) أو إذا مت


[ 374 ]

فأنت حر أو أعتقتك بعد موتي وكذا إذا مت فأنت حرام أو مسيب مع نية (فهو مدبر يعتق بعد وفاته) من ثلث ماله بعد الدين (وبطل) أي التدبير (بنحو بيع) للمدبر فلا يعود وإن ملكه ثانيا ويصح بيعه (لا برجوع) عنه (لفظا)


[ 375 ]

كفسخته أو عقصته ولا بإنكار للتدبير ويجوز له وطئ المدبرة ولو ولدت مدبرة ولدا من نكاح أو زنا لا يثبت للولد حكم التدبير. فلو كانت حاملا عند موت السيد فيتبعها جزما، ولو دبر حاملا ثبت التدبير للحمل تبعا لها إن لم يستثنه وإن انفصل قبل موت سيدها لا إن أبطل قبل انفصاله تدبيرها والمدبر كعبد في حياة السيد. ويصح تدبير مكاتب وعكسه، كما يصح تعليق عتق مكاتب ويصدق المدبر بيمين فيما وجد معه وقال كسبته بعد الموت وقال الوارث بل قبله لان اليد له (الكتابة) شرعا عقد عتق بلفظها معلق بمال منجم بنجمين فأكثر وهي (سنة) لا واجبة


[ 376 ]

وإن طلبها الرقيق كالتدبير (بطلب عبد أمين مكتسب) بما يفي مؤنته ونجومه فإن فقدت الشروط أو أحدها فمباحة (وشرط في صحتها لفظ يشعر بها) أي بالكتابة (إيجابا ككاتبتك) أو أنت مكاتب (على كذا) كمائة (منجما مع)


[ 377 ]

قوله (إذا أديته فأنت حر وقبولا كقبلت) ذلك (و) شرط فيها (عوض) من دين أو منفعة. (مؤجل) هنا ليحصله


[ 378 ]

ويؤديه (منجم بنجمين فأكثر) كما جرى عليه أكثر الصحابة رضوان الله عليهم ولو في مبعض (مع بيان قدره) أي العوض (وصفته) وعدد النجوم وقسط كل نجم (ولزم سيدا) في كتابة صحيحة قبل عتق (حط متمول منه) أي العوض لقوله تعالى: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * فسر الايتاء بما ذكر لان القصد منه الاعانة على


[ 379 ]

العتق وكونه ربعا فسبعا أولى (ولا يفسخها) أي يجوز فسخ السيد الكتابة (إلا إن عجز مكاتب عن أداء) عند المحل لنجم أو بعضه (أو امتنع عنه) عند ذلك مع القدرة عليه (أو) غاب عند ذلك وإن حضر ماله أو كانت غيبة المكاتب دون مسافة القصر فله فسخها بنفسه وبحاكم متى شاء لتعذر العوض عليه وليس للحاكم الاداء من


[ 380 ]

مال المكاتب الغائب (وله) أي للمكاتب (فسخ) كالرهن بالنسبة للمرتهن فله ترك الاداء والفسخ وإن كان معه وفاء (وحرم عليه تمتع بمكاتبة) لاختلال ملكه ويجب بوطئه لها مهر لا حد والولد حر (وله) أي للمكاتب (شراء إماء لتجارة لا تزوج إلا بإذن سيده ولا تسر) ولو بإذنه يعني لا يجوز وطئ مملوكته وما وقع للشيخين في موضع مما يقتضي جوازه بالاذن مبني على الضعيف أن القن غير المكاتب يملك بتمليك السيد. قال شيخنا: ويظهر أنه ليس له الاستمتاع بما دون الوطئ أيضا ويجوز للمكاتب بيع وشراء وإجارة لا هبة وصدقة وقرض بلا إذن سيده.


[ 381 ]

فرع: لو قال السيد بعد قبضه المال كنت فسخت الكتابة فأنكر المكاتب صدق بيمينه لان الاصل عدم الفسخ وعلى السيد البينة. ولو قال كاتبتك وأنا صبي أو مجنون أو محجور علي فأنكر المكاتب حلف السيد إن عرف له ذلك وإلا فالمكاتب لان الاصل عدم ما ادعاه السيد (إذا أحبل حر أمته) أي من له فيها ملك وإن قل ولو


[ 382 ]

كانت مزوجة أو محرمة لا إن أحبل أمة تركة مدين وارث معسر (فولدت) حيا أو ميتا أو مضغة مصورة بشئ من خلق الآدميين (عتقت بموته) أي السيد من رأس المال مقدما على الديون والوصايا وإن حبلت في مرض موته


[ 383 ]

(كولدها) الحاصل (بنكاح أو زنا بعد وضعها) ولدا للسيد فإنه يعتق من رأس المال بموت السيد وإن كانت أمه قبل ذلك (وله وطئ أم ولد) إجماعا واستخدامها وإجارتها وكذا تزويجها بغير إذنها (لا تمليكها) لغيره ببيع أو هبة فيحرم ذلك ولا يصح وكذا رهنها (كولدها متابع لها) في العتق بموت السيد فلا يصح تمليكه من غيره كالام


[ 384 ]

بل لو حكم به قاض نقض على ما حكاه الروياني عن الاصحاب وتصح كتابتها وبيعها من نفسها ولو ادعى ورثة سيدها مالا له بيدها قبل موته فادعت تلفه أي قبل الموت صدقت بيمينها كما نقله الاذرعي فإن ادعت تلفه بعده لم تصدق فيه كما قاله شيخنا رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأفتى القاضي فيمن أقر بوطئ أمته فادعت أنها أسقطت منه ما تصير به أم ولد بأنها تصدق إن أمكن ذلك بيمينها فإذا مات عتقت أعتقنا الله تعالى من النار،


[ 385 ]

وحشرنا في زمرة المقربين الاخيار الابرار وأسكننا الفردوس من دار القرار، ومن علي في هذا التأليف وغيره


[ 386 ]

بقبوله وعموم النفع به وبالاخلاص فيه ليكون ذخيرة لي إذا جاءت الطامة وسببا لرحمة الله الخاصة والعامة.


[ 387 ]

الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. وصلى الله وسلم أفضل صلاة وأكمل سلام على أشرف مخلوقاته محمد وآله وأصحابه وأزواجه عدد معلوماته ومداد كلماته وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله


[ 388 ]

العلي العظيم. يقول المؤلف عفا الله عنه وعن آبائه ومشايخه: فرغت من تبييض هذا الشرح ضحوة يوم


[ 389 ]

الجمعة الرابع والعشرين من شهر رمضان المعظم قدره سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يقبله وأن يعم النفع به ويرزقنا الاخلاص فيه ويعيذنا به من الهاوية، ويدخلنا به في جنة عالية، وأن يرحم امرءا


[ 390 ]

نظر بعين الانصاف إليه، ووقف على خطأ فأطلعني عليه أو أصلحه الحمد لله رب العالمين. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون. وعلينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

Welcome to WordPress.com. This is your first post. Edit or delete it and start blogging!